فِيهَا، فَذَلِكَ أَمْرٌ يَتْبَعُ رِوَايَةَ الْقُرَّاءِ وَأَخْبَارَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَعُودُ إِلَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكْتُبُوا أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَكَوْنَهَا مَكِّيَّةً أَوْ مَدَنِيَّةً فِي الْمُصْحَفِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ عَبْدِ الْحَكِيمِ فِي «حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ»، وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَتَبُوا ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْقُرَّاءِ كَمَا فِي «لَطَائِفِ الْإِشَارَاتِ» لِلْقَسْطَلَانِيِّ وَهُوَ مُقْتَضَى كِتَابَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يجرأون عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ السَّلَفُ فَالِاحْتِجَاجُ حِينَئِذٍ بِالْكِتَابَةِ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ وَدَعْوَى كَوْنِ أَسْمَاءِ السُّوَرِ كُتِبَتْ بِلَوْنٍ مُخَالِفٍ لِحِبْرِ الْقُرْآنِ، يَرُدُّهُ أَنَّ الْمُشَاهَدَ فِي مَصَاحِفِ السَّلَفِ أَنَّ حِبْرَهَا بِلَوْنٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَكُنِ التَّلْوِينُ فَاشِيًا.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيءِ؟
فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ
، اهـ، وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ ضَمِيرَ قَرَأَ وَضَمِيرَ يَمُدُّ عَائِدَانِ إِلَى أَنَسٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ لِكَيْفِيَّةِ الْقِرَاءَةِ لِشُهْرَةِ الْبَسْمَلَةِ.
وَحُجَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَثَانِي قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ مَا
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رفع رَأسه مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
[الْكَوْثَرَ: ١] السُّورَةَ، قَالُوا وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ وَلِإِثْبَاتِ الصَّحَابَةِ إِيَّاهَا فِي الْمَصَاحِفِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يُدْخِلُوا فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا آمِينَ فِي الْفَاتِحَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ أَنَّا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنَ السُّورَةِ بَلِ افْتَتَحَ بِهَا عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا تُغْنِي عَنِ الِاسْتِعَاذَةِ إِذَا نَوَى الْمُبَسْمِلُ تَقْدِيرَ أَسْتَعِيذُ بِاسْمِ اللَّهِ وَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ الْفِعْلِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى نَحْوِ هَذَا لِأَن رَاوِيه أنسا بْنَ مَالِكٍ جَزَمَ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ بَسْمَلَ فِي الصَّلَاةِ. فَإِنْ أَبَوْا تَأْوِيلَهُ بِمَا تَأَوَّلْنَاهُ لَزِمَ اضْطِرَابُ أَنَسٍ فِي رِوَايَتِهِ اضْطِرَابًا يُوجِبُ سُقُوطَهَا.
وَالْحَقُّ الْبَيِّنُ فِي أَمْرِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، أَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لِيَكُونَ
الْفَصْلُ مُنَاسِبًا لِابْتِدَاءِ الْمُصْحَفِ، وَلِئَلَّا يَكُونَ بِلَفْظٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْمَعْرُوفِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ فَاتِّبَاعٌ مُصَاحِبٌ لِلْمَعْرُوفِ أَيْ رِضًا وَقَبُولٌ، وَحُسْنُ اقْتِضَاءٍ إِنْ وَقَعَ مَطْلٌ، وَقَبُولُ التَّنْجِيمِ إِنْ سَأَلَهُ الْقَاتِلُ.
وَالْأَدَاءُ: الدَّفْعُ وَإِبْلَاغُ الْحَقِّ وَالْمُرَادُ بِهِ إِعْطَاءُ مَالِ الصُّلْحِ، وَذَكَرَ مُتَعَلِّقَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ إِلَيْهِ الْمُؤْذِنُ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى إِبْلَاغِ مَالِ الصُّلْح إِلَى ولي الْمَقْتُولِ
بِأَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَيْهِ وَلَا يُكَلِّفَهُ الْحُضُورَ بِنَفْسِهِ لِقَبْضِهِ أَوْ إِرْسَالَ مَنْ يَقْبِضُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْطُلُهُ، وَزَادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: بِإِحْسانٍ أَيْ دُونَ غَضَبٍ وَلَا كَلَامٍ كَرِيهٍ أَوْ جَفَاءِ مُعَامَلَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَبُولُ الْعَفْوِ وَإِحْسَانُ الْأَدَاءِ وَالْعُدُولُ عَنِ الْقِصَاصِ، تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ رَحْمَةٌ مِنْهُ أَيْ أَثَرُ رَحْمَتِهِ، إِذِ التَّخْفِيفُ فِي الْحُكْمِ أَثَرُ الرَّحْمَةِ، فَالْأَخْذُ بِالْقِصَاصِ عَدْلٌ وَالْأَخْذُ بِالْعَفْوِ رَحْمَةٌ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ كَافِيَةً فِي تَحْقِيقِ مَقْصَدِ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ مِنِ ازْدِجَارِ النَّاسِ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَتَحْقِيقِ حِفْظِ حَقِّ الْمَقْتُولِ بِكَوْنِ الْخِيرَةِ لِلْوَلِيِّ كَانَ الْإِذْنُ فِي الْعَفْوِ إِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالْجَانِبَيْنِ، فَالْعَدْلُ مُقَدَّمٌ وَالرَّحْمَةُ تَأْتِي بَعْدَهُ.
قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ أَشَارَتْ إِلَى مَا كَانَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ مِنْ تَعْيِينِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِ الْعَمْدِ دُونَ الْعَفْوِ وَدُونَ الدِّيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ: «مَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلًا وَلَكِنَّ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْ أَوْقَعَ اللَّهُ فِي يَدِهِ فَأَنَا أَجْعَلُ لَكَ مَكَانًا يُهْرَبُ إِلَيْهِ وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمِنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْتِ»، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ حُكْمَ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى، لِأَنَّهُ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمرَان: ٥٠]، فَلَعَلَّهُ مِمَّا أَخَذَهُ عُلَمَاءُ الْمَسِيحِيَّةِ مِنْ أَمْرِهِ بِالْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ لَكِنَّهُ حُكْمٌ تُنَزَّهُ شَرَائِعُ اللَّهِ عَنْهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى انْخِرَامِ نِظَامِ الْعَالَمِ، وَشَتَّانَ بَيْنَ حَالِ الْجَانِي بِالْقَتْلِ فِي الْإِسْلَامِ يَتَوَقَّعُ الْقِصَاصَ وَيَضَعُ حَيَاتَهُ فِي يَدِ وَلِيِّ دَمِ الْمَقْتُولِ فَلَا يَدْرِي أَيَقْبَلُ الصُّلْحَ أَمْ لَا يَقْبَلُ، وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانَ وَاثِقًا بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُ عَلَى قَتْلِ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٣- سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كَلَام النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَام الصَّحَابَةِ: سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ،
فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُول: «اقرأوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ»
وَفِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيءَ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ»
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» : أَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» وَسَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ.
فِي حَدِيثِهِ فِي «الصَّحِيحِ». قَالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَرَأَ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ»
. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ أَنَّهَا ذُكِرَتْ فِيهَا فَضَائِلُ آلِ عِمْرَانَ وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ مَاتَانَ أَبُو مَرْيَم وءاله هُمْ زَوْجُهُ حَنَّةُ وَأُخْتُهَا زَوْجَةُ زَكَرِيَّاءَ النَّبِيءِ. وَزَكَرِيَّاءُ كَافِلُ مَرْيَمَ إِذْ كَانَ أَبُوهَا عِمْرَانُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَهَا حَمْلًا فَكَفَلَهَا زَوْجُ خَالَتِهَا.
وَوَصَفَهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزَّهْرَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ أَنَّهَا تُسَمَّى: الْأَمَانَ، وَالْكَنْزَ، وَالْمُجَادِلَةَ، وَسُورَةَ الِاسْتِغْفَارِ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ اقْتَبَسَ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافٍ وُصِفَتْ بِهَا هَذِهِ السُّورَةُ مِمَّا سَاقَهُ الْقُرْطُبِيُّ، فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، مِنْ تَفْسِيرِ أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بِالِاتِّفَاقِ، بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقِيلَ: أَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِسُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الْأَنْفَالُ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي: أَنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَتْ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْأَنْفَالَ نَزَلَتْ فِي
وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَحْذِيرٌ لَهُمْ مِنْ أَنْ يُضْمِرُوا الْعَوْدَ إِلَى مَا نهوا عَنهُ.
[١٥٧، ١٥٨]
[سُورَة آل عمرَان (٣) : الْآيَات ١٥٧ إِلَى ١٥٨]
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
ذَكَرَ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ الْمَوْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَوْتَ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إِذَا أَعْقَبَتْهُمَا الْمَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الْحَيَاةِ وَمَا يَجْمَعُونَ فِيهَا، وَجَعَلَ الْمَوْتَ وَالْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسِيلَةً لِلْحَشْرِ وَالْحِسَابِ فَلْيَعْلَمْ أَحَدٌ بِمَاذَا يُلَاقِي رَبَّهُ. وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَعَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [آل عمرَان: ١٥٦].
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أَيْ مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ قَبْلَهَا قَسَمًا مُقَدَّرًا، وَرَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ الشَّرْطِ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ هِيَ لَامُ جَوَابِ الْقَسَمِ. وَالْجَوَابُ هُوَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أَنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ لَكُمْ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ: مِتُّمْ- بِكَسْرِ الْمِيمِ- عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَاضِيَهُ مِثْلَ خَافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ الْعَيْنِ وَجَعَلُوا مُضَارِعَهُ مِنْ بَابِ قَامَ فَقَالُوا: يَمُوتُ، وَلَمْ يَقُولُوا: يُمَاتُ، فَهُوَ مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وَأَمَّا سُفْلَى مُضَرَ فَقَدْ جَاءُوا بِهِ فِي الْحَالَيْنِ مِنْ بَاب: قَامَ فقرأوه: مُتُّمْ. وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ، مِمَّا تَجْمَعُونَ- بِتَاءِ الْخِطَابِ- وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ- بِيَاءِ الْغَائِبِ- عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَيْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوهَا وَطَمِعْتُمْ أَنْتُمْ فِي غُنْمِهَا.
