فقد تنوعت طرق النقل والتحمُّل في علوم الشريعة من السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، إلى المناولة والإجازة والمكاتبة والوصية والإعلام والوجادة،(٢) وظاهرٌ أنَّ هذه الطرق تصلح لنقل لجميع علوم الشريعة، أما نقل القرآن، فإن ما عدا الطريقتين الأوليين لا يتأتى فيه، لذا فقد اقتصر القراء في نقل القرآن على السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، وهذا أمرٌ يعتمد على المشافهة.(٣)
ويستدل لِهاتين الطريقتين بعرض النَّبِيّ ؟ القرآن على جبريل ؟، كما مرَّ بنا،(٤) كما كان الصحابة ؟ يقرءون على النَّبِيّ ؟، ويتعلمون منه مشافهة:
فعن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ؟ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً.(٥)
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ؟: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَة: } فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا {،(٦) قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.(٧)
وكان النَّبِيّ ؟ يقرأ أيضًا على أصحابه، ليستمعوا إلى قراءته، ويتعلموا منه ؟:
فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللهُ عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ؟ لأُبَيٍّ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ. قَالَ أُبَيٌّ: آللهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: اللهُ سَمَّاكَ لِي فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.(٨)
وقد اقتصر القراء على طريقة المشافهة في نقل القرآن لأن الهيئات الصوتية من تفخيم وترقيق، ومدٍّ وقصرٍ، وإدغام وإظهارٍ، وفتح وإمالة، وغيرها -لا يمكن تَمييزها وإتقان النطق بالكتاب، بل لا بدَّ في كل ذلك من المشافهة.(٩)