وعلى ما أجَازَهُ أبو البَقَاء أن تكون المَسألَةُ من باب الإعْمَال، ويكون قد وجد التَّنَازع بين ثلاثةِ عوامِلٍ، ويكون من إعْمَال الثَّالِث للحَذْفِ من الأوَّل والثَّاني، وتقدَّم تَحْرِير ذلك.
و «أغْرَيْنَا» من أغْرَاه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصْلُه من الغِرَاء الذي يُلْصَقُ به، ولامُهُ وَاوٌ [فالأصلُ] أغْرَوْنَا، وإنما قلبت الواوُ ياءً؛ لوقوعها رابعَةٌ [ك «أغْوَيْنَا»، ]، ومنه قولهم: سَهْمٌ مغروٌّ أي: معمول بالغِرَاء، يقال: غَرِيَ بكذا يغْرى غَرًى وغرَاء، فإذا أريد تَعْدِيته عُدِّي بالهمزة، فقيل: أغْرَيْتُه بكذا.
والضمير في «بَيْنَهُم» يحتمل أن يعُود على ﴿الذين قَالُواْ: إِنَّا نصارى﴾، وأن يعود على اليَهُود المتقدمين الذِكْر، وبكلٍّ قال جماعَةٌ كَمَا [قَدَّمْنَا] وهذا الكلامُ مَعْطُوفٌ على الكلام قَبْلَه من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] أي: ولقد أخَذَ الله ميثاقَ بني إسْرَائيل، وأخَذْنا من الَّذين قالوا.
لما حكى عن اليهود والنَّصارى نَقْضَ العَهْد، دَعَاهُم بعد ذلك إلى الإيمان بِمُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾ وأراد اليَهُود والنَّصَارى، وَوَحَّد «الكِتَاب» إرادة للْجِنْس.
ثم قال: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ﴾.
قال ابن عباس: أخْفُوا آية الرَّجْمِ من التَّوْراة وبَيَّنَها الرَّسُول - عليه السلام - لهم، وهو لَمْ يَقْرأ [كتاباً] ولم يتعلَّم علماً من أحَد، وهذه مُعْجِزة، وأخفوا صِفَةَ مُحَمَّد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الإنْجِيلِ، وغير ذَلِك.
قوله: «يُبَيِّن» في محلِّ نَصْب على الحَال من «رَسُولُنَا»، أي: جَاءَكم رسولُنا في هذه الحالة، و «ممَّا يتعلَّق بَمْحذُوف؛ لأنَّه صِفَة ل» كَثيراً «، و» مَا «موصولةٌ اسميَّة، و» تُخْفُون «صلتُهَا، والعائد مَحْذُوفٌ، أي: من الذين كُنْتُم تُخْفُونَهُ، و» مِن الكِتَابِ «متعلِّق بِمَحْذُوف على أنَّه حالٌ من العَائِد المَحْذُوف.


الصفحة التالية
Icon