حَاصِلَ كَلَامِهِمْ، وَلِلْعَرَبِ فِي حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ اتِّسَاعٌ مَدَارُهُ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِالْمَعْنَى دُونَ الْتِزَامِ الْأَلْفَاظِ، فَالْإِعْجَازُ الثَّابِتُ لِلْأَقْوَالِ الْمَحْكِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ إِعْجَازٌ لِلْقُرْآنِ لَا لِلْأَقْوَالِ الْمَحْكِيَّةِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حِكَايَةُ الْأَسْمَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقِصَصِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُغَيِّرُهَا إِلَى مَا يُنَاسِبُ حُسْنَ مَوَاقِعِهَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الْفَصَاحَةِ مِثْلَ تَغْيِيرِ شَاوِلَ إِلَى طَالُوتَ، وَتَغْيِيرِ اسْمِ تَارَحَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ إِلَى آزَرَ.
وَكَذَلِكَ التَّمْثِيلُ فَقَدْ كَانَ فِي أَدَبِ الْعَرَبِ الْأَمْثَالُ وَهِيَ حِكَايَةُ أَحْوَالٍ مَرْمُوزٍ لَهَا بِتِلْكَ الْجُمَلِ الْبَلِيغَةِ الَّتِي قِيلَتْ فِيهَا أَوْ قِيلَتْ لَهَا الْمُسَمَّاةِ بِالْأَمْثَالِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْجُمَلُ مُشِيرَةً إِلَى تِلْكَ الْأَحْوَالِ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا تَدَاوَلَتْهَا الْأَلْسُنُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَطَالَ عَلَيْهَا الْأَمَدُ نُسِيَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا وَلَمْ يَبْقَ لِلْأَذْهَانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا إِلَّا الشُّعُورُ بِمَغَازِيهَا الَّتِي تُقَالُ لِأَجْلِهَا.
أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَدْ أَوْضَحَ الْأَمْثَالَ وَأَبْدَعَ تَرْكِيبَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إِبْرَاهِيم: ١٨] وَقَوْلِهِ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الْحَج: ٣١] وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ إِلَى قَوْلِهِ: فَما لَهُ مِنْ
نُورٍ
[النُّور: ٣٩] وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ [الرَّعْد: ١٤].
لَمْ يَلْتَزِمِ الْقُرْآنُ أُسْلُوبًا وَاحِدًا، وَاخْتَلَفَتْ سُوَرُهُ وَتَفَنَّنَتْ، فَتَكَادُ تَكُونُ لِكُلِّ سُورَةٍ لَهْجَةٌ خَاصَّةٌ، فَإِنَّ بَعْضَهَا بُنِيَ عَلَى فَوَاصِلَ وَبَعْضَهَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ فَوَاتِحُهَا مِنْهَا مَا افْتُتِحَ بِالِاحْتِفَالِ كَالْحَمْدِ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَقَرَة: ١٠٤]، والم ذلِكَ الْكِتابُ [الْبَقَرَة: ١، ٢]، وَهِيَ قَرِيبٌ مِمَّا نُعَبِّرُ عَنْهُ فِي صِنَاعَةِ الْإِنْشَاءِ بِالْمُقَدِّمَاتِ. وَمِنْهَا مَا افْتُتِحَ بِالْهُجُومِ عَلَى الْغَرَضِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ نَحْوَ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [مُحَمَّد: ١] وبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التَّوْبَة: ١].
وَمِنْ أَبْدَعِ الْأَسَالِيبِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِيجَازُ وَهُوَ مُتَنَافَسُهُمْ وَغَايَةٌ تَتَبَارَى إِلَيْهَا فُصَحَاؤُهُمْ، وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِأَبْدَعِهِ إِذْ كَانَ- مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيجَازِ الْمُبَيَّنِ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي- فِيهِ إِيجَازٌ عَظِيمٌ آخَرُ وَهُوَ صَلُوحِيَّةُ مُعْظَمِ آيَاتِهِ لِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْهَا مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّهَا تَصْلُحُ لَهَا الْعِبَارَةُ بِاحْتِمَالَاتٍ لَا يُنَافِيهَا اللَّفْظُ، فَبَعْضُ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ مِمَّا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ، وَبَعْضُهَا إِن كَانَ فَرْضٌ وَاحِدٌ مِنْهُ يَمْنَعُ مِنْ فَرْضٍ آخَرَ فَتَحْرِيكُ الْأَذْهَانِ إِلَيْهِ وَإِخْطَارُهُ بِهَا يَكْفِي فِي حُصُولِ الْمَقْصِدِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِهِ لِلِامْتِثَالِ أَوِ الِانْتِهَاءِ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ.
