قراءة أبي هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التفسير.
وقالوا في تفسير القراءة إنها تكلمهم ببطلان الأديان سوى الإسلام، وقيل تكلمهم بما يسوءهم، وقيل تكلمهم بلسان ذلق يسمعه من قرب وبعد ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات.
وبعض المفسرين حمل هذه القراءة على أنها تكثير وتضعيف١ من (تكلمهم).
وفي هذا قال الزمخشري٢: "ويجوز أن يكون (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم، أي مجرح، فهي عنده كقراءة (لنحرقنه) - بتشديد الراء - التي فسرت بقراءة علي رضي الله عنه (لنحرقنه) بغير تشديد الراء".
والثانية: هي (تكلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام، من الكلم وهو الجرح.
وفسر بعضهم (كلمها) بما رواه أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم".
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن علي أيضا من أنها تُكلِّم المؤمن٣ وتَكْلم الكافر، أي تجرحه٤.
تأويل الدابة بدودة القطن
...
٥- تأويل الدابة ودودة القطن:
وأما الذين إذا ذكر خبر من أخبار الغيب اشمأزت نفوسهم، وتجهمت وجوههم، فقد كبر عليهم أن يخرج الله دابة من الأرض تكلم الناس، فحاروا وداروا واستبانوا أنهم لا يستطيعون التكذيب، فبحثوا عن مخرج للتأويل، وأعانهم على بحثهم هذا أن أسعفتهم رواية ابن عباس التي يقرأ فيها (تكلمهم) ٥ بفتح التاء وبتخفيف اللام، من الكلم وهو الجرح، وأنه رضي الله عنه لما سئل هل هي تكلِّمهم أو تكلمهم فقال: "كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن، وتكلم الكافر".
فارتضى دعاة العقلانية هذه القراءة لأنها أقرب إلى التصورات المادية، ولقد سمعت منذ عشرين عاما محاضرا يقرأ هذه الآية الكريمة ويفسر دابة الأرض بأنها حشرات الزرع، وخص دودة القطن من بين هذه الحشرات؛ لأنها كلمت القوم وآذتهم بإتيانها على محصول القطن، وكانت مصر وقتها تمر بمحنة زراعية من جراء إتلاف هذه الدودة البغيضة للقطن، وما أظن هذا المحاضر بهذا التأويل إلا آثِرا له عن غيره، وليس آتيا به من عند نفسه، وغاب عنه أنها من أمارات الساعة، وأن القطن لا يزرع في كل بلدان العالم.

١ نفسه ص ٢٣٨، وهو رأي المفسر ابن أبي حاتم، وانظر فتح القدير للشوكاني ج ٤ ص ١٥٢.
٢ انظر الكشاف ج ٢ ص ٤٦٢.
٣ من الكلام أي تخاطبه.
٤ انظر القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٨.
٥ انظر في أسانيد هذه القراءة تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٣٧٤، وتفسير الخازن ج ٥ ص ١٣٠.


الصفحة التالية
Icon