وقد اقتصر القراء على طريقة المشافهة في نقل القرآن لأن الهيئات الصوتية من تفخيم وترقيق، ومدٍّ وقصرٍ، وإدغام وإظهارٍ، وفتح وإمالة، وغيرها -لا يمكن تَمييزها وإتقان النطق بالكتاب، بل لا بدَّ في كل ذلك من المشافهة.(٩)
وبعد مرور نحو أربعين سنة على تسجيل أول المصاحف المرتلة الكاملة، لا يشكُّ أحد أن المصاحف المرتلة المسجلة كان لَها أثرٌ ظاهرٌ في تسهيل تطبيق تلك الأحكام الصوتية، وأنَّها سهَّلت على الكافَّة الأخذ بِها.(١٠)
٢ - المحافظة على القراءات الثابتة(١١)
مرَّ بنا في الباب الثالث أن عثمان - رضي الله عنه - أرسل المصاحف إلى الأمصار، وأرسل مع كل مصحفٍ قارئًا يقرئ الناس بِما يوافق المصحف الذي أرسل معه، فتتابع القراء بعد ذلك يقرءون بِما يوافق مصاحف بلدانِهم، مِمَّا تلَقَّوه عن مشايخهم، ثم نقلت إلينا اختيارات عشرة من الأئمة في القراءة،(١٢) فما زالت مقروءة منقولة إلى الآن.
وقد اتفق على أن قراءات الأئمة العشرة متواترة، مقروء بِها، وعلى أن ما خالفها من اختيارات غيرهم شاذة، غير مقروء بِها.(١٣)
قال عبد الوهاب بن علي السبكي: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف -متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلومٌ من الدين بالضرورة أنه منَزَّل على رَسُول اللهِ - ﷺ -، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهلٌ، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلمٍ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عامِّيًّا جلفًا، لا يحفظ من القرآن حرفًا.(١٤)
وقال أيضًا: القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.(١٥)


الصفحة التالية
Icon