وَهَذَا تَحْدِيدٌ مُنْضَبِطٌ، فَإِنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي تَحَمُّلِ الْجُوعِ وَلِتَفَاوُتِ الْأَمْزِجَةِ فِي مُقَاوَمَتِهِ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُحَدِّدُ الضَّرُورَةَ بِخَشْيَةِ الْهَلَاكِ وَمُرَادُهُمُ الْإِفْضَاءُ إِلَى الْمَوْتِ وَالْمَرَضِ وَإِلَّا فَإِنَّ حَالَةَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهَا الْأَكْلُ، فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ عَنِ الْمُضْطَرِّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ مَنُوطٌ بِحَالَةِ الِاضْطِرَارِ، فَإِذَا تَنَاوَلَ مَا أَزَالَ بِهِ الضَّرُورَةَ فَقَدْ عَادَ التَّحْرِيمُ كَمَا كَانَ، فَالْجَائِعُ يَأْكُلُ مَنْ هَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَكْلًا يُغْنِيهِ عَنِ الْجُوعِ وَإِذَا خَافَ أَنْ تَسْتَمِرَّ بِهِ الْحَاجَةُ كَمَنْ تَوَسَّطَ فَلَاةً فِي سَفَرٍ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ بَعْضِ هَاتِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَتَّفِقُ لَهُ وِجْدَانُهَا مَرَّةً أُخْرَى.
وَمِنْ عَجَبِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَشْبَعُ وَلَا يَتَزَوَّدُ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ فَكَيْفَ يَأْمُرُ الْجَائِعَ بِالْبَقَاءِ عَلَى بَعْضِ جُوعِهِ وَيَأْمُرُ السَّائِرَ بِالْإِلْقَاءِ بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ بِتَفَاسِيرَ أُخْرَى فَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ الْبَاغِي وَالْعَادِي عَلَى الْإِمَامِ لَا عَاصٍ بِسَفَرِهِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ فَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةَ: بِأَنَّ عِصْيَانَهُ بِالسَّفَرِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ وَهِيَ إِتْلَافُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ أَكْلِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ إِلْجَاءٌ مَكِينٌ.
وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِي قِيَاسِهِ عَلَى ضَرُورَةِ الْجُوعِ ضَرُورَةُ التَّدَاوِي، فَقِيلَ لَا يُتَدَاوَى بِهَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا بِشَيْءِ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ كَالْخَمْرِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَسْتَشْكِلُونَهُ لِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَهِيَ حِفْظُ الْحَيَاةِ، وَعِنْدِي أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَحَقُّقَ الْعِلَّةِ فِيهِ مُنْتَفٍ إِذْ لَمْ يَبْلُغِ الْعِلْمُ بِخَصَائِصِ الْأَدْوِيَةِ ظَنَّ نَفْعِهَا كُلِّهَا إِلَّا مَا جُرِّبَ مِنْهَا، وَكَمْ مِنْ أَغْلَاطٍ كَانَتْ لِلْمُتَطَبِّبِينَ فِي خَصَائِصِ الدَّوَاءِ، وَنَقَلَ الْفَخْرُ عَنْ بَعْضِهِمْ إِبَاحَةَ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ قُوَّةُ ظَنِّ الْأَطِبَّاءِ الثِّقَاتِ بِنَفْعِ الدَّوَاءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ مَرَضٍ عَظِيمٍ وَتَعَيُّنِهِ أَوْ غَلَبَ ذَلِكَ فِي التَّجْرِبَةِ فَالْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْمُضْطَرِّ وَإِلَّا فَلَا (١).
وَقَرَأَ بو جَعْفَرٍ: فَمَنِ اضْطُرَّ بِكَسْرِ الطَّاءِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ اضْطُرِرَ بِرَاءَيْنِ أُولَاهُمَا مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا أُرِيدَ إِدْغَامُ الرَّاءِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الطَّاءِ بَعْدَ طَرْحِ حَرَكَةِ الطَّاءِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ الِامْتِنَانُ، أَيْ إِنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ، فَالْمَغْفِرَةُ هُنَا بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ
_________
(١) انْظُر: «حَاشِيَة ابْن عابدين» (٤/ ١١٣، ٢١٥)، «حَاشِيَة الدسوقي» (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، «الْفَوَاكِه الدواني» (٢/ ٤٤١)، «حَوَاشِي الشرواني وَابْن قَاسم على «التُّحْفَة» (٩/ ١٧٠) «قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٠٣)، «كشاف القناع» (٢/ ٧٦، ٦/ ١١٦، ٢٠٠)، «الْإِنْصَاف» (٢/ ٤٦٣، ٤٧٤)، «الْفُرُوع» (٢/ ١٦٥) وَمَا بعْدهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ (١) :

فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وَأَرْهَنْتُهُمْ مَالِكًا
وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَنَّهُ قَالَ لعبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ: أَرْهِنُونِي أَبْنَاءَكُمْ.