وَقُدِّمَ الْقَتْلُ فِي الْأُولَى وَالْمَوْتُ فِي الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِعَطْفِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْحُكْمِ فَإِنَّ كَوْنَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أَمْرٌ قَرِيبٌ، وَلَكِنَّ كَوْنَ الْمَوْتِ فِي غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أَمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمَوْتِ فِي
الْقِتَالَ، وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ وَتَحْرِيضَهُمْ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النِّسَاء: ٨٤] وَهَذَا الْأُسْلُوبُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْحَثِّ وَالتَّحْرِيضِ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ، لِأَنَّهُ إِيجَابُ الْقِتَالِ عَلَى الرَّسُولِ، وَقَدْ عُلِمَ إِيجَابُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ [النِّسَاء: ٧٤] فَهُوَ أَمْرٌ لِلْقُدْوَةِ بِمَا يَجِبُ اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ فِيهِ. وَبَيَّنَ لَهُمْ عِلَّةَ الْأَمْرِ وَهِيَ رَجَاءُ كَفِّ بَأْسِ الْمُشْرِكِينَ، فَ (عَسَى) هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْوَعْدِ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا كُفَّارُ مَكَّةَ، فَالْآيَاتُ تَهْيِئَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ الرَّجَاءِ أَوِ الْوَعْدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا إِذَا شَاءَ إِظْهَارَ ذَلِكَ، وَمِنْ دَلَائِلِ الْمَشِيئَةِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ الَّتِي مِنْهَا الِاسْتِعْدَادُ وَتَرَقُّبُ الْمُسَبِّبَاتِ مِنْ أَسْبَابِهَا.
وَالتَّنْكِيلُ عِقَابٌ يَرْتَدِعُ بِهِ رَائِيهِ فَضْلًا عَنِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ.
[٨٥]
[سُورَة النِّسَاء (٤) : آيَة ٨٥]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)
اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّذْيِيلِ وَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النِّسَاء: ٨٤] وَهُوَ بِشَارَةٌ لِلرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِأَنَّ جِهَادَ الْمُجَاهِدِينَ بِدَعْوَتِهِ يَنَالُهُ مِنْهُ نَصِيبٌ عَظِيمٌ مِنَ الْأَجْرِ، فَإِنَّ تَحْرِيضَهُ إِيَّاهُمْ وَسَاطَةٌ بِهِمْ فِي خَيْرَاتٍ عَظِيمَةٍ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْعَامِّ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي انْتِهَازِ فُرَصِ الْإِرْشَادِ. وَيُعْلَمُ مِنْ عُمُومِهَا أَنَّ التَّحْرِيضَ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَنَّ سَعْيَ الْمُثَبِّطِينَ لِلنَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الشَّفَاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِيذَانًا لِلْفَرِيقَيْنِ بِحَالَتِهِمَا. وَالْمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ فِي التَّوَسُّطِ فِي الْخَيْرِ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّهِ.
وَالشَّفَاعَةُ: الْوَسَاطَةُ فِي إِيصَالِ خَيْرٍ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِطَلَبٍ مِنَ الْمُنْتَفِعِ أَمْ لَا، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٤٨]،
وَفِي الْحَدِيثِ «اشْفَعُوا
تَعَالَى:
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ [النِّسَاء: ١٥٥]، وَقَوْلِهِ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٦٠].
وَاللَّعْنُ هُوَ الْإِبْعَادُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ هَدْيِهِ إِذِ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ لِأَجْلِ نَقْضِ الْمِيثَاقِ.
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً قَسَاوَةُ الْقَلْبِ مَجَازٌ، إِذْ أَصْلُهَا الصَّلَابَةُ وَالشِّدَّةُ، فَاسْتُعِيرَتْ
لِعَدَمِ تَأَثُّرِ الْقُلُوبِ بِالْمَوَاعِظِ وَالنُّذُرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [الْبَقَرَة: ٧٤]. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: قاسِيَةً- بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ-. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكسَائِيّ، وَخلف: قاسِيَةً فَيَكُونُ بِوَزْنِ فَعَيْلَةٍ مِنْ قَسَا يَقْسُو.
وَجُمْلَةُ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ لَعَنَّاهُمْ.
وَالتَّحْرِيفُ: الْمَيْلُ بِالشَّيْءِ إِلَى الْحَرْفِ، وَالْحَرْفُ هُوَ الْجَانِبُ. وَقَدْ كَثُرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْتِعَارَةُ مَعَانِي السَّيْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَى مَعَانِي الْعَمَلِ وَالْهُدَى وَضِدِّهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:
السُّلُوكُ، وَالسِّيرَةُ وَالسَّعْيُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وصراطا سَوِيًّا، وَسَوَاءُ السَّبِيلِ، وَجَادَّةُ الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقَةُ الْوَاضِحَةُ، وَسَوَاءُ الطَّرِيقِ وَفِي عَكْسِ ذَلِك قَالُوا:
المراوغة، وَالِانْحِرَافُ، وَقَالُوا: بُنَيَّاتُ الطَّرِيقِ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، وَيُشَعِّبُ الْأُمُورَ.
وَكَذَلِكَ مَا هُنَا، أَيْ يَعْدِلُونَ بِالْكَلِمِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا فَيَسِيرُونَ بِهَا فِي غَيْرِ مَسَالِكِهَا، وَهُوَ تَبْدِيلُ مَعَانِي كُتُبِهِمُ السَّمَاوِيَّةِ. وَهَذَا التَّحْرِيفُ يَكُونُ غَالِبًا بِسُوءِ التَّأْوِيلِ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، وَيَكُونُ بِكِتْمَانِ أَحْكَامٍ كَثِيرَة مجاراة لأهواة الْعَامَّةِ، قِيلَ: وَيَكُونُ بِتَبْدِيلِ أَلْفَاظِ كُتُبِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيفَ فَسَادُ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٤٦]. وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِهِمْ.
ابْن خَلَفٍ، وَالْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَمَنْ مَعَهُمْ، أَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ.
فَقَوْلُهُ: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أَيْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نُشَاهِدُهُ وَيُخْبِرُنَا بِصِدْقِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ الْمُعَانِدُ. أَمَّا نُزُولُ الْمَلَكِ الَّذِي لَا يَرَوْنَهُ فَهُوَ أَمْرٌ وَاقِعٌ، وَفَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [].
وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَإِنْ كَانَ قَالَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَائِلُونَ بِقَوْلِهِ:
وَمُوَافِقُونَ عَلَيْهِ.
ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنَى (هَلَّا). وَالتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ. وَضَمِيرُ عَلَيْهِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُعَادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ فِي الْكَلَامِ ضَمِيرٌ غَائِبٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعَادٌ وَكَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مَنْ هُوَ صَاحِبُ خَبَرٍ أَوْ قِصَّةٍ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا تَعَيَّنَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنَ الضَّمِيرِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ
اسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ ابْنِ صَيَّادٍ: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِلَّا يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». يُرِيد من مائر الْغَيْبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى الدَّجَّالَ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ.
وَمِثْلُ الضَّمِيرِ اسْمُ الْإِشَارَةِ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ يُشَارُ إِلَيْهِ. كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ فَاسْتَعْلِمْ لَنَا عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ». وَفِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ «فَيُقَالُ لَهُ (أَيْ لِلْمَقْبُورِ) : مَا عَلَّمَكَ بِهَذَا الرَّجُلِ» يَعْنِي أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَوْ قَوْلُهُمْ لِلَّذِي أَرْسَلُوهُ إِلَى النَّبِيءِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ ملكا. وَقد افهوه بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِيمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَإِنَّ (لَوْمَا) أُخْتُ (لَوْلَا) فِي إِفَادَةِ التَّحْضِيضِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ مَعْنَاهُ: لَوْ أَنْزَلَنَا مَلَكًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا يُكَلِّمُهُمْ لَقُضِيَ الْأَمْرُ، أَيْ أَمْرُهُمْ فَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، أَيْ لَقُضِيَ أَمْرُ عَذَابِهِمُ الَّذِي يَتَهَدَّدُهُمْ بِهِ.
بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ هُنَالِكَ لِأَنَّ الْجَرَائِمَ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ هُنَالِكَ كُلَّهَا مِمَّا أَحْدَثُوهُ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يُرَادُ مِنْهُ الْبَغْيُ الَّذِي أَحْدَثُوهُ زَمَنَ مُوسَى. فِي مُدَّةِ التِّيهِ، مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ: مِثْلُ قَوْلِهِمْ: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [الْبَقَرَة: ٦١] وَقَوْلِهِمْ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [الْمَائِدَة: ٢٤] وَعِبَادَتِهِمِ الْعِجْلَ. وَقَدْ عُدَّ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَمُنَاسَبَةُ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْكَوْنِ جَزَاءً لِبَغْيِهِمْ: أَنَّ بَغْيَهُمْ نَشَأَ عَنْ صَلَابَةِ نُفُوسِهِمْ وَتَغَلُّبِ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِيهِمْ عَلَى الْقُوَّةِ الْمَلَكِيَّةِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأُمُورَ تَخْفِيفًا مِنْ صَلَابَتِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ إِظْهَارُ مِنَّتَهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ لَهُمْ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ وَحَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ مِمَّا لَمْ يخْتَلف فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَحْرِيمَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّا شَمِلَهُ نَصُّ التَّوْرَاةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ هُنَا مَا خُصُّوا بِتَحْرِيمِهِ مِمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فِي الْإِسْلَامِ، أَيْ مَا كَانَ تَحْرِيمه موقّتا.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمَامِ بِبَيَانِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَلْتَفِتُ الذِّهْنُ إِلَيْهِ عِنْدَ سَمَاعِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي ظُفُرٍ فَيَتَرَقَّبُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا فَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِمَنْزِلَةِ الِافْتِتَاحِ بِ (أَمَّا).
وَجُمْلَةُ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ تَذْيِيلٌ يُبَيِّنُ عِلَّةَ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ مَقْصُودٌ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ:
حَرَّمْنا فَهُوَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثَانٍ: لِ جَزَيْناهُمْ قُدِّمَ
بِالْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ رِجَالًا مِنْ
أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ مِنَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ خَاصَّةً.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ الْمُؤمنِينَ برسلهم، وأيّاما كَانَ فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ هُمْ مَنْ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
وَتَنْوِينُ كُلًّا عَوِضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ. أَيْ كُلَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ.
وَالسِّيمَا بِالْقَصْرِ السِّمَةُ أَيِ الْعَلَامَةُ، أَيْ بِعَلَّامَةٍ مَيَّزَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَاشْتِقَاقُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٧٣].
وَنِدَاؤُهُمْ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِالسَّلَامِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُمْ فِي اتِّصَالٍ بَعِيدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ أَمَارَةً لَهُمْ بِحُسْنِ عَاقِبَتِهِمْ تَرْتَاحُ لَهَا نُفُوسُهُمْ. وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ حَالَهُمْ هَذِهِ لِلنَّاسِ إِيذَانًا بِذَلِكَ وَبَانَ طَمَعُهُمْ فِي قَوْلِهِ: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ هُوَ طَمَعٌ مُسْتَنِدٌ إِلَى عَلَامَاتِ وُقُوعِ الْمَطْمُوعِ فِيهِ، فَهُوَ مِنْ صِنْفِ الرَّجَاءِ كَقَوْلِهِ:
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشُّعَرَاء ٨٢].
