قال القرطبي: فالشائع الذائع الْمتَعالَم عند أهل الرواية والنقل أن عبد الله بن مسعود تعلَّم بقية القرآن بعد وفاة رَسُول اللهِ - ﷺ -، وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن.(١٥)
ويضاف إلى هذا ما كان لزيد بن ثابت من الخصال التي أهلته لجمع القرآن على عهد الصدِّيق، كما مرَّ بنا.(١٦)
وقد كان يكفي لاختياره لِهذا العمل ثقة النَّبِيّ - ﷺ - فيه، إذ أمره أن يتعلم كتاب يهودٍ، فتعلمه في سبعةَ عشرَ يومًا، فضرب بذلك أروع مثلٍ في الفطنة والذكاء، مع حداثة سِنِّه - رضي الله عنه -.
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلاَّ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ.(١٧)
وفي رواية أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَتَعَلَّمْهَا. فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.(١٨)
وقد أنكر الصحابة على ابن مسعود ما فعله من منافرة الجماعة فيما رأوا من نسخ المصاحف واختيار زيد لذلك العمل، ومن تحريضه الناس على عدم تحريق مصاحفهم، كما مرَّ قريبًا في حديث الزهري، وفيه:
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ـ(١٩)


الصفحة التالية
Icon