وَمَعْنَى فَرِهَانٌ: أَيْ فَرِهَانٌ تُعَوَّضُ بِهَا الْكِتَابَةُ. وَوَصْفُهَا بِمَقْبُوضَةٍ إِمَّا لِمُجَرَّدِ الْكَشْفِ،
لِأَنَّ الرِّهَانَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَقْبُوضَةً، وَإِمَّا لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الرَّهْنِ لِلتَّوْثِقَةِ فِي الدُّيُونِ فِي الْحَضَرِ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْإِذْنِ فِي الرَّهْنِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَلِذَلِكَ إِذَا سَأَلَهُ رَبُّ الدَّيْنِ أُجِيبَ إِلَيْهِ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ تَوْثِقَةٌ فِي الدَّيْنِ.
وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ فِي السَّفَرِ بِصَرِيحِهَا. وَأَمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ فَلِأَنَّ تَعْلِيقَهُ هُنَا عَلَى حَالِ السَّفَرِ لَيْسَ تَعْلِيقًا بِمَعْنَى التَّقْيِيدِ بَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ بِمَعْنَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، إِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّاهِدُ فِي السَّفَرِ، فَلَا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ لِوُرُودِهِ مورد بَيَان حَالَة خَاصَّةٍ لَا لِلِاحْتِرَازِ، وَلَا تُعْتَبَرُ مَفَاهِيمُ الْقُيُودِ إِلَّا إِذَا سِيقَتْ مَسَاقَ الِاحْتِرَازِ، وَلِذَا لَمْ يَعْتَدُّوا بِهَا إِذَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ. وَلَا مَفْهُومَ لَهُ فِي الِانْتِقَالِ عَنِ الشَّهَادَةِ أَيْضًا إِذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الرَّهْنَ مُعَامَلَةٌ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ أُحِيلُوا عَلَيْهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَلَى مَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالتَّنْبِيهِ.
وَقَدْ أَخَذَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، بِظَاهِرِ الْآيَةِ مِنْ تَقْيِيدِ الرَّهْنِ بِحَالِ السَّفَرِ، مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ أَثْبَتَتْ وُقُوعَ الرَّهْنِ مِنَ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمن أَصْحَابه فِي الْحَضَرِ.
وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الرَّهْنِ شَرْعًا، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ النَّاشِئَةِ عَنْ تَرْكِ الْقَبْضِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، فَلَوْ لَمْ يُقَارِنْ عُقْدَةَ الرَّهْنِ قَبْضٌ فَسَدَتِ الْعُقْدَةُ عِنْدَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِدُونِ قَبْضٍ، وَتَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي مُفَادِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ كَقَوْلِِِ
_________
(١) فِي بَاب الْأَدَب من ديوَان الحماسة.
وَقَوْلُهُ: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ إِعْلَامٌ بِتَعْجِيلِ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِمْ لِحُصُولِ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَثَوَابُ الدُّنْيَا هُوَ الْفَتْحُ وَالْغَنِيمَةُ، وَثَوَابُ الْآخِرَةِ هُوَ مَا كتب لَهُم حِينَئِذٍ مِنْ حُسْنِ عَاقِبَةِ الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الثَّوَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى- فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٣]- لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تَذْيِيلٌ أَيْ يُحِبُّ كُلَّ مُحْسِنٍ، وَمَوْقِعُ التَّذْيِيلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُمْ هُمْ مِنَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا، فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ الْمُفِيدِ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَهَذِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ (الْ) الْجِنْسِيَّةَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ أَبْطَلَتْ مِنْهُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، وَأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ الْمُفَادَ مِنْ (الْ) إِذَا كَانَ مَدْخُولُهَا مُفْرَدًا وَجُمْلَة سَوَاء.
[١٤٩، ١٥٠]
[سُورَة آل عمرَان (٣) : الْآيَات ١٤٩ إِلَى ١٥٠]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلِانْتِقَالِ مِنَ التَّوْبِيخِ وَاللَّوْمِ وَالْعِتَابِ إِلَى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنْهُ إِلَى مُعَاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلَى مَا حَصَلَ مِنَ الْهَزِيمَةِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الْحَقَائِقِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمَوَاعِظِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْعِبَرِ التَّارِيخِيَّةِ، مَا لَا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إِحْصَائِهِ.
