فقالوا: يا رسول الله إنَّ موسى أوصانا أنَّ مَنْ أدرك منا أحْمَدَ؛ فليقرأ عليه منِّي السلام، فردَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على مُوسَى السلام، ثم أقرأهم عشر سورة من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصَّلاة والزَّكاةِ وأمرهم أنه يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السَّبْتَ.
وقوله: ﴿يَهْدُونَ بالحق﴾ يدعُون النَّاس إلى الهداية بالحقِّ وقوله وَبِهِ يَعدِلُونَ؛ قال الزَّجَّاجُ: العدلُ: الحُكْمُ بالحق.
يقال هو يقضي بالحق، ويعدل وهو حاكم عادلٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء﴾ [النساء: ١٢٩] وقوله ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ أنعام: ١٥٢]
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ﴾.
الظَّاهِرُ أن قَطَّعْنَاهُمُ مُتَعدٍّ لواحد؛ لأنه لمْ يُضَمَّنْ معنى ما يتعدَّى لاثنين، فعلى هذا يكون اثْنَتَيْ حالاً من مفعول: قَطَّعْنَاهُمُ أي: فَرَّقْنَاهم مَعْدُودينَ بهذا العدد.
وجوَّز أبُو البقاءِ أن يكون قَطَّعْنَا بمعنى «صَيَّرْنَا»، وأن اثْنَتَيْ مفعولٌ ثانٍ وجزم الحُفِيُّ بذلك.
وتمييز: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ محذوف، لفهم المعنى، تقديره: اثْنَتَيْ عشرة فرقةٌ، و «اسْبَاطاً» بدلٌ من ذلك التمييز. وإنَّما قلتُ إن التَّمييزَ محذوفٌ، ولم أجعل أسْبَاطاً هو المُمَيِّز لوجهين، أحدهما: أنَّ المعدودَ مُذَكَّر؛ لأنَّ أسْبَاطاً جمع «سِبْط» فكان يكون التركيبُ: اثني عشر.
الثاني: أنَّ تمييز العدد المركَّبِ، وهو من «أحد عشر» إلى «تِسْعَة عَشَرَ» مفردٌ منصوبٌ وهذا - كما رأيت - جمع، وقد جعله الزمخشريُّ تمييزاً له معتذراً عنه، فقال: فإن قلت: مُمَيِّزٌ ما عدا العشرة مفردٌ، فما وجهُ مجيئه جمعاً؟ وهلاَّ قيل: اثني عشر سِبْطاً!؟
قلتُ لو قيل ذلك، لم يكن تحقيقاً؛ لأن المُرادَ وقطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عشْرَةَ قبيلة، وكلُّ قبيلة أسباط لا سِبْط، فوضع «أسْبَاطاً» موضع «قبيلة» ؛ ونظيره قوله: [الرجز]
٢٥٩٧ - بَيْنَ رَمَاحَيْ مَالِكِ ونَهْشَلِ... قال أبُو حيان: وما ذهب إليه من أنَّ كلَّ قبيلةٍ أسباط خلافُ ما ذكره النَّاسُ،