وأَنْ تَفْسِيرٌ لِلنِّدَاءِ، وَهُوَ الْقَوْلُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. وسَلامٌ عَلَيْكُمْ دُعَاءُ تَحِيَّةٍ وَإِكْرَامٍ.
وَجُمْلَةُ: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيَانِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يُثِيرُ سُؤَالًا يَبْحَثُ عَنْ كَوْنِهِمْ صَائِرِينَ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا. وَجُمْلَةُ: وَهُمْ يَطْمَعُونَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَدْخُلُوها وَالْجُمْلَتَانِ مَعًا مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ جُمْلَةِ: وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ وَجُمْلَةُ وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ.
وَجُمْلَةُ: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ.
وَالصَّرْفُ: أَمَرُ الْحَالِ بِمُغَادَرَةِ الْمَكَانِ. وَالصَّرْفُ هُنَا مَجَازٌ فِي الِالْتِفَاتِ أَوِ اسْتِعَارَةٌ.
وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْمَجْهُولِ هُنَا جَارٍ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي أَمْثَالِهِ مِنَ
الدِّيوَانِ، وَهُمْ كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إِلَى أَسْبَاطِ إِسْحَاقَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقَسَّمِينَ عَشَائِرَ لَمَّا كَانُوا فِي مِصْرَ، وَلَمَّا اجْتَازُوا الْبَحْرَ، فَكَانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ اجْتِيَازِهِمُ الْبَحْرَ الْأَحْمَرَ، وَقَبْلَ انْفِجَارِ الْعُيُونِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِمَا: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَذِكْرُهُ هُنَا الِاسْتِسْقَاءَ عَقِبَ الِانْقِسَامِ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً، وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ السَّقْيُ قَبْلَ التَّقْسِيمِ لَحَصَلَ مِنَ التَّزَاحُمِ عَلَى الْمَاءِ مَا يُفْضِي إِلَى الضُّرِّ بِالْقَوْمِ، وَظَاهِرُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ لَمَّا مَرُّوا بِحُورِيبَ، وَجَاءَ شُعَيْبٌ لِلِقَاءِ مُوسَى: أَنَّ شُعَيْبًا أَشَارَ عَلَى مُوسَى أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ، وَرُؤَسَاءَ مِئَاتٍ، وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ، وَرُؤَسَاءَ عَشَرَاتٍ، حَسَبَ الْإِصْحَاحِ ١٨ مِنَ الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمَّةَ كَانَتْ مُنْتَسِبَةً قَبَائِلَ مِنْ قَبْلُ، لِيَسْهُلَ وَضْعُ الرُّؤَسَاءِ عَلَى الْأَعْدَادِ، وَوَقَعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ خُرُوجِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ جَمَعَا جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَانْتَسَبُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ، كَمَا فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَسْبَاطِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٣٦].
وَجِيءَ بِاسْمِ الْعَدَدِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لِأَنَّ السِّبْطَ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْأُمَّةِ فَحُذِفَ تَمْيِيزُ الْعَدَدِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: أُمَماً عَلَيْهِ.
وأَسْباطاً حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي وَقَطَّعْناهُمُ وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا لِأَنَّ تَمْيِيزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَنَحْوِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُفْرَدًا.
وَقَوْلُهُ: أُمَماً بدل من أَسْبَاط أَوْ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعُدِلَ عَنْ جَعْلِ أَحَدِ الْحَالَيْنِ
تَمْيِيزًا فِي الْكَلَامِ إِيجَازًا وَتَنْبِيهًا عَلَى قَصْدِ الْمِنَّةِ بِكَوْنِهِمْ أُمَمًا مِنْ آبَاءٍ إِخْوَةٍ. وَأَنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنْ أُولَئِكَ قَدْ صَارَ أُمَّةً، قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الْأَعْرَاف: ٨٦] مَعَ مَا يُذْكَرُ بِهِ لَفْظُ أَسْبَاطٍ مِنْ تَفْضِيلِهِمْ، لِأَنَّ الْأَسْبَاطَ أَسْبَاطُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ.
هَذَا مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ حِكْمَةِ تَقْسِيمِهِمْ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا وَلَمْ يُعْطَفْ هَذَا الْخَبَرُ بِالْفَاءِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ مِنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
لِلْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْأَحِقَّاءُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَا يَحِقُّ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُبَاشِرَ فِيهِ عَمَلَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَثَارَ ظَنٍّ بِأَنَّ الْقِيَامَ بِشَعَائِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُسَاوٍ لِلْقِيَامِ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ.
وَأَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: مَا
رَوَاهُ الطَّبَرَيُّ، وَالْوَاحِدِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ «مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ» وَقَالَ آخَرُ «بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» وَقَالَ آخَرُ «بَلِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ» فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستفيته فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ.. - إِلَى -.. وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ سَرَى هَذَا التَّوَهُّمُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَرُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ رَامَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَيَتْرُكَ الْهِجْرَةَ لِأَجْلِ الشَّغْلِ بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالزَّائِرِ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ رَامَ مِثْلَ ذَلِكَ، لِلْقِيَامِ بِحِجَابَةِ الْبَيْتِ.
وَرَوَى الطَّبَرَيُّ، وَالْوَاحِدِيُّ: أَنَّ مُمَارَاةً جَرَتْ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَدْرٍ، وَأَنَّ عَلِيًّا عَيَّرَ الْعَبَّاسَ بِالْكُفْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: «مَا
لَكُمْ لَا تَذْكُرُونَ مَحَاسِنَنَا إِنَّا لَنَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ وَنَحْجِبُ الْكَعْبَةَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ»
فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ
الْآيَةَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ.
وَ (السِّقَايَةُ) صِيغَةٌ لِلصِّنَاعَةِ، أَيْ صِنَاعَةُ السَّقْيِ، وَهِيَ السَّقْيُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَلِذَلِكَ أُضِيفَتِ السِّقَايَةُ إِلَى الْحَاجِّ.
وَكَذَلِكَ (الْعِمَارَةُ) صِنَاعَةُ التَّعْمِيرِ، أَيِ الْقِيَامُ عَلَى تَعْمِيرِ شَيْءٍ، بِالْإِصْلَاحِ وَالْحِرَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ، هُنَا: غَيْرُ مَا فِي قَوْلِهِ: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ [التَّوْبَة: ١٧] وَقَوْلِهِ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [التَّوْبَة: ١٨] وَأُضِيفَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ فِي ذَاتِ الْمَسْجِدِ.
وَتَعْرِيفُ الْحَاجِّ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.
وَفِي مَعْنَى الْغَايَةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ (حَتَّى) مَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ بَيْنَ مَبْدَأِ ظُهُورِ لَذَّاتِ الْحَيَاةِ وَبَيْنَ مُنْتَهَاهَا مَرَاتِبَ جَمَّةً وَأَطْوَارًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ طُوِيَ فِي مَعْنَى (حَتَّى).
وَقَوْلُهُ: لَيْلًا أَوْ نَهاراً تَرْدِيدٌ فِي الْوَقْتِ لِإِثَارَةِ التَّوَقُّعِ مِنْ إِمْكَانِ زَوَالِ نَضَارَةِ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُوَقَّتَ بِمُعَيَّنٍ مِنَ التَّوْقِيتِ يَكُونُ النَّاسُ فِي أَمْنٍ مِنْ حُلُولِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالزُّخْرُفُ: اسْمُ الذَّهَبِ. وَأُطْلِقَ عَلَى مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا فِيهِ ذَهَبٌ وَتَلْوِينٌ مِنَ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ.
وَإِطْلَاقُ أَخْذِ الْأَرْضِ زُخْرُفَهَا عَلَى حُصُولِ الزِّينَةِ فِيهَا اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. شُبِّهَتِ الْأَرْضُ بِالْمَرْأَةِ حِينَ تُرِيدُ التَّزَيُّنَ فَتُحْضِرُ فَاخِرَ ثِيَابِهَا مِنْ حُلِيٍّ وَأَلْوَانٍ. وَالْعَرَبُ يُطْلِقُونَ عَلَى ذَلِكَ التَّنَاوُلِ اسْمَ الْأَخْذِ، قَالَ تَعَالَى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الْأَعْرَاف: ٣١]، وَقَالَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ:
وَخُذِي مَلَابِسَ زِينَةٍ وَمُصَبَّغَاتٍ وَهْيَ أَفْخَرُ
وَذُكِرَ ازَّيَّنَتْ عَقِبَ زُخْرُفَها تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْخُذُ زُخْرُفَهَا لِلتَّزَيُّنِ. وازَّيَّنَتْ أَصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَقُلِبَتِ التَّاءُ زَايًا لِتُدْغَمَ فِي الزَّايِ فَسُكِّنَتْ وَأُدْغِمَتْ وَاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِأَجْلِ النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً إِشَارَة لإِرَادَة الِاسْتِئْصَالِ فَهُوَ يُنْذِرُ بِالتَّهْدِيدِ لِلْكَافِرِينَ وَيَجْعَلُ التَّمْثِيلَ أَعْلَقَ بِحَيَاتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الْأَنْعَام: ٤٤] لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضُرِبَ هَذَا الْمَثَلُ لِتَمَتُّعِ الْكَافِرِينَ بِبَغْيِهِمْ وَإِمْهَالِهِمْ عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ تِلْكَ الْإِشَارَةَ وُضُوحًا قَوْلُهُ: وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها الْمُؤْذِنُ بِأَنَّ أَهْلَهَا مَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْإِصَابَةِ.
وَمَعْنَى: أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَنَّهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا مُحَصِّلُونَ لِثَمَرَاتِهَا، فَأَطْلَقَ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفَاعِ وَدَوَامِهِ لَفْظَ الْقُدْرَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ.

[سُورَة هود (١١) : آيَة ٨٨]

قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
تَقَدَّمَ نَظِيرُ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ وَقِصَّةِ صَالِحٍ- عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-.