وَالطَّاعَةُ تُطْلَقُ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ الْآمِرِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَعَلَى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ
الْغَالِبِ، فَيُقَالُ طَاعَتْ قَبِيلَةُ كَذَا وَطَوَّعَ الْجَيْشُ بِلَادَ كَذَا.
والَّذِينَ كَفَرُوا شَائِعٌ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَاللَّفْظُ صَالِحٌ بِالْوَضْعِ لِكُلِّ كَافِرٍ مِنْ مُشْرِكٍ وَكِتَابِيٍّ، مُظْهِرٌ أَوْ مُنَافِقٌ.
وَالرَّدُّ عَلَى الْأَعْقَابِ: الِارْتِدَادُ، وَالِانْقِلَابُ: الرُّجُوعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا عِنْد قَوْله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمرَان: ١٤٤] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ

[سُورَة النِّسَاء (٤) : الْآيَات ٧٤ إِلَى ٧٦]

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
الْفَاءُ: إِمَّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الْأَمْرِ عَلَى الْآخَرِ، أَيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلَى خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا [النِّسَاء: ٧١]، أَوْ هِيَ فَاءٌ فَصِيحَةٌ، أَفْصَحَتْ عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ:
خُذُوا حِذْرَكُمْ وَقَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [٧٢] لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضَى الْأَمْرَ بِأَخْذِ الحذر، وَهُوَ مهيّء لِطَلَبِ الْقِتَالِ وَالْأَمْرِ بِالنَّفِيرِ وَالْإِعْلَامِ بِمَنْ حَالُهُمْ حَالُ الْمُتَرَدِّدِ الْمُتَقَاعِسِ، أَيْ فَإِذَا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فَالَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ لَا كُلُّ أَحَدٍ.
ويَشْرُونَ مَعْنَاهُ يَبِيعُونَ، لِأَنَّ شَرَى مُقَابِلُ اشْتَرَى، مِثْلَ بَاعَ وَابْتَاعَ وَأَكْرَى وَاكْتَرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦]. فَالَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَهَا وَيَرْغَبُونَ فِي حَظِّ الْآخِرَةِ. وَإِسْنَادُ الْقِتَال الْمَأْمُور بِعْ إِلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وَهِيَ: يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ الْمُقَاتِلِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ فِي الصِّلَةِ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الْخَبَرِ، أَيْ يَبْعَثُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهُمْ حَيَاتَهُمُ الدُّنْيَا لِطَلَبِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَفَضِيحَةِ أَمْرِ الْمُبَطِّئِينَ حَتَّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وَحَتَّى يَكْشِفَ الْمُنَافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكَانَ
لَا تُظَنُّ بِهِمْ مُخَالَفَتُهَا، وَهِيَ مُسْتَنِدَةٌ لِلْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَلَهُمْ كِتَابٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْإِلَهِيِّ، فَمنهمْ أَتبَاع (زرادشت)، لَهُمْ كِتَابُ (الزَّنْدَفَسْتَا) وَهَؤُلَاءِ هُمْ مَحَلُّ الْخِلَافِ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ (الْمَانَوِيَّةُ) فَهُمْ إِبَاحِيَّةٌ فَلَا يَخْتَلِفُ حَالُهُمْ عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، أَوْ هُمْ شَرٌّ مِنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ يَعْنِي إِذَا كَانُوا يَتَّقُونَ النَّجَاسَةَ.
وَفِي «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» : أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
قُدُورِ الْمَجُوسِ. فَقَالَ لَهُ: «أَنْقُوهَا غَسْلًا وَاطْبُخُوا فِيهَا».
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَقَالَ لَهُ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا»
. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «فَغَسْلُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ فَرْضٌ، وَغَسْلُ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَدْبٌ». يُرِيدُ لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَدْ عَلِمَ حَالَهُمْ، وَإِنَّمَا يَسْرِي الشَّكُّ إِلَى آنِيَتِهِمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَلَمْ يُبَحْ لَنَا طَعَامُ الْمَجُوسِ، فَذَلِكَ مَنْزَعُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ آنِيَةِ الْفَرِيقَيْنِ.
