١٠- اختيارنا في المسألة:
والحق أن اختيارنا في المسألة لا يخالف في شيء ما اختاره شيخ المفسرين، واستدل له بصريح دلالة ألفاظ القرآن، وبما برهن عليه السياق١، ومع هذا فإن المنهج العلمي يقتضينا أن نذكر الرأي المخالف ليكون القارئ على بينة، وقد وجدنا عند القاسمي جلاء وبينا لهذا الرأي.
١١- رأي القاسمي:
عرض القاسمي للقراءات في الآية ثم للإشكال فيها، فقال٢: "وهاهنا قراءتان: الأولى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا رَبُّكَ﴾ بالياء على أنه فعل وفاعل و ﴿أَنْ يُنَزِّل﴾ المفعول، والثانية بالتاء و ﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب أي سؤال ربك، فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير والكسائي.
قال أكثر المفسرين٣: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز؛ إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي٤، وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل يخف عليك أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية؛ لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبِي﴾، ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب؛ ولهذا السبب قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
وحاصله أن ﴿هَل يَسْتَطِيعُ﴾ سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، وهو تعبير عنه بلازمه، أو عن السبب بسببه، وقيل المعنى: هل يستطيع ربك؟ أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع)، وهما بمعنى واحد والسين زائدة، كاستجاب وأجاب٥، واستجبْ وأجب، و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع.

١ لولا خشية الإطالة لنقلنا رأي الطبري كاملا فانظره إن شئت ج ١١ ص ٢٢٠ إلى ٢٢٢.
٢ انظر كتاب (محاسن التأويل) ج ٦ ص ٢١١٢، ٢٢١٣.
٣ قوله: (أكثر المفسرين) لا يخلو من مجانبة للدقة.
٤ في الاستنهاض والمطالبة.
٥ تتضمن استجاب معنى أجاب، وفي زيادة المبنى زيادة معنى، تأمل ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ (١٩٥ك آل عمران) ﴿ادعوني استجب لكم﴾ (٦٠: غافر) تجد فيها الإجابة والعطاء، وبالنسبة للبشر وما فيهم من قصور جاء على لسانهم قوله تعالى: ﴿نجب دعوتك ونتبع الرسل..﴾ (٤٤: إبراهيم).


الصفحة التالية
Icon