وَالْمُرَادُ بِالرِّزْقِ الْحَسَنِ هُنَا مِثْلُ الْمُرَادِ مِنَ الرَّحْمَةِ فِي كَلَامِ نُوحٍ وَكَلَامِ صَالِحٍ- عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- وَهُوَ نعْمَة النبوءة، وَإِنَّمَا عَبَّرَ شُعَيْبٌ- عَلَيْهِ السّلام- عَن النبوءة بِالرِّزْقِ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ مُشَاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا مَا نَشؤُا [هود: ٨٧] لِأَنَّ الْأَمْوَالَ أَرْزَاقٌ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي. وَالتَّقْدِيرُ: مَاذَا يَسَعُكُمْ فِي تَكْذِيبِي، أَوْ مَاذَا يُنْجِيكُمْ مِنْ عَاقِبَةِ تَكْذِيبِي، وَهُوَ تَحْذِيرٌ لَهُمْ عَلَى فَرْضِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، أَيْ فَالْحَزْمُ أَنْ تَأْخُذُوا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ، أَوْ فَالْحَزْمُ أَنْ تَنْظُرُوا فِي كُنْهِ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ لِصَلَاحِكُمْ.
وَمَعْنَى وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ من التّابعين فَمن بَعْدِهِمْ: مَا أُرِيدُ مِمَّا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ أَنْ أَمْنَعَكُمْ أَفْعَالًا وَأَنَا أَفْعَلُهَا، أَيْ لَمْ أَكُنْ لِأَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ وَأَنَا أَفْعَلُهُ. وَبَيَّنَ فِي «الْكَشَّافِ» إِفَادَةَ التَّرْكِيبِ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ «يُقَالُ: خَالَفَنِي فُلَانٌ إِلَى كَذَا إِذَا قَصَدَهُ وَأَنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ... وَيَلْقَاكَ الرَّجُلُ صَادِرًا عَنِ الْمَاءِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ: خَالَفَنِي إِلَى الْمَاءِ، يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ وَارِدًا وَأَنَا ذَاهِبٌ عَنْهُ صَادِرًا» اه.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَافِ بِضِدِّ حَالِهِ، فَإِذَا ذُكِرَتْ فِي غَرَضٍ دَلَّتْ عَلَى الِاتِّصَافِ بِضِدِّهِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ وَجْهَ الْمُخَالَفَةِ بِذِكْرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ قُلْ هُوَ رَبِّي وَبَيْنَ جُمْلَةِ أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ [سُورَة الرَّعْد: ٣٣] كَمَا سَيَأْتِي هُنَالِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَحْكِيَّةً بِالْقَوْلِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ هُوَ رَبِّي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
وَالْمَعْنَى: لَوْ أَنَّ كِتَابًا مِنَ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ اشْتَمَلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْهِدَايَةِ فَكَانَتْ مَصَادِرَ لِإِيجَادِ الْعَجَائِبِ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنٌ كَذَلِكَ، فَهَذَا الْقُرْآنُ لَا يُتَطَلَّبُ مِنْهُ الِاشْتِمَالُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ. وَحَذْفُ جَوَابِ لَوْ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [سُورَة الْأَنْعَام: ٢٧] وَقَوْلِهِ: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [سُورَة السَّجْدَة: ١٢].
وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنًى تَعْرِيضِيًّا بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِمْ بِنِهَايَةِ ضَلَالَتِهِمْ، إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِ الْقُرْآنِ وَدَلَائِلِهِ وَالْحَالُ لَوْ أَنَّ قُرْآنًا أَمَرَ الْجِبَالَ أَنْ تَسِيرَ وَالْأَرْضَ أَنْ تَتَقَطَّعَ وَالْمَوْتَى أَنْ تَتَكَلَّمَ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ بَالِغًا ذَلِكَ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْكُتُبِ، فَيَكُونُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمَى مِنَ الْحَمَاسَةِ:
وَلَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرِ
وَوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَيْنِ الْخَوَارِقِ الْمَفْرُوضَةِ مَا رَوَاهُ الْوَاحِدِيُّ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، أَبَا جَهْلٍ وَابْنَ أبي أميّة وَغَيرهمَا جَلَسُوا خَلْفَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: لَوْ وَسَّعْتَ لَنَا جِبَالَ مَكَّةَ فَسَيَّرْتَهَا حَتَّى تتسع أَرْضنَا فنحترثهما فَإِنَّهَا ضَيِّقَةٌ، أَوْ قَرِّبْ إِلَيْنَا الشَّامَ فَإِنَّا نَتَّجِرُ إِلَيْهَا، أَوْ أَخْرِجْ قُصَيًّا نُكَلِّمْهُ.
وَقَدْ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّهُ تَكَرَّرَ فَرْضُ تَكْلِيمِ الْمَوْتَى بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى [سُورَة الْأَنْعَام: ١١١]، فَكَانَ فِي ذِكْرِ
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [سُورَة النَّحْل: ٩٧].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها مُقَابِلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي ضِدِّهِمْ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [سُورَة النَّحْل: ٢٩].
وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا وَجْهُ تَسْمِيَةِ جَهَنَّمَ مَثْوًى وَالْجَنَّةِ دَارًا.
وَ (نِعْمَ) فِعْلُ مَدْحٍ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وَمَرْفُوعُهُ فَاعِلٌ دَالٌّ عَلَى جِنْسِ الْمَمْدُوحِ، وَيُذْكَرُ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ آخَرُ يُسَمَّى الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، أَوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ الْمُبْتَدَأِ. فَإِذَا تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَخْصُوصِ بِالْمَدْحِ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا هُنَا، فَإِنَّ تَقَدُّمَ وَلَدارُ الْآخِرَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالْمَدْحِ هُوَ دَارُ الْآخِرَةِ. وَالْمَعْنَى: وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ دَارُ الْآخِرَةِ.
وَارْتَفَعَ جَنَّاتُ عَدْنٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِمَّا حُذِفَ فِيهِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ جَرْيًا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي مُسْنَدٍ إِلَيْهِ جَرَى كَلَامٌ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [سُورَة النَّحْل: ٢٨]. وَالتَّقْدِيرُ: هِيَ جَنَّاتُ عَدْنٍ، أَيْ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ.
وَجُمْلَةُ يَدْخُلُونَها حَالٌ مِنَ الْمُتَّقِينَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ اسْتِحْضَارُ تِلْكَ الْحَالَةِ الْبَدِيعَةِ حَالَةِ دُخُولِهِمْ لِدَارِ الْخَيْرِ وَالْحُسْنَى وَالْجَنَّاتِ.
وَجُمْلَةُ لَهُمْ فِيها مَا يَشاؤُنَ حَالُ مِنْ ضَمِيرِ الرَّفْعِ فِي يَدْخُلُونَها. وَمَضْمُونُهَا مُكَمِّلٌ لِمَا فِي جُمْلَةِ يَدْخُلُونَها مِنَ اسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْبَدِيعَةِ.
وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْإِتْيَانُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِتَمْيِيزِ الْجَزَاءِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِ. وَجَعْلِ الْجَزَاءِ لِتَمْيِيزِهِ وَكَمَالِهِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ جَزَاءُ الْمُتَّقِينَ. وَالتَّقْدِيرُ: يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ جَزَاءً كَذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ. وَهُوَ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْمُتَّقِينَ للْعُمُوم.
لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ مُصَاحِبًا للآيات الَّتِي اقتراحها الْمُشْرِكُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ مُسْتَعَارًا لِإِظْهَارِ الْآيَاتِ وَإِيجَادِهَا، فَتَكُونَ الْبَاءُ مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ فِعْلِ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، وَتَكون بِالْآياتِ مَفْعُولًا فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦].
والتعريف فِي بِالْآياتِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لِلْعَهْدِ، أَيْ الْمَعْهُودَةِ مِنِ اقْتِرَاحِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً، [الْإِسْرَاء: ٩٠] وقالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى [الْقَصَص: ٤٨] وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الْأَنْعَام: ١٢٤] عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
وَ (أَنْ) الْأُولَى مُفِيدَةٌ مَصْدَرًا مَنْصُوبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ (مِنَ) الَّتِي يَتَعَدَّى بِهَا فِعْلُ الْمَنْعِ، وَهَذَا الْحَذْفُ مُطَّرِدٌ مَعَ (أَنْ).
وَ (أَنْ) الثَّانِيَةُ مَصْدَرُهَا فَاعِلُ مَنَعَنا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ.
وَإِسْنَادُ الْمَنْعِ إِلَى تَكْذِيبِ الْأَوَّلِينَ بِالْآيَاتِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ سَبَبُ الصَّرْفِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ كَمَا لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْكَفَرَةِ لَمَّا جَاءَتْهُمْ أَمْثَالُ تِلْكَ الْآيَاتِ. فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْكُفْرِ سَجِيَّةٌ لِلْمُشْرِكِ لَا يَقْلَعُهَا إِظْهَارُ الْآيَاتِ، فَلَوْ آمن الْأَولونَ عِنْد مَا أُظْهِرَتْ لَهُمُ الْآيَاتُ لَكَانَ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَجْعَلُوا إِيمَانَهُمْ مَوْقُوفًا عَلَى إِيجَادِ الْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوهَا. قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يُونُس: ٩٦- ٩٧].
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا تَثْبِيتٌ لِأَفْئِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطَانُ، وتسلية للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِهِ فَلَعَلَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يُجِيبَهُمُ اللَّهُ لِمَا سَأَلُوا مِنَ الْآيَاتِ وَلِحُزْنِهِ مِنْ أَنْ يَظُنُّوهُ كَاذِبًا.
وَجُمْلَةُ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ فِي مَحَلِّ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ فِي مَنَعَنا، أَيْ وَقَدْ آتَيْنَا ثَمُودًا آيَة كَمَا سَأَلُوهُ فَزَادُوا كُفْرًا بِسَبَبِهَا حَتَّى عُجِّلَ لَهُمُ الْعَذَابُ.
جَمَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى ثَبَاتِ الْعَزِيمَةِ، نُزِّلَ الْقَائِمُ بِالْعِبَادَةِ مَنْزِلَةَ الْمُغَالِبِ لِنَفْسِهِ، فَعُدِّيَ الْفِعْلُ بِاللَّامِ كَمَا يُقَالُ: اثْبُتْ لِعُدَاتِكَ.
وَجُمْلَةُ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا وَاقِعَةٌ مُوَقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ وَالِاصْطِبَارِ عَلَيْهَا.
وَالسَّمِيُّ هُنَا الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى المسامي، أَي الممائل فِي شؤونه كُلِّهَا. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّظِيرِ، مَأْخُوذًا مِنَ الْمُسَامَاةِ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، لَكِنَّهُ أُخِذَ مِنَ الْمَزِيدِ كَقَوْلِ عَمْرو بن معد يكرب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ أَيِ الْمُسْمِعُ. وَكَمَا سُمِّيَ تَعَالَى الْحَكِيمَ، أَيِ الْمُحْكِمُ لِلْأُمُورِ، فَالسَّمِيُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمُمَاثِلِ فِي الصِّفَاتِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الصِّفَاتِ كَالْمُسَامَاةِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَا مُسَامِيَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَيْ لَيْسَ مَنْ يُسَامِيهِ، أَيْ يُضَاهِيهِ، مَوْجُودًا.
