واعلم أنَّا إن حَمَلْنَا قوله: «إِنَّ الذينَ» على المَعْهُود السَّابِقِ لم يَحْتَجْ إلى إضْمَارِ شَرْطٍ في هذا الوَعِيد على أقْوَامٍ علِمَ اللَّهُ منْهُمْ أنَّهُم يمُوتُون على الكُفْرِ.
وإنْ حَمَلْنَاهُ على الاسْتِغْرَاقِ، أضَمَرْنَا فيه شَرْطَ عَدَم التَّوْبَةِ.
قوله سبحانه: ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ في هذا الاسْتِثْنَاء قولان:
أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ، لأن [المُرَادَ] بالطَّرِيق الأوَّلِ: العُمُوم، فالثَّانِي من جِنْسِهِ.
والثاني: انه مُنْقَطِعٌ إن أُريد بالطَّرِيق شَيْءٌ مَخْصُوصٌ؛ وهو العمل الصَّالِحُ الذي يَتَوَصَّلُون به إلى الجَنَّة، وانْتَصَب «خَالِدِين» على الحَالِ، والعَامِلُ فيه مَعْنَى «لا يهديهم اللَّه» ؛ لأنه بِمَنْزِلَةِ: يُعَاقِبهُم خَالِدِين، وانْتَصَب «أبَداً» على الظَّرْفِ، ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي: لا يتعذَّر عليْه شيءٌ.
قوله
- تعالى
-: ﴿ياأيها
الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية لما أجَابَ عن شُبْهَة اليَهُودِ، [و] بين فَسَادَ طِرِيقهِم، ذَكَر خِطَاباً عَامّاً يَعُمُّهُم ويَعُمّ غَيْرُهم في الدَّعْوةِ إلى الإسلامِ.
قوله سبحانه: ﴿بالحق﴾ : فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للحال، أي: جاءكُمُ الرسولُ ملتبساً بالحقِّ، أو متكلِّماً به.
والثاني: أنه متعلقٌ بنفس «جَاءَكُمْ»، أي: جاءكم بسبب إقامةِ الحقِّ، والمراد بهذا الحق القرآنُ، وقيل: الدعوة إلى عبادة الله، والإعراض عن غيره، و «مِنْ ربِّكُمْ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ على أنه حال أيضاً من «الحَقِّ».
والثاني: أنه متعلقٌ ب «جاء»، أي: جاء من عند الله، أي: أنه مبعوثٌ لا متقوَّلٌ.
قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ في نصبه أربعة أوجه:
أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه -: أنه منصوب بفعلٍ محذوفٍ واجب الإضمار، تقديره: وأتُوا خيراً لكم؛ لأنه لمَّا أمرهم بالإيمان فهو يريدُ إخراجهم من أمرٍ، وإدخالهم فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره؛ قال: «وذلك أنه لمَّا بعثَهم على