ثُمَّ الطَّعَامُ الشَّامِلُ لِلذَّكَاةِ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ طَعَامًا لَهُمْ إِذَا كَانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ فِي دِينِهِمْ، وَيَأْكُلُهُ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا ذَكَرَ الْقُرْآنُ أَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ تَأَوَّلُوا فِي دِينِهِمْ تَأْوِيلَاتٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَأَرَى أَنَّ دَلِيلَهُ: أَنَّ الْآيَةَ عَمَّمَتْ طَعَامَهُمْ فَكَانَ عُمُومُهَا دَلِيلًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا حَكَى اللَّهُ أَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَبَاحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ عُمُومُ طَعَامِهِمْ فِي شَرْعِنَا مُبَاحًا نَاسِخًا لِلْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَصِيرُ إِلَى الِاحْتِجَاجِ «بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا... » إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَنَا دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِهِ فِي شَرْعِنَا. وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ مَا عَلِمْنَا تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ بِهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالْمُعْتَمَدُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ شُحُومِ بَقَرِ وَغَنَمِ الْيَهُودِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٦- سُورَةُ الْأَنْعَامِ
لَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ إِلَّا هَذَا الِاسْمُ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ.
وَوَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، تَسْمِيَتُهَا فِي كَلَامِهِمْ سُورَةَ الْأَنْعَامِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالسُّنَّةِ.
وَسُمِّيَتْ سُورَةَ الْأَنْعَامِ لِمَا تَكَرَّرَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْأَنْعَامِ سِتَّ مَرَّاتٍ مِنْ قَوْلِهِ:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً- إِلَى قَوْلِهِ- إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [الْأَنْعَام:
١٣٦- ١٤٤].
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْعَوْفِيُّ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا. وَرُوِيَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الْأَنْعَام: ٥٢] الْآيَةَ نَزَلَ فِي مُدَّةِ حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، أَيْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ الْبِعْثَةِ، فَإِذَا صَحَّ كَانَ ضَابِطًا لِسَنَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سِتَّ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، ثَلَاثًا مِنْ قَوْلِهِ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الْأَنْعَام: ٩١] إِلَى مُنْتَهَى ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَثَلَاثًا مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[الْأَنْعَام: ١٥١، ١٥٢]. وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ آيَةَ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الْأَنْعَام: ١١١] مَدَنِيَّةٌ.
وَقِيلَ نَزَلَتْ آيَةُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ [الْأَنْعَام: ٩٣]
الْآيَةَ بِالْمَدِينَةِ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا الْآتِي. وَقِيلَ: نَزَلَتْ آيَةُ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [الْأَنْعَام: ٢٠] الْآيَةَ، وَآيَةُ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: ٤٧] الْآيَةَ، كِلْتَاهُمَا بِالْمَدِينَةِ بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الْمَائِدَة: ١٤٥] الْآيَةَ أَنَّهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ
وَالْحَصَادُ- بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبِفَتْحِهَا- قَطْعُ الثَّمَرِ وَالْحَبِّ مِنْ أُصُولِهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ الْفِعَالِ أَوِ الْفَعَالِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ «جَاءُوا بِالْمَصَادِرِ حِينَ أَرَادُوا انْتِهَاءَ الزَّمَانِ عَلَى مِثَالِ
فِعَالٍ وَذَلِكَ الصِّرَامُ وَالْجِزَازُ وَالْجِدَادُ وَالْقِطَاعُ وَالْحِصَادُ، وَرُبَّمَا دَخَلَتِ اللُّغَةُ فِي بَعْضِ هَذَا (أَيِ اخْتَلَفَتِ اللُّغَاتُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَبَائِلِ حَصَادٌ- بِفَتْحِ الْحَاءِ- وَقَالَ بَعْضُهُمْ حِصَادٌ- بِكَسْرِ الْحَاءِ-) فَكَانَ فِيهِ فِعَالٌ وَفَعَالٌ فَإِذَا أَرَادُوا الْفِعْلَ عَلَى فَعَلْتَ قَالُوا حَصَدْتُهُ حَصْدًا وَقَطَعْتُهُ قَطْعًا إِنَّمَا تُرِيدُ الْعَمَلَ لَا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ»
.
وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ- بِكَسْرِ الْحَاءِ-.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ- بِفَتْحِ الْحَاءِ-.