وَقِيلَ السَّمِيُّ: الْمُمَاثِلُ فِي الِاسْمِ. كَقَوْلِهِ فِي ذِكْرِ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [مَرْيَم: ٧]. وَالْمَعْنَى: لَا تَعْلَمُ لَهُ مُمَاثِلًا فِي اسْمِهِ اللَّهُ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُسَمُّوا شَيْئًا مِنْ أَصْنَامِهِمُ اللَّهَ بِاللَّامِ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ مِنْهَا إِلَهٌ، فَانْتِفَاءُ تَسْمِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَظَّمَةِ بِاسْمِهِ كِنَايَةً عَنْ إعترافِ النَّاسِ بِأَنْ لَا مُمَاثِلَ لَهُ فِي صِفَةِ الْخَالِقَيَّةِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَجْتَرِئُوا على أَن يدعوا لِآلِهَتِهِمُ الْخَالِقِيَّةَ. قَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَان: ٢٥]. وَبِذَلِكَ يَتِمُّ كَوْنُ الْجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا.
وَزِيَادَةُ بَيْنَهُمْ لِإِفَادَةِ أَنَّهُمْ تَعَاوَنُوا وَتَظَاهَرُوا عَلَى تَقَطُّعِ أَمْرِهِمْ. فَرُبَّ قَبِيلَةٍ اتَّخَذَتْ صَنَمًا لَمْ تَكُنْ تَعْبُدُهُ قَبِيلَةٌ أُخْرَى ثُمَّ سَوَّلُوا لِجِيرَتِهِمْ وَأَحْلَافِهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ فَأَلْحَقُوهُ بِآلِهَتِهِمْ.
وَهَكَذَا حَتَّى كَانَ فِي الْكَعْبَةِ عِدَّةُ أَصْنَامٍ وَتَمَاثِيلَ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مَقْصُودَةٌ لِجَمِيعِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ الْمُلَقَّبَ بِخُزَاعَةَ هُوَ الَّذِي نَقَلَ الْأَصْنَامَ إِلَى الْعَرَبِ.
وَجُمْلَةُ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِجَوَابِ سُؤَالٍ يَجِيشُ فِي نَفْسِ سَامِعِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ وَهُوَ مَعْرِفَةُ عَاقِبَةِ هَذَا التَّقَطُّعِ.
وَتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ كُلُّهُمْ، أَيْ أَصْحَابُ ضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَالْكَلَامُ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ.
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ التَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ [الْأَنْبِيَاء: ٩٤] إِلَى آخِره.
[٩٤]
[سُورَة الْأَنْبِيَاء (٢١) : آيَة ٩٤]
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)
فُرِّعَ عَلَى الْوَعِيدِ الْمُعَرَّضِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٩٤] تَفْرِيعٌ بَدِيعٌ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ مَا تُوُعِّدُوا بِهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْأَنْبِيَاء: ٩٧] الْآيَاتِ.
وَقَدَّمَ وَعْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَزَاءِ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ اهْتِمَامًا بِهِ، وَلِوُقُوعِهِ عَقِبَ الْوَعِيدِ تَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعُوا قَوَارِعَ تَفْصِيلِ الْوَعِيدِ، فَلَيْسَ هُوَ مَقْصُودًا مِنَ التَّفْرِيعِ، وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِطْرَادَ تَنْوِيهًا بِالْمُؤْمِنِينَ
فَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ هُنَا بِمَعْنَى التَّعْيِينِ وَالتَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَصِيباً مَفْرُوضاً [النِّسَاء: ٧] وَقَوْلِهِ: مَا كانَ عَلَى النبيء مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [الْأَحْزَاب:
٣٨]. وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ «فَرَضْنَا» إِلَى ضَمِيرِ السُّورَةِ مِنْ قَبِيلِ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ إِضَافَةِ الْأَحْكَامِ إِلَى الْأَعْيَانِ بِإِرَادَةِ أَحْوَالِهَا، مِثْلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: ٣]، أَيْ أَكْلُهَا. فَالْمَعْنَى: وَفَرَضْنَا آيَاتِهَا. وَسَنَذْكُرُ قَرِيبًا مَا يُزِيدُ هَذَا بَيَانًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [النُّور: ٣٤] وَكَيْفَ قُوبِلَتِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ هُنَالِكَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَفَرَضْناها بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَفَرَضْناها بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ نَزَّلَ الْمُشَدَّدِ. وَنُقِلِ فِي حَوَاشِي «الْكَشَّافِ» عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ:
كَأَنَّهُ عَامِلٌ فِي دِينِ سُؤْدُدِهِ بِسُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهِ وَفُرِّضَتْ
وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ وَهُمَا الْإِنْزَالُ وَالْفَرْضُ ثَبَتَا لِجَمِيعِ السُّورَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ فَهُوَ تَنْوِيهٌ آخَرُ بِهَذِهِ السُّورَةِ تَنْوِيهٌ بِكُلِّ آيَةٍ
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا السُّورَةُ: مِنَ الْهَدْيِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَحَقِّيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُجَجٍ وَتَمْثِيلٍ، وَمَا فِي دَلَائِلِ صُنْعِ اللَّهِ عَلَى سِعَةِ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهِيَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النُّور: ٣٤] وَقَوْلُهُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً إِلَى قَوْلِهِ: صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النُّور: ٤٣- ٤٦].
وَمِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهَا إِطْلَاعُ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلَى دَخَائِلِ الْمُنَافِقِينَ مِمَّا كَتَمُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
[النُّور: ٤٨- ٥٣] فَحَصَلَ التَّنْوِيهُ بِمَجْمُوعِ السُّورَةِ ابْتِدَاءً وَالتَّنْوِيهُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا ثَانِيًا.
فَالْآيَاتُ جَمْعُ آيَةٍ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْكَلَامِ الْقُرْآنِيِّ دَالَّةٌ عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَالْقَوْلُ فِي تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَقَوْلِهِ: فَهُوَ يَشْفِينِ كَالْقَوْلِ فِي سَابِقِهِمَا لِلرَّدِّ عَلَى زَعْمِهِمْ أَنَّ الْأَصْنَامَ تُقَدِّرُ لَهُمْ تَيْسِيرَ مَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَشْرَبُونَ وَبِهَا بُرْؤُهُمْ إِذَا مَرِضُوا، وَلَيْسَا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أَيْضًا.
وَعُطِفَ إِذا مَرِضْتُ عَلَى يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإِنَّ إِذا تُخَلِّصُ الْفِعْلَ بَعْدَهَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ إِذَا طَرَأَ عَلَيَّ مَرَضٌ.
وَفِي إِسْنَادِهِ فِعْلَ الْمَرَضِ إِلَى نَفْسِهِ تَأَدُّبٌ مَعَ اللَّهِ رَاعَى فِيهِ الْإِسْنَادَ إِلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فِي مَقَامِ الْأَدَبِ، فَأَسْنَدَ إِحْدَاثَ الْمَرَضِ إِلَى ذَاتِهِ وَلِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ بِمَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَصْنَامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الْأَصْنَامِ قَاصِرٌ عَلَى الْإِعَانَةِ أَوِ الْإِعَاقَةِ فِي أَعْمَالِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِمْ. فَأَمَّا الْمَوْتُ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ الدَّهْرِ وَالطَّبِيعَةِ إِنْ كَانُوا دَهْرِيِّينَ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ
الْخَلْقَ وَالْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ لَيست من شؤون الْأَصْنَامِ وَأَنَّهَا مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَعْتَقِدُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ فَظَاهِرٌ.
وَتَكْرِيرُ اسْمِ الْمَوْصُولِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ تُعْطَفَ الصِّلَتَانِ عَلَى الصِّلَةِ الْأُولَى لِلِاهْتِمَامِ بِصَاحِبِ تِلْكَ الصِّلَاتِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهَا نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَحَقِيقٌ أَنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلَالَتِهِ.
وَأَطْلَقَ عَلَى رَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَمُبَاعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هَاجِسِ اسْتِحْقَاقِهِ الْمَغْفِرَةَ وَإِنَّمَا طَمَعَ فِي ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
وَالْخَطِيئَةُ: الذَّنب. يُقَال: خطىء إِذَا أَذْنَبَ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ فِي الْبَقَرَةِ [٥٨]. وَالْمَقْصُودُ فِي لِسَانِ الشَّرَائِعِ: مُخَالَفَةُ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وَإِذْ قَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا فَالْخَطِيئَةُ مِنْهُمْ هِيَ مُخَالَفَةُ مُقْتَضَى الْمَقَامِ النَّبَوِيِّ.
وَالْمَغْفِرَةُ: الْعَفْوُ عَنِ الْخَطَايَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِ يَوْمَ الدِّينِ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْعَفْوِ، فَأَمَّا صُدُورُ الْعَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَفِي الدُّنْيَا، وَقَدْ يَغْفِرُ خَطَايَا بَعْضِ الْخَاطِئِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الشَّفَاعَةِ.

[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٥٢ إِلَى ٥٣]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)
لَمَّا أَفْهَمَ قَوْلُهُ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الْقَصَص: ٥١] أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا وَلَمْ يَكُونُوا عِنْدَ رَجَاءِ الرَّاجِي عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّهَا جَوَابٌ لِسُؤَالِ مَنْ يَسْأَلُ هَلْ تَذَكَّرَ غَيْرُهُمْ بِالْقُرْآنِ أَوِ اسْتَوَى النَّاسُ فِي عَدَمِ التَّذَكُّرِ بِهِ. فَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ يُؤْمِنُونَ بِهِ إِيمَانًا ثَابِتًا.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ طَائِفَةٌ مَعْهُودَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ شَهِدَ اللَّهُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ وَيَتَدَبَّرُونَهُ وَهُمْ بَعْضُ النَّصَارَى مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِثْلَ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَصُهَيْبٍ، وَبَعْضِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامً وَرِفَاعَةَ بْنِ رَفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيءُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا هَاجَرَ أَظْهَرُوا إِسْلَامَهُمْ.
وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا بَعْثَهُمُ النَّجَاشِيُّ لاستعلام أَمر النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فجلسوا إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنُوا بِهِ وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ قَرِيبًا مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُونَ فَلَمَّا قَامُوا من عِنْد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ فَقَالَ لَهُمْ:
خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ وَقَبَّحَكُمْ مِنْ وَفْدٍ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ صَدَّقْتُمُوهُ، فَقَالُوا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا رُشْدًا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا أَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْضُ نَصَارَى الْحَبَشَةِ لَمَّا وَفَدَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَة وقرأوا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَأَفْهَمُوهُمُ الدِّينَ.
