امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني
فهذا ما يسمونه (لسان الحال)، وله شواهد كثيرة جدا في القرآن والحديث، وقد غفل عنه الكثيرون فحملوه على الحقيقة، وجعلوه من الخطاب بلسان المقال، ولا حجة لهم، إلا أن الله تعالى قادر على كل شيء، ومن ذا الذي ينكر قدرته، ولكننا نرى أن حمل هذه الآية ونظائرها على التمثيل كما ذكرنا عن أهل السان في الحكاية عن ما لا يعقل أمثل وأبلغ من حملها على الحقيقة، ولا داعي عقلا أو شرعا للحمل عليها.." ا؟.
تعقيب على دعاوى الشيخ المغربي:
قال الشيخ: "إنه لا يرى داعية من العقل أو الشرع تدعوه إلى فهم (دعاء النار) على حقيقته".
ولست أرى أي قرينة استظهر بها الشيخ ليصرف بها دلالة الدعاء من الحقيقة إلى المجاز، إلا قرينة استبعاد الوقوع، وما نشأ هذا الاستبعاد إلا من تحكيم العقل المتقوقع في آفاقه الضيقة، وجعل قوانين العالم المحسوس المشهود، حكما على أخبار مستكنة في أرحام الغيوب، ولو استشرفنا إلى آفاق أرحب لقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (من ٧: آل عمران).
هل ترى النار أصحابها حقيقة؟
قال الحق جل ذكره في وصف جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان).
وكانت اتجاهات المفسرين في فهم الآية كما يلي:
١- حمل الرؤية على حقيقتها، وكذلك التغيّظ والزفير، وليس هناك ما يمنع من أن يجعل الله لها حسا وإدراكا، وقد وصف القرطبي ١ الحمل على الظاهر بأنه هو الأصح، مستدلا بما روي مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا"، قيل يا رسول الله وهل لها عينان؟ قال: "أما سمعتم الله عز وجل يقول": ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان)، "يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ناطق، فيقال وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر، فلهو - أي العنق - أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه"٢.
١ انظر الجامع لأحكام القرآن ج ١٣ ص ٧، ٨.
٢ قال القرطبي عن سند هذا الحديث: ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه.. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.. وقال هذا حديث حسن غريب صحيح، وانظر القرطبي ج ١٣ ص ٨، والسمسم: بالكسر هو الجلجلان.


الصفحة التالية
Icon