وقوله: ﴿مُوتُواْ﴾ صورتُه أمر ومعناه الدعاء، وقيل: معناه الخبر أي: إن الأمر كذلك، وقد قال بعضهم:» إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الدعاء لأنه لو أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة فإنَّ دعوته لا تُرَدُّ، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآية، ولا يجوز أن يكونَ بمعنى الخبرِ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أَخْبَر ولم يؤمِنْ أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المَعْنَيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ والتهديد، ومثله: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] «إذا لم تَسْتَح فاصنع ما شئت» وهذا الذي قاله ليس بشيء؛ لأنَّ مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء إنْ قصد به الدعاء، ولا تحت الخبر إنْ قَصَدَ به الإِخبار.
وقرأ العامة: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ﴾ بالتأنيث، مراعاةً للفظ «حسنة»، وقرأ أبو عبد الرحمن بالياء من تحت، لأن تأنيثها مجازي، وقياسُه أن يقرأ: «وإنْ يصبكم سيئة» بالتذكير أيضاً، ولا أحفظ عنه فيها شيئاً.
قوله: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ يُحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفةً، أخبر تعالى بذلك؛ لأنهم كانوا يُخْفُون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن تكون جملة المقول أي: قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول. ومعنى قوله «بذات» أي: بالمضمرات ذواتِ الصدور، ف «ذات» هنا تأنيث «ذي» بمعنى صاحب، فَحُذِف الموصوف وأقيمت صفتُه مُقامه أي: عليم بالمضمراتِ صاحبةِ الصدور، وجُعِلَتْ صاحبةً للصدور لملازمتها لها وعدمِ انفكاكها عنها نحو: أصحاب الجنة، أصحاب النار.


الصفحة التالية
Icon