وثق به، ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ وهذا جارٍ مجرى العلةِ الباعثةِ على التوكُّل عند الأخذ في كل الأمورِ، وهذه الآية تدل على أنه ليس التوكُّلُ أن يُهْمِل نفسه - كقول بعض الجُهَّال - وإلا لكان الأمرُ بالمشاورة منافياً [للأمر بالتوكل]، بل التوكلُ هو أن يراعيَ الإنسانُ الأسبابَ الظاهرةَ، ولكن لا يعوِّل بقلبه عليها، بل يعوِّل على عصمة الحقِّ.

فصل


التوكلُ: الاعتماد على الله تعالى مع إظهار العجزِ، والاسم: التُّكْلان، يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله، اوتَكَلْتُ، قُلِبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها، ثم أُبْدِلت منها التاء، وأدغمت في تاء الافتعال، ويقال: وكَّلْته بأمري توكيلاً، والاسم: الوكَالة - بكسر الواو وفتحها -.
قوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ شرطٌ وجوابه، وكذلك قوله: ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي﴾ وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب - كذا قوله أبو حيان. يعني من الغيبة في قوله: ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقوله: ﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ قال شهاب الدين: وفيه نظر. وجاء قوله: ﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ جواباً للشرطِ، وهو نفيٌ صريحٌ، وقوله: ﴿فَمَن ذَا الذي﴾ - وهو متضمن للنفي - جوابٌ للشرط الثاني، تلطفاً بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام - وإن كان معناه نفياً.
وقوله: ﴿فَمَن ذَا الذي﴾ قد تقدم مثله في البقرة.
والهاء - في قوله: ﴿مِّنْ بَعْدِهِ﴾ - فيها وجهان:
أحدهما - وهو الأظهر -: أنها تعود على «الله» تعالى، وفيه احتمالانِ:
الأول: أن يكون ذلك على حذف مضاف، أي: من بعد خذلانه.
الثاني: إنه يحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلامِ: إنكم إذا جاوزتموه إلى غيره، - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم؟
ثانيهما: أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعلن وهو نظيرُ قوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨].
قوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله﴾ يعنكم ويمنعكم من عدوكم ﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ مثل يوم بدر ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ يترككم كما أن بأُحُدٍ - لم ينصركم أحَدٌ. والخذلان: القعود عن


الصفحة التالية
Icon