واختلف العلماء فيمن أكره على الزنى من الرجال هل يرتفع عنه الحد كما يرتفع عن المرأة؟
فذهب الجمهور : إلى أنّ الإكراه يرفع الحد عن الرجل والمرأة، ولقوله عليه السلام « رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرهوا عليه ».
وذهب ( أبو حنيفة ) إلى أنّ الرجل إذا أكره على الزنى فإنه يحد إلا إذا أكرهه سلطان وأما المرأة فلا حدّ عليها، وحجّتُه في ذلك أنّ الإكراه ينافي الرضى، وما وقع عن طوع ورضى فغير مكره عليه. ومعلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلفٍ على النفس، والانتشارُ والشهوةُ ينافيهما الخوفُ والوجل. فلمّا وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال عُلِمَ أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرهاً خائفاً لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على ان فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد.
طريقة الزنى في الجاهلية :
والبغاء الذي كان منتشراً في الجاهلية كان على نوعين :
الأول : البغاء في صورة النكاح.
الثاني : البغاء العام في الإماء والحرائر.
أما الأول : فكانت تحترفه بعض الإماء اللواتي لم يكن لهن من يكفلهن، أو الحرائر اللواتي لم يكن لهن بيت أو أسرة تضمهن، فكانت إحداهن تجلس في بيت، وتتفق في آن واحد مع عدة رجال، على أن ينفقوا عليها ويقوموا أمرها ويقضوا منها حاجتهم. فإذا حملت ووضعت أرسل إليهم حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد وَلَدْتُ وهو ابنُك يا فلان، فتسمي من أحبّت باسمه، فيلتحق نسبه به.
فهذا نوع من البغاء كان يتناكح به أهل الجاهلية وهو البغاء في صورة النكاح.
وأما البغاء العام : فكان معظمه بواسطة الإماء وربما وقع من بعض الحرائر أيضاً وهو أيضاً على وجهين :
الأول : أن بعض السادة كانوا يفرضون على إمائهم مبلغاً كبيراً من المال يتقاضونه منهن في كل شهر، فكنّ يكسبْن بالفجور، لأنه لا يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن سادتهن بحرفة طاهرة فكنَّ يحترفن البغاء.
والوجه الثاني : أنّ بعض العرب كانوا يُجْلسون الفتيات الشابات من إمائهن في الغرفات، وينصبون على أبوابهم رايات، تكون علماً لمن أراد أن يقضي منهن حاجته، وكانت بيوتهن تسمى ( المواخير ) وكانوا يستدرُّون من ورائهن المال فإذا أبت إحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة حتى لا ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث الذي كان يُكْسبه المال الوفير.
وهذا ( عبد الله بن أبيّ ) رأس النفاق كان له ست إماء شابات جميلات يكرههن على البغاء، طلباً لكسبهن، وفيه نزلت الآيات الكريمة المتقدمة.
أقول : ما أشبه جاهلية ( القرن العشرين ) في زماننا بتلك الجاهلية الأولى حيث تنظّم بيوت الدعارة تحت حماية القانون، وتحميها الشرطة ويقصدها الراغبون بأجرٍ معلوم، وليس فيها ما يختلف عن الأولى إلا أنها ( أشنع وأفظع ) لأنها في ( الحرائر ) وبشكل فاضح مكشوف، وقد قال ﷺ :


الصفحة التالية
Icon