أنْزِلَ على الَّذِين آمَنُوا وجْهَ النَّهار، دَخَلوا على النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، وقالوا: آمَنَّا بِكَ وصدَّقْنَاك فيما قُُلْتَ، وهُمْ يُسِرُّون الكُفْر.
﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ أي: دخلوا كافِرِين وخرَجُوا كافِرِين، واللَّه أعلَمُ بما يَكْتُمُون، والغرض منه: المُبَالَغَةُ فِيمَا في قُلُوبِهِم من الجدِّ والاجتِهَادِ في المكر بالمُسْلِمِين، والكَيْدِ والبُغْضِ والعَداوَةِ لهم.
قالت المُعْتَزِلَةُ: إنَّه تعالى أضَافَ الكُفْرَ إليْهِم حالَتَي الدخُول والخُرُوج على سبيل الذَّمِّ، وبالَغَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الإضَافَةِ بقوله: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾، فدلَّ هذا على أنَّه من العَبْدِ لا من اللَّه تعالى.
والجوابُ: المُعارضَةُ بالْعِلْمِ والداعي.
قوله: «وترى» : يجوز أن تكون بصريَّةً، فيكون «يُسَارِعُونَ» حالاً، وأن تكون العلميَّةَ أو الظنيَّة، فينتصب «يُسَارعُونَ» مفعولاً ثانياً، و «مِنْهُمْ» في محلِّ نصب؛ على أنه صفةٌ ل «كَثِيراً» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً منهم، أو استقرَّ منهم، وقرأ أبو حيوة: «العِدْوان» بالكسر، و «أكْلِهِمُ» هذا مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «السُّحْتَ» مفعولُه، وقد تقدَّمَ ما فيه.
فصل
الضَّميرُ في «مِنْهُمْ» لليهُود، والمُسَارعة في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فيه، والمُراد بالإثْمِ الكذِب، وقيل: المَعَاصِي، والعُدْوَان الظُّلْم، وقيل: الإثْمُ ما يخْتَصُّ بهم، والعُدْوانُ ما يتعدَّاهُمْ إلى غيرهم، وقيل: الإثْمُ ما كتمُوا من التَّوْراة، والعُدْوان ما زَادُوا فيها، «وأكْلِهِمُ السُّحْتَ» الرِّشْوَة.
وقوله تعالى: «كَثِيراً مِنْهُم» لأنَّهمُ كُلُّهُمْ ما كانُوا يَفْعَلُون ذَلِكَ، لَفْظ المُسارعة إنما [يُسْتَعْمَلُ] في أكْثَرِ الأمْر في الخَيْرِ، قال تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ [آل عمران: ١١٤] وقال تعالى: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ [المؤمنون: ٥٦] فكان اللاَّئِقُ بهذا الموضِعِ لفظ العَجَلَةِ.