٢) تأويل طمس الوجوه بردها عن الحق:
جاء استعمال الوجه في القرآن بغير مفهومه الحسي كما يلي:
جاء الوجه بمعنى: أول الشيء وبدايته كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالذِي أُنْزِل عَلى الذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (٧٢: آل عمران).
وفسر الوجه بحقيقة الشيء وكنهه كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلى وَجْهِهَا﴾ (١٠٨: المائدة).
ومن هذا الوادي فسر بعضهم طمس الوجه بالتحول عن الصراط الحق.
وقد عزا الطبري هذا الرأي إلى المفسر التابعي مجاهد بن جبر بعدد من الأسانيد، وعبارته: ( ﴿َنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً﴾ عن صراط الحق ﴿فنردها على أدبارها﴾ في الضلالة).
ونسب الطبري هذا الرأي إلى الحسن كذلك، وأخبرنا أن الضحاك فسرها بقوله: "أي أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد ﷺ وما جاء به".
وكان للطبري رده الوجيز البليغ على هذا الرأي حين قال١: "فبين فساد قول من قال ذلك، فما وجه رد من هو في الضلالة فيها؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: نرده فيه".
٣- تأويل الوجوه بالديار والمساكن:
وبعضهم فسر طمس الوجوه بقوله: "من قبل أن نطمس وجوههم التي هم ٢فيها، فنردهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز".
وقد قال الطبري٣ عن هذا الرأي: إنه "مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد".
وذلك أن المعروف من (الوجوه) في كلام العرب التي هي خلاف (الأقفاء)، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب٤ في كلام من نزل بلسانه، حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه.
٤- تأويل طمس الوجوه بإبطال المؤامرات:
وقال بعضهم المقصود بطمس الوجوه إبطال مؤامراتهم.
وبهذا التأويل قال الشيخ رشيد رضا، وعبارته: "فظاهر معنى العبارة هنا: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من

١ انظر الطبري ج ٨ ص ٤٤٣.
٢ والمقصود بالوجوه على هذا التأويل أماكن الإقامة.
٣ انظر تفسير الطبري ج ٨ ص ٤٤٤.
٤ هذه العبارة قاعدة جليلة لو اتبعها كثير ممن يصرفون النصوص عن حقائقها، لوفروا على هذه الأمة جهودا ضيعت وأوقاتا بددت، ولكفيت الأمة شر فتن كثيرة.


الصفحة التالية
Icon