وَقَدْ فُرِضَتِ الزَّكَاةُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، لِأَنَّ افْتِرَاضَهَا ضَرُورِيٌّ لِإِقَامَةِ أَوَدِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُسَلِمِينَ وَهُمْ كَثِيرُونَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَدْ نَبَذَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَجَحَدُوا حُقُوقَهُمْ، وَاسْتَبَاحُوا أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَسُدَّ أَهْلُ الْجِدَةِ وَالْقُوَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلَّتَهُمْ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الزَّكَاةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِمَّا نَزَلَ بِمَكَّةَ مِثْلُ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَسُورَةِ الْبَيِّنَةِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، فَالزَّكَاةُ قَرِينَةُ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ: الزَّكَاةُ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ، يَحْمِلُ عَلَى ضَبْطِ مَقَادِيرِهَا بِآيَةِ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التَّوْبَة: ١٠٣] وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، ثُمَّ تَطَرَّقُوا فَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الزَّكَاةَ، لأنّ هَذِه السّورة مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الْآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الْحُلُولِ بِالْمَدِينَةِ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا أَخْذُهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا ضُبِطَتِ الزَّكَاةُ. بِبَيَانِ الْأَنْوَاعِ الْمُزَكَّاةِ وَمِقْدَارِ النُّصُبِ وَالْمُخْرَجِ مِنْهُ، بِالْمَدِينَةِ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ وُجُوبِهَا فِي مَكَّةَ، وَقَدْ حَمَلَهَا مَالِكٌ عَلَى الزَّكَاةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَضْبُوطَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ
أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ هُوَ ضَلَالٌ وَبَاطِلٌ، وَبِذَلِكَ تَقَعُ فِي نُفُوسِهِمْ كَرَاهِيَةُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُ الضَّلَالَ وَالْبَاطِلَ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ، وَلِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ عَاقِبَةَ ذَلِك كَانَت مجلية الْعِقَابِ لَهُمْ فَيَزْدَادُونَ بِذَلِكَ كَرَاهِيَةً لِدِينِهِمْ، فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ فَرَأَوْا الْأُمَمَ الَّتِي أُدْخِلَتِ النَّارَ قَبْلَهُمْ عَلِمُوا، بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ، أَنَّهُمْ أُدْخِلُوا النَّارَ بِذَلِكَ السَّبَبِ فَلَعَنُوهُمْ لِكَرَاهِيَةِ دِينِهِمْ وَمَنِ اتَّبَعُوهُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأُخْتِهَا أَسْلَافُهَا الَّذِينَ أَضَلُّوهَا.
وَأَفَادَتْ كُلَّما لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّوْقِيتِ: أَنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَقَعُ عِنْدَ دُخُولِ الْأُمَّةِ النَّارَ، فَيَتَعَيَّنُ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ أُخْتَهَا السَّابِقَةَ إِيَّاهَا فِي الدُّخُولِ فِي النَّارِ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ النَّارَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ لَا تَلْعَنُ أُخْتَهَا، وَيُعْلَمُ أَنَّهَا تَلْعَنُ مَنْ يَدْخُلُ بَعْدَهَا الثَّانِيَةَ، وَمَنْ بَعْدَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ تَرُدُّ اللَّعْنَ عَلَى كُلِّ أُخْتٍ لَاعِنَةٍ. وَالْمَعْنَى:
كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَعَنَتْ أُخْتَها.
وَ (حَتَّى) فِي قَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا ابْتِدَائِيَّةٌ، فَهِيَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ أَنَّ (حَتَّى) الِابْتِدَائِيَّةَ تُفِيدُ مَعْنَى التَّسَبُّبِ، أَيْ تَسَبُّبِ مَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا فِي مَضْمُونِ مَا بَعْدَهَا، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَرَتِّبَةً فِي الْمَعْنَى عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ إِلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَرَتِّبَةً عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها.
وادَّارَكُوا أَصْلُهُ تَدَارَكُوا فَقُلِبَتِ التَّاءُ دَالًّا لِيَتَأَتَّى إِدْغَامُهَا فِي الدَّالِ لِلتَّخْفِيفِ، وَسُكِّنَتْ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكَيْنِ، لِثِقَلٍ وَاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِأَجْلِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ، وَهَذَا قَلْبٌ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحْسَنٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ قَلْبِ التَّاءِ فِي ادَّانَ وَازْدَادَ وَادَّكَرَ: وَمَعْنَاهُ: أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصِيغَ مِنَ الْإِدْرَاكِ وَزْنُ التَّفَاعُلِ، وَالْمَعْنَى:
تَلَاحَقُوا وَاجْتَمَعُوا فِي النَّارِ. وَقَوْلُهُ: جَمِيعاً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ ادَّارَكُوا لِتَحْقِيقِ اسْتِيعَابِ الِاجْتِمَاعِ، أَيْ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَتْ أُمَمُ الضَّلَالِ كُلُّهَا.