وَضَمِيرُ مِنْ قَبْلِهِ عَائِدٌ إِلَى الْقَوْلِ مِنْ وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ [الْقَصَص: ٥١]، وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ فِي هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ لِتُقَوِّيَ الْخَبَرَ. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ مُقَيِّدٌ لِلْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ، أَيْ هُمْ يُوقِنُونَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ.
يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا- يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَارِضَةِ» : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. الثَّانِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قِيلَ هُوَ ابْنُ خَطَلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مُغَنِّيَةً فَشُغِلَ النَّاسُ بِهَا عَنِ اسْتِمَاعِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اهـ. وَأَلْفَاظُ الْآيَةِ أَنْسَبُ انْطِبَاقًا عَلَى قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ.
وَمَعْنَى لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُلْهِيَ قُرَيْشًا عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ سَبِيلٌ مُوَصِّلٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ إِلَى الدِّينِ الَّذِي أَرَادَهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ اللَّهْوِ بَلْ تَجَاوَزَهُ إِلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي تَفْظِيعِ عَمَلِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُور لِيُضِلَّ بِضَمِّ الْيَاءِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ لِيَزْدَادَ ضَلَالًا عَلَى ضَلَالَةٍ إِذْ لَمْ يَكْتَفِ لِنَفْسِهِ بِالْكُفْرِ حَتَّى أَخَذَ يَبُثُّ ضَلَالَهُ لِلنَّاسِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَّحِدَ الْمَعْنَى.
وَيَتَعَلَّقُ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِفِعْلِ يَشْتَرِي وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِأَنَّ أَصْلَ تَعَلُّقِ الْمَجْرُورَاتِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمُتَعَلِّقِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، فَالْمَعْنَى: يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَيْ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِي صَالِحِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَسْتَبْدِلُ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ.
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي يَتَّخِذَها عَائِدٌ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ. وَقَرأَ الْجُمْهُورُ وَيَتَّخِذَها بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَشْتَرِي، أَيْ يَشْغَلُ النَّاسَ بِلَهْوِ الْحَدِيثِ لِيَصْرِفَهُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَيَتَّخِذُ سَبِيلَ الله هزؤا. وقرأه حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى لِيُضِلَّ، أَيْ يُلْهِيهِمْ بِلَهْوِ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّهُمْ وَلِيَتَّخِذَ دِينَ الْإِسْلَامِ هُزْءًا. وَمَآلُ الْمَعْنَى مُتَّحِدٌ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ غَرَضِهِ. وَأَمَّا الْإِضْلَالُ فَقَدْ رُجِّحَ فِيهِ جَانِبُ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ لَهُ عَلَى مَا يَفْعَلُ.
وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ سَعَوْا عَطَفٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لِيُجْزَى الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ سَعَوْا بِمَا يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ عَالَمَ الْإِنْسَانِ يَحْتَوِي عَلَى صَالِحِينَ مُتَفَاوِتٍ صَلَاحُهُمْ، وَفَاسِدِينَ مُتَفَاوِتٍ فَسَادُهُمْ، وَقَدِ انْتَفَعَ النَّاسُ بِصَلَاحِ الصَّالِحِينَ وَاسْتَضَرُّوا بِفَسَادِ الْمُفْسِدِينَ، وَرُبَّمَا عَطَّلَ هَؤُلَاءِ مَنَافِعَ أُولَئِكَ وَهَذَّبَ أُولَئِكَ مِنْ إِفْسَادِ هَؤُلَاءِ وَانْقَضَى كُلُّ فَرِيقٍ بِمَا عَمِلَ لَمْ يَلْقَ الْمُحْسِنُ جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ وَلَا الْمُفْسد جَزَاء على إِفْسَادِهِ، فَكَانَتْ حِكْمَةُ خَالِقِ النَّاسِ مُقْتَضِيَةً إِعْلَامَهُمْ بِمَا أَرَادَ مِنْهُمْ وَتَكْلِيفَهُمْ أَنْ يَسْعَوْا فِي الْأَرْضِ صَلَاحًا، وَمُقْتَضِيَةً ادِّخَارَ جَزَاءِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَكَانَ مِنْ مُقْتَضَاهَا إِحْضَارُ الْفَرِيقَيْنِ لِلْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَإِذْ قَدْ شُوهِدَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلِمْنَا أَنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ حَيَاةً أَبَدِيَّةً يُقَارِنُهَا الْجَزَاءُ الْعَادِلُ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ اللَّائِقُ بِحِكْمَةِ مُرْشِدِ الْحُكَمَاءِ تَعَالَى، فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ السَّلِيمُ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا خَالق الْخلق بذلك على لِسَان رَسُولِهِ وَرُسُلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَافَقَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، وَبَطَلَ الدَّجْلُ وَالدَّخْلُ.
وَجُعِلَ جَزَاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مَغْفِرَةً، أَيْ تَجَاوَزُوا عَنْ آثَامِهِمْ، وَرِزْقًا كَرِيمًا وَهُوَ مَا يُرْزَقُونَ مِنَ النَّعِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِمْ فِي النَّعِيمِ وَابْتِدَاءِ مدَّته فَإِنَّهُم آئلون إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّزْقِ الْكَرِيمِ.
وَوُصِفَ بِالْكَرِيمِ، أَيِ النَّفِيسِ فِي نَوْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩].
وَقُوبِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا لِأَنَّ السَّعْيَ فِي آيَاتِ اللَّهِ يُسَاوِي مَعْنَى كَفَرُوا بِهَا، وَبِذَلِكَ يَشْمَلُ عَمَلَ السَّيِّئَاتِ وَهُوَ سَيِّئَةٌ مِنَ السَّيِّئَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ [سبأ: ٧] الْخَ.
وَمَعْنَى سَعَوْا فِي آياتِنا اجْتَهَدُوا بِالصَّدِّ عَنْهَا وَمُحَاوَلَةِ إِبْطَالِهَا، فَالسَّعْيُ مُسْتَعَارٌ لِلْجِدِّ فِي فِعْلٍ مَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٥١]. وَآيَاتُ اللَّهِ هُنَا: الْقُرْآنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ: ٦].
دِينًا، وَاخْتَلَّ نَظَرًا وَتَخْمِينًا. وَقَدْ دَوَّنُوا كَذِبًا كَثِيرًا فِي ذَلِكَ وَسَمَّوْهُ عِلْمَ أَحْكَامِ الْفَلَكِ أَوِ النُّجُومِ.
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ نَظْمِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنِّي سَقِيمٌ لَمْ يَكُنْ مَرَضًا وَلِذَلِكَ
جَاءَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاث كذبات اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاء: ٦٣]، وَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ سَارَةَ فَقَالَ: «هِيَ أُخْتِي»
الْحَدِيثَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ مِنْ نِسْبَةِ الْكَذِب إِلَى نبيء.
وَدَفْعُ الْإِشْكَالِ: أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْكَلَامِ كَذِبًا مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى مَا يُفْهِمُهُ أَوْ يُعْطِيهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ وَمَا هُوَ بِالْكَذِبِ الصُّرَاحِ بَلْ هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ، أَيْ أَنِّي مِثْلُ السَّقِيمِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْخُرُوجِ، أَوْ فِي التَّأَلُّمِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَأَنَّ قَوْلَهُ: «هِيَ أُخْتِي» أَرَادَ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ التَّهَكُّمَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] لِظُهُورِ قَرِينَةِ أَنَّ مُرَادَهُ التَّغْلِيطُ.
وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ لَا تَدْفَعُ إِشْكَالًا يَتَوَجَّهُ عَلَى تَسْمِيَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ بِأَنَّهُ كِذْبَاتٌ.
وَجَوَابُهُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ التَّشْبِيهُ الْبَلِيغُ، وَلَا الْمَجَازُ، وَلَا التَّهَكُّمُ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْمِهِ كَذِبًا وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِعْلَ ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ بِتَأْوِيلِهِ كَمَا أَذِنَ لِأَيُّوبَ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا مِنْ عِصِيٍّ فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِيُبِرَّ قَسَمَهُ إِذْ لَمْ تَكُنِ الْكَفَّارَةُ مَشْرُوعَةً فِي دِينِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَفِعْلُ «رَاغَ» مَعْنَاهُ: حَادَ عَنِ الشَّيْءِ، وَمَصْدَرُهُ الرَّوْغُ وَالرَّوَغَانُ، وَقَدْ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الذَّهَابِ إِلَى أَصْنَامِهِمْ مُخَاتَلَةً لَهُمْ وَلِأَجْلِ الْإِشَارَةِ إِلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى الذَّهَابِ عُدِّيَ بِ إِلى.
وَإِطْلَاقُ الْآلِهَةِ عَلَى الْأَصْنَامِ مُرَاعًى فِيهِ اعْتِقَادُ عَبَدَتِهَا بِقَرِينَةِ إِضَافَتِهَا إِلَى ضَمِيرِهِمْ، أَيْ إِلَى الْآلِهَةِ الْمَزْعُومَةِ لَهُمْ.
وَمُخَاطَبَةُ إِبْرَاهِيمَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ بِقَوْلِهِ: أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ وَهُوَ فِي حَالِ خَلْوَةٍ بِهَا وَعَلَى غَيْرِ مَسْمَعٍ مِنْ عَبَدَتِهَا قُصِدَ بِهِ أَنْ يُثِيرَ فِي نَفْسِهِ غَضَبًا
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: ٥]، وَمِنْهَا قَطْعُ الِاسْتِمَاعِ لَهَا، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بن سَلُولٍ فِي وَقْتِ صَرَاحَةِ كُفْرِهِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَاءَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا فِيهِ ابْنُ سَلُولٍ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن سَلُولٍ لَا أُحْسِنُ مِمَّا تَقُولُ أَيُّهَا الْمَرْءُ وَلَا تَغُشُّنَا بِهِ فِي مجالسنا وَاجْلِسْ فِي رَحَّلَكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهِ.
وبِغَيْرِ سُلْطانٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يُجادِلُونَ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالسُّلْطَانِ: الْحُجَّةُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُجَادِلُونَ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَكِنْ بِاللَّجَاجِ وَالِاسْتِهْزَاءِ. وأَتاهُمْ صِفَةٌ لِ سُلْطانٍ. وَالْإِتْيَانُ مُسْتَعَارٌ لِلظُّهُورِ وَالْحُصُولِ.
