والرِّسَالة «فَقُلْ ربُّكُم ذو رَحْمَة واسِعَة» فلذك لا يُعَجِّل عليكم بالعُقوبة، ثم أخبرهم بما أعَدَّ لهم، من العذاب في الآخرة، و «لا يردُّ بأسه» أي إذَا جَاء الوَقْت.
وقوله: «ذُو رَحْمةٍ» جيء بِهَذه الحُمْلَة اسمِيَّة، وبقوله «ولا يُرَدُّ بأسُهُ» فِعْليَّة [تَنْبيهاً على مُبَالَغة سعَة الرَّحْمة؛ لأن الاسْمِيَّة أدلُّ على الثُّبُوت والتَّوْكيد من الفِعْليَّة.
قوله: «عن القَوْم المُجْرِمين» يحتمل أن يكُون من وَضْع الظَّاهِر موضع المُضْمَر] تنبيهاً على التَّسْجِيل عليهم بذلك، والأصل: ولا يُرَد بَأسُه عنكم.
وقال أبُو البقاء: «فإن كَذَّبُوك» شُرْطٌ، جوابه: «فَقُل رَبُّكُم ذُو رَحءمَة وَاسِعَةٍ» والتقديرُ: «فقل يَصْفَح عَنْكُم بِتَأخير العُقُوبَة» وهذا تفسير معنى لا إعراب.
لما حكى عن أهْل الجاهِليَّة إقدامهم على الحُكْم في دين اللَّه بغير دَلِيل_ حكى عُذْرَهُم في كلِّ ما يُقْدِمُون عليه من الكُفْرِيَّات، فيقولون: لَوء شَاء الله مِنَّا ألا نَكْفُر، لمَنَعَنَا عن هذا الكُفْر، وحيث لم يَمْنَعْنَا عنه، ثبت أنه مُرِيدٌ لذلك، وإذا أراده مِنَّا، امتنع مِنَّا تركُه، فكُنَّا مَعْذُورين فيه.
واعلم أن المُعْتَزِلة اسْتَدَلُّوا بهذه الآية على مَذْهَبِهم من سبعة أوجه:
أحدها: أنه - تعالى - حَكَى عن الكُفَّار صَرِيح قول المُجَبرة، وهو قولهم: «لَوْ شَاء اللَّه مِنّا ألاَّ نُشْرِك، لم نُشْرِك»، وإنَّمَا حَكَاهُ عنهم في مَعْرِض الذَّمِّ والقبح، فوجب كوْن هذا المَذْهَب مذمُوماً باطِلاً.
وثانيها: أنه - تبارك وتعالى - قال بَعْدَه: «كَذَّب» وفيه قراءتان: التَّخفيف والتثقيل.
أما قراءة التخفيف: فهي تَصْرِيح بأنَّهم قد كَذَبُوا في ذلك القَوْل، وذلك يَدُلُّ على أن قول المُجبِّرة في هذه المسْألة كذبٌ.
وأمَّا قِرَاءة التَّشْديد: فلا يمكن حَمْلُها على أن القَوْم استوجَبُوا الذَّمَّ بسبب أنَّهُم كذَّبُوا هذا المَذْهِب؛ لأنا لو حَمَلْنا الآية عليه، لكان هذا المعنى ضِدّاً للمعْنَى الذي َدُلُّ عليه قراءة «كَذَبَ» بالتَّخْفِيف، فتصير إحدى القراءَتَيْن ضِدَّ الأخْرى، وإذا بَطَل ذلك، وجب حَمْلُه على أن المُرَادِ منه: على ان كُلَّ من كذَّب نَبِيّاً من الأنْبِيَاء في الزَّمَان


الصفحة التالية
Icon