ص : ٥٤٨
ثالثا : أنه يبعد كل البعد أن يصف اللّه بالزنى أحد أولئك القوم وهم مهاجرون قد أسلموا وحسن إسلامهم، ومحا اللّه عنهم كل أوضار الشرك وآثاره.
رابعا : عدم التوافق بين معنى الزاني والزانية هنا، ومعناها في الآية السابقة :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا إلخ وقد قلنا : إنّ الأولى اتحاد المعنى في كلّ من الآيتين.
ولعلّك تفهم من صنيعنا في ترتيب هذه التأويلات أنّ أقواها وأولاها بالصواب فيما نرى الأول والثاني.
وبعد... فإنا ذاكرون لك هنا خلاف السلف في تزويج الزانية، فعليّ وعائشة والبراء وابن مسعود في إحدى الروايتين عنه أنّ من زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها.
وعن علي إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته، وكذلك هي إذا زنت.
وعن الحسن أنّ المحدودة في الزنى لا يتزوجها إلا محدود مثلها.
وأبو بكر، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود في الرواية الأخرى عنه، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين، وفقهاء الأمصار جميعا : على جواز نكاح الزانية، وأنّ الزاني لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب الفرقة بينهما.
ويؤيد هذا الرأي ما أخرجه الطبراني والدار قطني «١» من
حديث عائشة قالت : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها فقال :«أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال».
وما رواه أبو داود والنسائي «٢» وغيرهما عن ابن عباس أنّ رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
«إن امرأتي لا تمنع يد لا مس». قال صلّى اللّه عليه وسلّم :«غربها» قال : أخاف أن تتبعها نفسي قال :
«فاستمتع بها»
وإسناده إسناد صحيح.
قال أبو سليمان الخطابي إمام هذا الفن في «معالم السنن» قوله :«لا تمنع يد لامس» معناه الزانية، وأنها مطاوعة من أرادها، لا ترد يده، قال : وقوله :«غرّبها»
أي أبعدها بالطلاق، وأصل الغرب البعد، قال : وفيه دليل على جواز نكاح الفاجرة.
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم :«فاستمتع بها»
أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها ومن وطرها، والاستمتاع بالشيء الانتفاع به إلى مدة، ومنه نكاح المتعة، ومنه قوله تعالى :
إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ [غافر : ٣٩] اه وهكذا فسره المحققون من الفقهاء
(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٧٩)، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد حديث رقم (٢٠٤٩)، والنسائي (٥ - ٦/ ٣٧٥)، كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٩).