ردوا إِلَى الفتنة} دعوا إلى الشِّرْك، ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي: رَجَعُوا وعادوا إلى الشِّرْك.
وقرأ عبد الله: «ركسوا فيها» ثلاثيَّا مُخَفَّفاً، ونقل ابْنُ جنيٍّ عنه: «ركَّسوا» بالتَّشْديد. وقرأ ابن وثابِ والأعْمِشُ: «رِدوا» بِكَسْر الرَّاء؛ لأن الأصْل: «رددوا» فأدْغِم، وقلبت الكَسْرة على الرَّاء. وقوله: «إلى الفتنة» إلى الكُفْر ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أي: فإن لَمْ يكفُّوا عن قِتَالِكُم حَتَّى تسيروا إلى مَكَّة: ﴿ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي: المفاداة والصُّلْح، «ويكفوا أيديهم» ولم يقبضوا أيديهُم من قتالكم، «فخذوهم»، أسرى ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: وجدتموهم، «وأولئكم» أي: أهل هذه الصِّفة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي: حُجَّة بيِّنة ظاهرة بالقَتلِْ والقِتَال، وهذه الآيَة تَدُلُّ على أنَّهُم إذا اعْتزلوا قِتَالَنا وطَلَبُوا الصُّلحِ مَنَّا، وكفوا أيْديهُم عن إيذائِنا، لم يَجُزْ لنا قِتَالهم، ونَظِيرُه قوله تعالى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].
كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة.
قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾.
قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤].
وقوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ فيه أرْبَعة أوجُه:
أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه.
والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً.


الصفحة التالية
Icon