وثالثها: اسمعوا ما أمرتكم به حتى لا ترجعوا إلى مانهيتم عنه تأكيداً عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطيقة من الإعظام والتبجيل والإصْغَاء إلى ما يقول.
وقتدم الكلام على معنى «العذاب الأليم».
لما بين حال اليهود والكفار في العَدَاوة والمعاندة وصفهم بما يوجب الحّذَر منهم فقال: ﴿ما يُوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا «فنفى عن قلوبهم الودّ والمحبة لكلّ ما يظهر به فضل المؤمنين.
قوله: {مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ : في» من «قولان:
أحدهما: أنها للتعبيض، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال، وتعلّق بمحذوف أي: ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب.
والثاني: أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري؛ لأن» الذين كفروا «جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١].
قوله: ﴿وَلاَ المُشْرِكِينَ﴾ عطف على» أهل «المجرور ب» من «و» لا «زائدة للتوكيد؛ لأن المعنى: ﴿ما يود الذين كفورا من أهل الكتاب والمشركين﴾ كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] بغير زيادة» لا «.
وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفاً على الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو ﴿بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فى قراءة الجر، وليس بواضح.
وقال النحاس: ويجوز: ولا المشركون بعطفه على» الذين «وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللهُ: وإن كان قد قرىء:» وَلاَ المُشْرِكُونَ «بالرفع فهو عطف على الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفش على الجوار.
قوله:» أنْ يُنَزّلَ «ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب» يؤدّ «أيى: ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للفعول للعمل بالفاعل؛ وللتصيح به في قوله:» مِنْ ربِّكُمْ «، وأتي ب» ما «في النفي دون غيرها؛ لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبّسين بذلك.