فقيل إن هذا الخطاب - وإن كان ظاهره مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا أنه في المعنى مع الأمة؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يكن شاكاً في أمر عيسى، فهو كقوله: ﴿ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ [الطلاق: ١].
وقيل إنه خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومعناه أنه من باب الإلهاب والتهييج على الثبات على ما هو عليه من الحق أي: دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من تَرْك الامتراء.
فصل
ومعنى الآية فيه قولان:
أحدهما: قال أبو مسلم: معناه أن هذا الذي أنزلتُ عليك - من حبر عيسى - هو الحقُّ، لا ما قالت النصارى واليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت إلَهاً، واليهود رَمَوْا مريم عليها السلام بالإفك، ونسبوها إلى يوسف بن يعقوب النجار، فالله - تعالى - بَيَّن أن هذا الذي نزل في القرآن هو الحق، ثم نهى عن الشك فيه.
الثاني: ما ذكرنا من المثل - وهو قصة آدم - فإنه لا بيان لهذه المسألة، ولا برهان أقوى من التمسُّك بهذه الواقعةِ.
يجوز في «مَنْ» وجهان:
أحدهما: أن تكونَ شرطية - وهو الظاهرُ - أي: إن حاجَّكَ أحدٌ فقُل له كيت وكيت.
ويجوز أن تكونَ موصولة بمعنى: «الذي» وإنما دخلت الفاءُ في الخبرِ لتضمُّنه معنى الشرطِ [والمحاجةِ مفاعلة وهي من اثنين، وكانَ الأمرُ كذلِكَ].
«فِيهِ» متعلق ب «حَاجَّكَ» اي: جادلَكَ في شأنِهِ، والهاء فيها وجهان:
أولهما: وهو الأظهرُ - عودُها على عيسى عليه السلامُ.
الثاني: عودها على «الْحَقِّ» ؛ لأنه أقربُمذكورٍ، والأول أظْهَرُ؛ لأنَّ عيسى هو المحدَّثُ عنهُ، وهو صاحبُ القصة. قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ﴾ متعلق ب «حَاجَّكَ» - أيضاً - و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية، ففاعل «جَاءََكَ» ضمير يعود عليها، أي: من بعد الذي جاءك هو. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ حال من فاعل «جَاءَكَ».
ويجوز أن تكونَ موصولةً حرفيَّةً، وحينئذٍ يقال: يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعلِ، أو عَوْد الضمير على الحرف؛ لأن «جَاءَكَ» لا بد له من فاعل، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا «ما» وهي حرفية.