وبصدور المنار سنة ١٣١٥هـ بدأت تبرز أفكار الأستاذ الإمام في مجالات نظرية مشروحة موصلة، وبانتشار المنار بدأت تلك المبادئ تشيع وتنتشر، بحيث أن إمامة الشيخ محمد عبده لم تتأسس في الحقيقة إلا على صدور مجلة المنار. فيها نشرت تقاريره، ومقالاته وفتاويه ومواقفه في الدفاع عن الإسلام، وفيها رد على الكائدين له ومقاوميه، وفيها مجد اسمه، وأعليت سمعته، وفيها تلقب بالأستاذ الإمام، وفيها وهو أهم شئ، في موضوعنا، نشر تفسيره، ولها كتب وبقلم منشئها حرر.
كان درس التفسير سائراً على منهج الاعتناء بحاجة العصر وعدم التقيد بما هو موجود في كتب التفسير، وتدارك ما خلت منه من مرامي الحكمة الإسلامية الجديرة بالإبراز والتقرير.
وكان صاحب المنار هو الذي طلب ذلك الدرس، وألح في طلبه وابتدأ وأعاد حتى أقنع الأستاذ الإمام بإقرائه.
وكان يكتب في أثناء الإلقاء مذكرات مقتضبة، ثم يعود إلى تبييضها وإعدادها بما في ذاكرته من الدرس.
ولم يشرع في نشر الخلاصات التي يكتبها إلا بعد عام من الشروع في الدرس. فقد ابتدأ الأستاذ الإمام الدرس في المحرم سنة ١٣١٧هـ وابتدأ نشر الدروس في المنار في المحرم سنة ١٣١٨هـ. وكان الشيخ عبده يطلع على ما سينشر، بعد التصفيف في المطبعة وقبل الإخراج فربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات.
على أن صاحب المنار لم يكن يتحرى حكاية أو تلخيصاً لما يقوله الأستاذ الإمام، بل كان يكتب ما يجده في نفسه من إدراك لمعنى الآية بما ثار في فكره، أو انساق إليه علمه مما يوضح معنى الآية، ويحتفل لإيراد ما اختص ببيانه الأستاذ من المعاني المبتكرة المستجدة، فيعزو ذلك إليه صراحة.
وكان الأستاذ الإمام يطلع على ذلك كله ويقره لما كان حياً.


الصفحة التالية
Icon