فقد كان من عادة الأئمة إفراد كل قارئ من القراء بِختمة، لا يخلط فيها قراءته بقراءة غيره، وكانوا يبالغون في تحرير الطرق والوجوه، حتى لو اقتضى ذلك الواحد منهم ملازمة شيخه دهرًا طويلاً، ومن ذلك أن الأستاذ أبا الحسن الحصري القيرواني قرأ القراءات السبع على شيخه أبي بكر القصري تسعين ختمة في عشر سنين، قال في قصيدته الرائية:(١٥)
وأذكر أشياخي الذين قرأتُها...... عليهم فأبدا بالإمام أبي بكرِ
قرأتُ عليه السبع تسعين ختمةً...... بدأتُ ابن عشرٍ ثم أكملتُ في عشرِ
وقد استمر عمل المقرئين على ذلك زمنًا، ثم لما فترت همم الناس، واحتاجوا إلى سرعة العرض، ظهر الجمع بين القراءات في الختمة الواحدة.
قال ابن الجزري: وهذا الذي كان عليه الصدر الأول، ومن بعدهم، إلى أثناء المائة الخامسة، عصر الداني ابن شيطا والأهوازي والهذلي ومن بعدهم، فمن ذلك الوقت ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمر إلى زماننا، وكان بعض الأئمة يكره ذلك من حيث إنه لم تكن عادة السلف عليه، ولكن الذي استقر عليه العمل هو الأخذ به، والتقرير عليه، وتلقيه بالقبول، وإنما دعاهم إلى ذلك فتور الهمم، وقصد سرعة الترقي والانفراد...(١٦)
فإن كان ابتكار طريقة الجمع لحاجة الناس إلى سرعة العرض، وتوفير الوقت، فإن هذه الحاجة غير موجودة في مصحف يراد له أن يكون حافظًا لقراءات القرآن، فإن الجمع بِهذه الطريقة تكون وجوه القراءات فيها مدرجة متتابعة، لا يستطيع تمييزها إلا قارئ ماهر متقن، فلا شك أن جدواها عند عوام المسلمين قليلة.
والمشروع فيما عدا ذلك عظيم النفع في الناحية العلمية والتدريسية، ففيه التدريب العملي لدارسي القراءات، مع ما فيه من التوجيه للقارئ، والتطبيق العملي للأحكام التي يعسر على القارئ تعلمها دون سماع، من الفتح والإمالة، والتفخيم والترقيق، والإشمام والروم وغير ذلك.


الصفحة التالية
Icon