وَحُصُولُ الْحُجَّةِ هُوَ اعْتِقَادُهَا وَلَوْحُهَا فِي الْعَقْلِ، أَيْ يُجَادِلُونَ جَدَلًا لَيْسَ مِمَّا تُثِيرُهُ الْعُقُولُ وَالنَّظَرُ الْفِكْرِيُّ وَلَكِنَّهُ تَمْوِيهٌ وَإِسْكَاتٌ.
وَجُمْلَةُ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ خَبَرُ إِنَّ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالْإِنْشَاءِ، وَهِيَ إِنْشَاءُ ذَمِّ جِدَالِهِمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَمُّ فَمِ الْحَقِّ، أَيْ كَبُرَ جِدَالُهُمْ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، فَفَاعِلُ كَبُرَ ضَمِيرُ الْجِدَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْ يُجادِلُونَ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة:
٨].
ومَقْتاً تَمْيِيزٌ لِلْكِبَرِ وَهُوَ تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ مُحَوَّلٌ عَنِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَقْتُ جِدَالِهِمْ.
وَفِعْلُ كَبُرَ هُنَا مُلْحَقٌ بِأَفْعَالِ الذَّمِّ مِثْلِ: سَاءَ، لِأَنَّ وَزْنَ فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ يَجِيءُ بِمَعْنَى: نِعْمَ وَبِئْسَ، وَلَوْ كَانَتْ ضَمَّةُ عَيْنِهِ أَصْلِيَّةً وَبِهَذَا تَفْظِيعٌ بِالصَّرَاحَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتُفِيدَ مِنْ صِلَةِ الْمَوْصُولِ أَنَّ جِدَالَهُمْ هُوَ سَبَبُ إِضْلَالِهِمْ ذَلِكَ الْإِضْلَالَ الْمَكِينَ، فَحَصَلَ بِهَذَا الِاسْتِئْنَافِ تَقْرِيرُ فَظَاعَةِ جِدَالِهِمْ بِطَرِيقَيِ الْكِنَايَةِ وَالتَّصْرِيحِ.
وَالْكِبْرُ: مُسْتَعَارٌ لِلشِّدَّةِ، أَيْ مَقَتَ جِدَالَهَمْ مَقْتًا شَدِيدًا. وَالْمَقْتُ: شِدَّةُ الْبُغْضِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْعِقَابِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ. وَكَوْنُهُ مَقْتًا عِنْدَ الله تشنيع لَهُم وَتَفْظِيعٌ.
وَمِنَ الْإِلْهَامِ مَرَائِي الصَّالِحِينَ فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ.
وَلَيْسَ الْإِلْهَامُ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ لَا يُوثَقُ بِصِحَّةِ خَوَاطِرِهِ إِذْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. وَبَعْضُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَحُكَمَاءِ الْإِشْرَاقِ يَأْخُذُونَ بِهِ فِي خَاصَّتِهِمْ وَيَدَّعُونَ أَنَّ أَمَارَاتٍ تُمَيِّزُ لَهُمْ بَيْنَ صَادِقِ الْخَوَاطِرِ وَكَاذِبِهَا وَمِنْهُ قَوْلُ قُطْبِ الدِّينِ الشِّيرَازِيِّ فِي دِيبَاجَةِ شَرْحِهِ عَلَى «الْمِفْتَاحِ» «إِنِّي قَدْ أُلْقِيَ إِلَيَّ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ مِنْ حَضْرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ بِلِسَانِ الْإِلْهَامِ لَا كَوَهْمٍ مِنَ الْأَوْهَامِ» إِلَى أَنْ قَالَ «مَا أَوْرَثَنِي التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ». وَمِنْهُ مَا
وَرَدَ فِي قَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ أَجْلَهَا وَرِزْقَهَا»
عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَيْنِ فِيهِ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا لِأَنَّ أَلْفَاظَ هَذَا الْحَدِيثِ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُحْكَى بِهَا نُزُولُ الْوَحْيِ بِوَاسِطَةِ كَلَامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يَسْمَعُهُ سَامِعُهُ وَلَا يَرَى مَصْدَرَهُ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ كَلَامًا فِي شَيْءٍ مَحْجُوبٍ عَنْ سَامِعِهِ وَهُوَ مَا وَصَفَ اللَّهَ هُنَا بَقَوْلِهِ: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ.
وَالْمَعْنَى: أَوْ مَحْجُوبًا الْمُخَاطَبُ- بِالْفَتْحِ- عَنْ رُؤْيَةِ مَصْدَرِ الْكَلَامِ، فَالْكَلَامُ كَأَنَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَهَذَا مِثْلَ تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى مُوسَى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَيَحْصُلُ عِلْمُ الْمُخَاطَبِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِآيَةٍ يُرِيهِ اللَّهُ إِيَّاهَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ كَمَا عَلِمَ مُوسَى ذَلِكَ بِانْقِلَابِ عَصَاهُ حَيَّةً ثُمَّ عَوْدِهَا إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، وَبِخُرُوجِ يَدِهِ مِنْ جَيْبِهِ بَيْضَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: آيَةً أُخْرى لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [طه: ٢٢، ٢٤]. ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَادَةً يَعْرِفُ بِهَا كَلَامَ اللَّهِ.
وَاخْتَصَّ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَلَامِ فِي الرُّسُلِ السَّابِقِينَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ برسالتي وبكلامي [الْأَعْرَاف:
١٤٤] وَلَيْسَ الْوَحْيُ إِلَى مُوسَى مُنْحَصِرًا فِي هَذَا النَّوْعِ فَإِنَّهُ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ الْوَحْيَ الْغَالِبَ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَقَدْ حَصَلَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَام لمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَقَدْ
جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ
ثُمَّ ذِكْرَ بَيْعَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالتَّنْوِيهَ بِشَأْنِ مَنْ حَضَرَهَا. وَفَضْحَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهَا مِنَ الْأَعْرَابِ وَلَمْزَهُمْ بِالْجُبْنِ وَالطَّمَعِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَبِالْكَذِبِ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْعَهُمْ مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي غَزْوَة خَيْبَر، وإنبائهم بِأَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ إِلَى جِهَادٍ آخَرَ فَإِنِ اسْتَجَابُوا غُفِرَ لَهُمْ تَخَلُّفَهُمْ عَنِ الْحُدَيْبِيَةِ. ووعد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحٍ آخَرَ يَعْقُبُهُ فَتْحٌ أَعْظَمُ مِنْهُ وَبِفَتْحِ مَكَّةَ.
وَفِيهَا ذِكْرٌ بِفَتْحٍ مِنْ خَيْبَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الْفَتْح: ٢٠].
[١- ٣]
[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : الْآيَات ١ إِلَى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِحرف (إنّ) ناشىء عَلَى مَا أُحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكَآبَةِ عَلَى أَنْ أُجِيبَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى سُؤَالِهِمُ الْهُدْنَةَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَالتَّأْكِيدُ مَصْرُوفٌ لِلسَّامِعِينَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وَأما النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَ وَاثِقًا بِذَلِكَ، وَسَيَأْتِي تَبْيِينُ هَذَا التَّأْكِيدِ قَرِيبًا.
وَالْفَتْحُ: إِزَالَةُ غَلْقِ الْبَابِ أَوِ الْخِزَانَةِ قَالَ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الْأَعْرَاف: ٤٠] وَيُطْلَقُ عَلَى النَّصْرِ وَعَلَى دُخُولِ الْغَازِي بِلَادَ عَدُوِّهِ لِأَنَّ أَرْضَ كُلِّ قَوْمٍ وَبِلَادَهُمْ مُوَاقَعٌ عَنْهَا فَاقْتِحَامُ الْغَازِي إِيَّاهَا بَعْدَ الْحَرْبِ يُشْبِهُ إِزَالَةَ الْغَلْقِ عَنِ الْبَيْتِ أَوِ الْخِزَانَةِ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ إِطْلَاقُ الْفَتْحِ عَلَى النَّصْرِ الْمُقْتَرِنِ بِدُخُولِ أَرْضِ الْمَغْلُوبِ أَوْ بَلَدِهِ وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَى انْتِصَارٍ كَانَتْ نِهَايَتَهُ غَنِيمَةٌ وَأَسْرٌ دُونَ اقْتِحَامِ أَرْضٍ فَيُقَالُ: فَتْحُ خَيْبَرَ وَفَتْحُ مَكَّةَ وَلَا يُقَالُ:
فَتْحُ بَدْرٍ. وَفَتْحُ أُحُدٍ. فَمَنْ أَطْلَقَ الْفَتْحَ عَلَى مُطْلَقِ النَّصْرِ فَقَدْ تَسَامَحَ، وَكَيْفَ وَقَدْ عُطِفَ النَّصْرُ عَلَى الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ فِي سُورَةِ الصَّفِّ [١٣]. وَلَعَلَّ الَّذِي حَدَاهُمْ عَلَى عَدِّ النَّصْرِ مِنْ مَعَانِي مَادَّةِ الْفَتْحِ أَنَّ فَتْحَ الْبِلَادِ هُوَ أَعْظَمُ النَّصْرِ لِأَنَّ النَّصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالْغَلَبَةِ وَبِالْغَنِيمَةِ فَإِذَا كَانَ مَعَ اقْتِحَامِ أَرْضِ الْعَدُوِّ
وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ هَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى لِسَعْيِ النَّاسِ: بَعْضُهُ سَارٌّ لِفَرِيقٍ وَبَعْضُهُ مُحْزِنٌ لِفَرِيقٍ آخَرَ.
وَأَفَادَ ضَمِيرُ الْفَصْلِ قَصْرًا لِصِفَةِ خَلْقِ أَسْبَابِ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِإِبْطَالِ الشَّرِيكِ فِي التَّصَرُّفِ فَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ قَصْرُ إِفْرَادٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَصْرُ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِ الْأَمْرِ قَصْرًا حَقِيقِيًّا لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ أَنَّ الدَّهْرَ مُتَصَرِّفٌ.
وَإِسْنَادُ الْإِضْحَاكِ وَالْإِبْكَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ خَالِقُ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ فِي الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ خَلْقٌ عَجِيبٌ وَلِأَنَّهُ خَالِقُ طَبَائِعِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي تَجْلِبُ أَسْبَابَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ مِنْ سُرُورٍ وَحُزْنٍ.
وَلَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ أَضْحَكَ وَأَبْكى لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الْفِعْلَيْنِ لَا إِلَى مَفْعُولَيْهِمَا فَالْفِعْلَانِ مُنَزَّلَانِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَيْ أَوْجَدَ الضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْغَرَضُ مِنْ إِثْبَاتِ انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ فِي الْإِنْسَانِ بِمَا يَجِدُهُ النَّاسُ فِي أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ خُرُوجِ أَسْبَابِ الضحك والبكاء عَن قُدْرَتِهِمْ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ:
أَضْحَكَ وَأَبْكَى فِي الدُّنْيَا، وَلَا عَلَاقَةَ لِهَذَا بِالْمَسَرَّةِ وَالْحُزْنِ الْحَاصِلَيْنِ فِي الْآخِرَةِ.
