فإن قيل: قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ يوجب في حق كل من لحقه شدَّةٌ أن يعلم أنه سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابتٍ.
فالجواب: لا يمتنع أن يكون هذا من خواصِّ الأنبياء - عليهم السّلام - وأيضاً فإن كان عامّاً في حق الكل إذ كلُّ من كان في بلاءٍ، فلا بدَّ له من أحد أمرين:
إمَّ أن يتخلص منه أو يموت، فإن مات، فقد وصل إلى من لا يهمل أمره، ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً؛ لأن الموت آتٍ؛ وكلَّ آتٍ قريبٌ.
قد تقدَّم أنَّ «ماذا» له استعمالات ستَّةٌ عند قوله: ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [البقرة: ٢٦]. وهنا يجوز أن تكون «ماذا» بمنزلة اسمٍ واحدٍ، بمعنى الاستفهام؛ فتكون مفعولاً مقدَّماً ل «يُنْفِقُونَ» ؛ لأنَّ العرب يقولون: «عماذا تَسْأَلُ» بإثبات الألف، وحذفوها من قولهم: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] وقوله ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] فلما لم يحذفون الألف من آخر «مَا»، علمت أنه مع «ذا» بمنزلة اسم واحدٍ، ولم يحذفون الألف منه، لمَّا لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كان آخراً، إلاَّ أن يكون في شعر؛ كقوله: [الوافر]

١٠٤٥ - عَلَى مَا قَامَ يَشْتَمُنِي لَئِيمٌ كَخنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رمَادِ
قال القرطبي: إن خفَّفت الهمزة، قلت: يسلونك، ومنه: ما «يُنْفِقُون» ويجوز أن تكون «ما» مبتدأ و «ذا» خبره، وهو موصولٌ. و «ينفقون» صلته، والعائد محذوفٌ، و «ماذا» معلِّق للسؤال، فهو في موضع المفعول الثاني، وقد تقدَّم تحقيقه في قوله: ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: ٢١١].
قال القرطبي: متى كانت اسماً مركابً، فهي في موضع نصب إلاَّ ما جاء في قول الشاعر: [الطويل]
١٠٤٦ - وَمَاذَا عَسَى الوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا... سِوَى أَنْ يَقُولُوا: إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ


الصفحة التالية
Icon