ثم قال: ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
قرأ ابن كَثيرٍ، وأبُو جعفَر، وحمْزَة، والكسَائِي: باليَاء رُجوعاً إلى قَولِه - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ﴾ والباقُون: بتاء الخِطَاب؛ كقوله: ﴿مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ والمعنى ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩]، أي: لا يُنْقَصُون من ثَوَابِ أعْمَالِهِم مثل فَتِيل النَّوَاةِ، وهو ما تفلته بيدِكَ ثم تُلْقِيه احْتِقَاراً.
لما حَكَى عنهم أنَّهم يَخْشَون النَّاسَ عند فَرْضِ القِتَالِ بَكَّتهُم هَهُنَا؛ فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ أي: لا خلاص لكُم من المَوْت، والجِهَاد مَوْتٌ يستعقبه سَعَادة أخْرَوِيَّة، فإذا كان لا بُدَّ من المَوْتِ، فبأن يَقَع على وَجْهٍ يستَعْقِب السَّعَادة الأبَدِيَّة، أوْلى من ألاَّ يكُون كَذَلِكَ.
قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾ :«أين» اسْم شَرْك يجزم فِعْلَين، و «ما» زائدة على سَبِيل الجَوَازِ مؤكِّدة لها، و «أين» ظَرْف مَكَان، و «تكونوا» مَجْزومٌ بها، و «يدرككم» : جوابُه.
والجمهُور على جزمه؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان: «يدركُكم» برفعه، فخرَّجه المُبَرِّد، على حَذْفِ الفَاءِ، أي: فيدرككم المَوْت.
ومثلُه قول الآخر: [الرجز]
١٨٣١ - يَا أقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ | إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ |
وفي البَيْت تَخْرِيجٌ آخر: وهو أنْ يكُون «يَصْرَعُ» المرفُوعُ خبراً ل «إنك»، والشَّرطُ