وَفِي الِاعْتِبَارِ بِخَلْقِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ إِشَارَةٌ إِلَى دَقَائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحْسِنُ الطِّبَاقِ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَهُمَا ضِدَّانِ.
وَتَقْدِيمُ الضَّحِكِ عَلَى الْبُكَاءِ لِأَنَّ فِيهِ امْتِنَانًا بِزِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْقُدْرَةِ وَحَصَلَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ الْفَاصِلَةِ.
وَمَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي عَطْفِهَا مِثْلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [النَّجْم: ٤٠] فِي الِاحْتِمَالَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا شَمِلَتْهُ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ حِكَايَةً لِقَوْلِهِ: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشُّعَرَاء: ٨٠].
تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ كَقَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ طَعَنَهُ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ: «قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ يَكْثُرَ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَاجُ بِالْمَدِينَةِ»، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ق: ٢٢] تَوْبِيخًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ إِنْكَارٍ لِلْبَعْثِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ [الْقَلَم: ٤٣] وَقَوْلُهُ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الْأَحْزَاب: ٢١].
وَيَتَعَلَّقُ لَكُمْ بِفِعْلِ «كَانَ»، أَوْ هُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ مِنْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَثَلٌ فِي الْيَقِينِ بِاللَّه وَالْغَضَب بِهِ، عَرَفَ ذَلِكَ الْعَرَبُ وَالْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى مِنَ الْأُمَمِ، وَشَاعَ بَيْنَ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْأَرَامِيِّينَ، وَلَعَلَّهُ بَلَغَ إِلَى الْهِنْدِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اسْمَ (برهما) معبود البراهة مِنَ الْهُنُودِ مُحَرَّفٌ عَنِ (اسْمِ إِبْرَاهِيمَ) وَهُوَ احْتِمَالٌ.
وَعُطِفَ وَالَّذِينَ مَعَهُ لِيَتِمَّ التَّمْثِيلُ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أَيْ أَنْ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ تَابِعِينَ لرضى رسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ الَّذِينَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ مَعَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوا هَدْيَهُ وَهُمْ زَوْجُهُ سَارَةُ وَابْنُ أَخِيهِ لُوطٌ وَلَمْ يَكُنْ لِإِبْرَاهِيمَ أَبْنَاءٌ، فَضَمِيرُ إِذْ قالُوا عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ.
وإِذْ ظَرْفُ زَمَانٍ بِمَعْنَى حِينَ، أَيِ الْأُسْوَةُ فِيهِ وَفِيهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.
وَالْمُرَادُ بِالزَّمَنِ: الْأَحْوَالُ الْكَائِنَةُ فِيهِ، وَهُوَ مَا تُبَيِّنُهُ الْجُمْلَةُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا الظَّرْفُ وَهِيَ جُمْلَةُ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ إِلَخْ.
وَالْأِسْوَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا: الْقُدْوَةُ الَّتِي يُقْتَدَى بِهَا فِي فِعْلٍ مَا. فَوُصِفَتْ فِي الْآيَةِ بِ حَسَنَةٌ وَصْفًا لِلْمَدْحِ لِأَنَّ كَوْنَهَا حَسَنَةً قَدْ عُلِمَ مِنْ سِيَاقِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ إِسْوَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِضَمِّهَا. وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ
وَالْمَعْنَى: لَا تُؤْمِنُونَ وَلَا تذكرُونَ، أَي عِنْد مَا تَقُولُونَ هُوَ شَاعِرٌ وَهُوَ مَجْنُونٌ، وَلَا نَظَرَ إِلَى إِيمَانِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٨] قَوْلُهُ: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ.
وَانْتَصَبَ قَلِيلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ أَيْ تُؤْمِنُونَ إِيمَانًا قَلِيلًا، وَتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا.
وَمَا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
قَلِيلًا بِهِ مَا يَحْمَدُنَّكَ وَارِثٌ إِذَا نَالَ مِمَّا كُنْتَ تَجْمَعُ مَغْنَمًا
وَجَمُلَتَا قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ مُعْتَرِضَتَانِ، أَيِ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ، وَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَوْلَ كَاهِنٍ، وَهَذَا الْانْتِفَاءُ لَا يُحَصِّلُ إِيمَانَكُمْ وَلَا تَذَكُّرَكُمْ لِأَنَّكُمْ أَهْلُ عِنَادٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَا تُؤْمِنُونَ، وَمَا تَذَكَّرُونَ كِلَيْهِمَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَقَرَأَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ (وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ) وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى الْالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُمَا مُعْتَرِضَتَيْنِ.
وَأُوثِرَ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ فِي جَانِبِ انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ، وَنَفْيُ التَّذَكُّرِ فِي جَانِبِ انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ كَاهِنٍ، لِأَنَّ نَفْيَ كَوْنِ الْقُرْآنِ قَوْلَ شَاعِرٍ بَدِيهِيٌّ إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الشِّعْرَ مِنِ اتِّزَانِ أَجْزَائِهِ فِي الْمُتَحَرِّكِ وَالسَّاكِنِ وَالتَّقْفِيَةِ الْمُتَمَاثِلَةِ فِي جَمِيعِ أَوَاخِرِ
الْأَجْزَاءِ، فَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُ قَوْلُ شَاعِرٍ بُهْتَانٌ مُتَعَمَّدٌ يُنَادِي عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ كَوْنِ الْقُرْآنِ قَوْلَ كَاهِنٍ فَمُحْتَاجٌ إِلَى أَدْنَى تَأَمُّلٍ إِذْ قد يشبّه فِي بادىء الرَّأْيِ عَلَى السَّامِعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَلَامٌ مَنْثُورٌ مُؤَلَّفٌ عَلَى فَوَاصِلَ وَيُؤَلَّفُ كَلَامُ الْكُهَّانِ عَلَى أَسْجَاعٍ مُثَنَّاةٍ مُتَمَاثِلَةٍ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، فَإِذَا تَأَمَّلَ السَّامِعُ فِيهِ بِأَدْنَى تَفَكُّرٍ فِي نَظْمِهِ وَمَعَانِيهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ، فَنَظَمُهُ مُخَالِفٌ لِنَظْمِ كَلَامِ الْكُهَّانِ إِذْ لَيْسَتْ فَقَرَاتُهُ قَصِيرَةً وَلَا فَوَاصِلُهُ مُزْدَوِجَةً مُلْتَزَمٌ فِيهَا السَّجْعُ، وَمَعَانِيهِ لَيْسَتْ مِنْ مَعَانِي الْكَهَانَةِ الرَّامِيَةِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَمَّا يَحْدُثُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَحْدَاثٍ، أَوْ مَا يُلِمُّ بِقَوْمٍ مِنْ مَصَائِبَ مُتَوَقَّعَةٍ لِيَحْذَرُوهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْآيَةِ مُنْتَفِيًا عَنْهُمُ التَّذَكُّرُ وَالتَّدَبُّرُ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا وَذَاكَ بَطَلَ مُدَعَّاهُمْ فَحَقَّ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا ادَّعَاهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ.
عَلَى الْأَرْضِ فَيَهْلِكُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْعُلْوِيَّةِ فَيُنَاسِبُ تَكْوِيرَ الشَّمْسِ وَانْكِدَارَ النُّجُومِ.
والْوُحُوشُ: جَمْعُ وَحْشٍ وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ غَيْرُ الْمُتَأَنِّسِ بِالنَّاسِ.
وَحَشْرُهَا: جَمْعُهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، أَيْ مَكَانٍ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ اقْتِرَابِ فَنَاءِ الْعَالَمِ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ حَشْرِهَا طُوفَانًا يَغْمُرُ الْأَرْضَ مِنْ فَيَضَانِ الْبِحَارِ فَكُلَّمَا غَمَرَ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَّتْ وُحُوشُهُ حَتَّى تَجْتَمِعَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ طَالِبَةً النَّجَاةَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَيُشْعِرُ بِهَذَا عَطْفُ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُحُوشِ إِيمَاءً إِلَى شِدَّةِ الْهَوْلِ فَالْوُحُوشُ الَّتِي مِنْ طَبْعِهَا نَفْرَةُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ تَتَجَمَّعُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَا يَعْدُو شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ، فَهِيَ ذَاهِلَةٌ عَمَّا فِي طَبْعِهَا مِنَ الِاعْتِدَاءِ وَالِافْتِرَاسِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَشْرَ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ بِهِ
لِلْحِسَابِ بَلْ هَذَا حَشْرٌ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا عُدَّ مَعَهُ مِنَ الْأَشْرَاطِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَتَسْجِيرُ الْبِحَارِ: فَيَضَانُهَا قَالَ تَعَالَى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فِي سُورَةِ الطُّورِ [٦].
وَالْمُرَادُ تَجَاوُزُ مِيَاهِهَا مُعَدَّلَ سُطُوحِهَا وَاخْتِلَاطُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَذَلِكَ مِنْ آثَارِ اخْتِلَالِ قُوَّةِ كُرَةِ الْهَوَاءِ الَّتِي كَانَتْ ضَاغِطَةً عَلَيْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي آيَةِ سُورَةِ الِانْفِطَارِ [٣] : وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ
وَإِذَا حَدَثَ ذَلِكَ اخْتَلَطَ مَاؤُهَا بِرَمْلِهَا فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ.
يُقَالُ: سَجَّرَ مُضَاعَفًا وسجر مخففا. وقرىء بِهِمَا فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ مُشَدَّدًا. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ مُخَفَّفًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ شُرُوعٌ فِي ذِكْرِ الْأَحْوَالِ الْحَاصِلَةِ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدِ انْتُقِلَ إِلَى ذِكْرِهَا لِأَنَّهَا تَحْصُلُ عَقِبَ السِّتَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَابْتُدِئَ بِأَوَّلِهَا وَهُوَ تَزْوِيجُ النُّفُوسِ، وَالتَّزْوِيجُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ كِلَاهُمَا فَرْدًا، وَالتَّزْوِيجُ أَيْضًا: جَعْلُ الْأَشْيَاءِ أَنْوَاعًا مُتَمَاثِلَةً قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرَّعْد: ٣] لِأَنَّ الزَّوْجَ يُطْلَقُ عَلَى النَّوْعِ وَالصِّنْفِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالنُّفُوسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، وَالنَّفْسُ يُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ، قَالَ تَعَالَى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الْفجْر:
٢٧، ٢٨] وَقَالَ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الْأَنْعَام: ٩٣].


الصفحة التالية
Icon