ثم قال: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
الفَتِيلُ: القشرة التي في شقِّ النَّواة، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه إذا رام الإنسان إخراجهُ انفتل، وهذا مثلٌ يضرب للشَّيء الحقير التَّافهِ، ومثله: القطميرُ والنَّقير.
والمعنى: لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيلٍ ونظيره ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٦٠] وروى مجاهدٌ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: الفتيلُ هو الوسخُ الذي يفتلهُ الإنسانُ بين سبَّابته وإبهامه.
وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ.
فإن قيل: لم خصَّ أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أنَّ أهل الشِّمال يقرءونه؟! فالجواب: الفرق بينهما أنَّ أهل الشِّمال، إذا طالعوا كتابهم، وجدوه مشتملاً على المهلكاتِ العظيمة، والقبائح الكاملة، والمخازِي الشديدة، فيستولي الخوف والدهشة على قلبهم، ويثقل لسانهم، فيعجزوا عن القراءةِ الكاملة، وأما أصحاب اليمين، فعلى العكس، فلا جرم أنَّهم يقرءون كتابهم على أحسن الوجوه، ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم، بل يقولون لأهل المحشر: ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فظهر الفرق.
قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه﴾ : يجوز في «مَنْ» ما جاز في «مَنْ» قبلها، وأمال الأخوان وأبو بكر «أعْمَى» في الموضعين من هذه السورة، وأبو عمرو أمال الأول، دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإمالة؛ لكونهما من ذوات الياء، والتفخيمُ؛ لأنه الأصل، وأمَّا أبو عمرو، فأمال الأول؛ لأنه ليس أفعل تفضيلٍ، فألفه متطرفةٌ لفظاً وتقديراً، والأطرافُ محل التغيير غالباً، وأمَّا الثاني، فإنه للتفضيلِ، ولذلك عطف عليه «وأضلُّ» فألفه في حكم المتوسطة؛ لأنَّ «مِن» الجارَّة للمفضولِ، كالملفوظ بها، وهي شديدة الاتصال بأفعلِ التفضيلِ، فكأنَّ الألف وقعت حشواً، فتحصَّنتْ عن التغيير.
كذا قرَّره الفارسي والزمخشري، وقد ردَّ هذا بأنهم أمالوا ﴿وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ﴾ [المجادلة: ٧] مع التصريح ب «مِنْ» فلأن يميلوا «أعْمَى» مقدراً معه «مِنْ» أولى وأحرى.
وأمَّا «أعْمَى» في طه [الآية: ١٢٤] فأماله الأخوان، وأبو عمرو، ولم يمله أبو بكر، وإن كان يميله هنا، وكأنه جمع بين الأمرين، وهو مقيَّد باتِّباع الأثر، وقد فرَّق بعضهم: