وعلى غرار هذه القواعد نسج السيد جمال الدين خطة عمله الإصلاحي الذي شمر للاضطلاع به عند استهلال هذا القرن الرابع عشر، لما فارق البلاد الهندية أواخر سنة ١٣٠٠ هجرية، وسنة ١٨٨٣ ميلادية فمر على مصر من قناة السويس، وكتب من هنالك يستنجد بأخص أبنائه، وأخلص أصفيائه: الشيخ محمد عبده، ليتداركه بقوة جنانه وبيانه، ويلتحق به إلى أوروبا لينجزا معاً ما فكر فيه من أمر.
وكانت يد الجبروت، التي خرجت بالسيد جمال الدين من الهند، قد خرجت قبله، من حيث لا يعلم هو، بصديقه وتلميذه من مصر منفياً، فأقام في بيروت.
جمعت رياح الأحداث بين الرجلين في باريس، أوائل السنة الموالية، فامتزجت الروح بالروح، وتجسمت الفكرة القلم، وأقبل جمال الدين بعقله، ومحمد عبده بقلمه، يخطان منهج الخلاص في جريدة " العروة الوثقى "، مؤلفين بين مراحله العرضية في معالجة الأحداث الجارية يومئذ في العالم الإسلامي، وبين مقاماته الجوهرية في معالجة الانحرافات: الاعتقادية، والخلقية، والاجتماعية، التي نزلت بالعالم الإسلامي، وبيان براءة الإسلام منها، وإن عود الإسلام إلى حالة عزه متوقف على تقويم تلك الانحرافات.
وتجسدت بذلك عناصر الفكرة الإصلاحية جلية لصاحبيها، قبل أن تتجسد لمن عداهما من الناس، واتخذت فكرة جمال الدين الأفغاني من بلاغة قلم تلميذه، ونفوذ بيانه، معارض برزت فيها صورها صافية ناصعة، وقد تخلصت مما كان رائناً عليها من انقباض طبعه، وتشاؤم نزعته وانحلت عنها عقدة العجمة التي كانت ترسف في قيودها، فأصبح الرجلان متكاملين، وتمازجا وتفاعلا حتى صارا مثنيين، فإذا كل منهما هو الآخر بعينه.