يفعلون فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ»، وهي