والآلات التي نصبها المحاكون في المراسي والبراري مع من يحكمها ويسيرها: من رجال العلوم الرياضية، كانت برهاناً على أن لتلك العلوم عند هؤلاء الدخلاء مبلغاً وراء الذي تركناها عليه، نحن معاشر الأصيلين، لما رفعنا أيدينا عن الاكتشاف والبحث في العلوم الرياضية، وجففنا أقلامنا من التأليف فيها.
كل هذه الدواعي للنظر والنواحي من التأمل كانت مبذولة للسيد جمال الدين الأفغاني في البلاد الهندية لما سافر إليها شاباً سنة ١٢٧١هـ، وهو ابن ثمانية عشر عاماً قد استكمل تخرجه في العلوم العالية ببلاد أفغانستان، فأقام في الهند نحواً من سنتين يستكمل العلم بتعاطي الرياضيات على الطريقة الأوروبية الجديدة، ويستكمل العقل بالتأمل في تلك الاعتبارات الحكيمة الاجتماعية التي ينطق بها وضع الحياة في القارة الهندية ولا سيما وضع الحياة الإسلامية من هموم المجتمع الهندي، وواصل سيره من الهند في سفرة طويلة كثيرة المراحل عبر الأقطار حتى انتهى إلى الحرمين الشريفين فحج في حجة سنة ١٢٧٣هـ ورجع إلى وطنه الأفغاني، وقد ملأ وطابه خبرة بأحوال الأقطار وتجارب الأمم.


الصفحة التالية
Icon