وَحَرْفُ (ثُمَّ) هَنَا مُفِيدٌ لِلتَّرَاخِي، وَذَلِكَ إِلْجَاءٌ إِلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ مَمْلُوءٍ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِها تَأْكِيدٌ لِمُفَادِ الْمُهْلَةِ الَّتِي أَفَادَهَا حَرْفُ (ثُمَّ) وَهَذَا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ إِنْ آمَنُوا يُغْفَرْ لَهُمْ وَلَوْ طَالَ أَمَدُ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ.
وَعُطِفَ الْإِيمَانُ عَلَى التَّوْبَةِ، مَعَ أَنَّ التَّوْبَةَ تَشْمَلُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِيمَانَ تَوْبَةٌ مِنَ الْكُفْرِ، إِمَّا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ الِاعْتِدَادِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ:
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَد: ١٢- ١٧].
وَلِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْإِشْرَاكَ لِخُطُورَتِهِ لَا تُنْجِي مِنْهُ التَّوْبَةُ.
وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِيمَانِ إِيمَانٌ خَاصٌّ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِإِخْلَاصٍ، فَيَشْمَلُ عَمَلَ الْوَاجِبَاتِ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ رَبَّكَ لمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَظْهَرِ، أَوْ لِمُوسَى عَلَى جَعْلِ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مَقُولًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى.
وَفِي تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ تَوَسُّلٌ إِلَى تَشْرِيفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي ذِكْرِ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنَا تَمْهِيدٌ لِوَصْفِ الرَّحْمَةِ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِإِنَّ وَلَامِ التَّوْكِيدِ وَصِيغَتَيِ الْمُبَالغَة فِي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِهِ تَرْغِيبٌ لِلْعُصَاةِ فِي التَّوْبَةِ، وَطَرْدًا لِلْقُنُوطِ مِنْ نُفُوسِهِمْ، وَإِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهُمْ، فَلَا يَحْسَبُوا تَحْدِيدَ التَّوْبَةِ بِحَدٍّ إِذَا تَجَاوَزَتْهُ الذُّنُوبُ بِالْكَثْرَةِ أَوِ الْعِظَمِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ تَوْبَةٌ.
وَضَمِيرُ: مِنْ بَعْدِها الثَّانِي مُبَالَغَةٌ فِي الِامْتِنَانِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بَعْدَ التَّمَلِّي مِنَ السَّيِّئَاتِ.
وَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّيَاقِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُمْ. أَوْ لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً وَتَابَ مِنْهَا.
[١٥٤]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ١٥٤]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
نَظْمُ هَذَا الْكَلَامِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [الْأَعْرَاف: ١٤٩] وَقَوْلِهِ:
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ [الْأَعْرَاف: ١٥٠]، أَيْ: ثُمَّ سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْهُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ.
الَّذِينَ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى دَخِيلَةِ الْأَمْرِ، فَلَعَلَّ بَعْضَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَتَعَجَّبُ مِنْ هَذِهِ الْبَرَاءَةِ، وَيَسْأَلُ عَنْ سَبَبِهَا، وَكَيْفَ أُنْهِيَتِ الْعُهُودُ وَأُعْلِنْتِ الْحَرْبُ، فَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ بَيَانِ سَبَبِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَمْرَانِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ الْعَقَائِدِ، وَسَبْقُ الْغَدْرِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ بِ كَيْفَ: إِنْكَارِيٌّ إِنْكَارًا لِحَالَةِ كِيَانِ الْعَهْدِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيْ دَوَامُ الْعَهْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ الَّذِينَ عَاهَدُوهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا بَعْدَهُ فَفِعْلَ يَكُونُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الدَّوَامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [النِّسَاء: ١٣٦] كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إِنْكَارًا عَلَى وُقُوعِ الْعَهْدِ، فَإِنَّ الْعَهْدَ قَدِ انْعَقَدَ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الْفَتْح: ١] وسمّي رضى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ يَوْمَئِذٍ سَكِينَةً فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [الْفَتْح: ٤].
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّأْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَكُمْ عَهْدٌ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ، لِلْبَوْنِ الْعَظِيمِ بَيْنَ دِينِ التَّوْحِيدِ وَدِينِ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفَاقُ أَهْلَيْهِمَا، أَيْ فَمَا كَانَ الْعَهْدُ الْمُنْعَقِدُ مَعَهُمْ إِلَّا أَمْرًا مُوَقَّتًا بِمَصْلَحَةٍ. فَفِي وَصْفِهِمْ بِالْمُشْرِكِينَ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الْإِنْكَارِ عَلَى دَوَامِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ.
وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا فَسَّرْنَا بِهِ وَجْهَ إِضَافَةِ الْبَرَاءَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِسْنَادَ الْعَهْدِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ [التَّوْبَة: ١].
وَمَعْنَى عِنْدَ الِاسْتِقْرَارُ الْمَجَازِيُّ، بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ إِنَّمَا هُوَ عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عَاهَدُوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، إِذْ أَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ وَالرِّجَالِ عَلَى خُزَاعَةَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ دَاخِلَةً فِي عَهْدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ التَّجْهِيزِ لِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَاسْتِثْنَاءُ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الِاسْتِفْهَامُ بِ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، أَيْ لَا يَكُونُ عَهْدُ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَالَّذِينَ عَاهَدُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: هُمْ بَنُو ضَمْرَةَ، وَبَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ الدِّيلِ، مِنْ كِنَانَةَ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ كِنَانَةَ.
جَاءَ بِهِ كَذَلِكَ لَكَانَ لَهُ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ حِينِ نَشْأَتِهِ مَا هُوَ تَهْيِئَةٌ لِهَذِهِ الْغَايَةِ وَكَانَ التَّخَلُّقُ بِذَلِكَ أَطْوَارًا وَتَدَرُّجًا.
فَلَا جَرَمَ دَلَّ عَدَمُ تَشَابُهِ الْحَالَيْنِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَالَ الْأَخِيرَ حَالٌ رَبَّانِيٌّ مَحْضٌ، وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُوحًى إِلَيْهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ بِذَاتِهِ عَمَلٌ فِيهِ.
فَمَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ دَلِيلًا عَلَى الْمُشْركين وإبطالا لَا دُعَائِهِمْ إِلَّا لِمَا بُنِيَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَكَانَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ هُوَ مَنَاطُهُ، ثُمَّ لَمَّا فَرَّعَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ إِذْ كَانَ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَلَوْلَا ذَانِكَ الْأَمْرَانِ لَعَادَ الِاسْتِدْلَالُ مُصَادَرَةً، أَيِ اسْتِدْلَالًا بِعَيْنِ الدَّعْوَى لِأَنَّهُمْ يَنْهَضُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا حِينَئِذٍ: مَا أَرْسَلَكَ اللَّهُ إِلَيْنَا وَقَدْ شَاءَ أَنْ لَا يُرْسِلَكَ إِلَيْنَا وَلَكِنَّكَ تَقَوَّلْتَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ.
فَهَذَا بَيَانُ انْتِظَامِ هَذَا الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ آلَ الدَّلِيلُ بِهَذَا الْوَجْهِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ بِمُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَالْأُمِّيَّةِ. وَلِكَلِمَةِ تَلَوْتُهُ هُنَا مِنَ الْوَقْعِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَالِيًا كَلَامًا، وَمَتْلُوًّا، وَبَاعِثًا بِذَلِكَ الْمَتْلُوِّ.
فَبِالْأَوَّلِ: تُشِيرُ إِلَى مُعْجِزَةِ الْمَقْدِرَةِ عَلَى تِلَاوَةِ الْكِتَابِ مَعَ تَحَقُّقِ الْأُمِّيَّةِ لِأَنَّ أُسْلُوبَ الْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ غَيْرُ الْأُسْلُوبِ الَّذِي عَرَفَهُ الْعَرَبُ مِنْ شُعَرَائِهِمْ وَخُطَبَائِهِمْ.
وَبِالثَّانِي: تُشِيرُ إِلَى الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ الْآتِي بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْإِرْشَادِ الدِّينِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ شَأْنِ أَنْبِيَاءِ الْأَدْيَانِ وَعُلَمَائِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت: ٤٨، ٤٩].
وَبِالثَّالِثِ: تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَانْتَظَمَتْ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ دَلَالَةُ صِدْقِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِسَالَتِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالتِّلَاوَةُ: قِرَاءَةُ الْمَكْتُوبِ أَوِ اسْتِعْرَاضُ الْمَحْفُوظِ، فَهِيَ مُشْعِرَةٌ بِإِبْلَاغِ كَلَامٍ مِنْ غَيْرِ الْمُبَلِّغِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢]، وَعِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٢].
وَزَادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ وَهِيَ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِكَمَالِ الِاتِّصَالِ، وَكَأَنَّهَا كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً فِي أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْرَاهُمْ.
وَجُمْلَةُ هَذَا بَعْلِي مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى هَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ بَعْلِي، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ كَمَا تَرَى. وَانْتَصَبَ شَيْخاً عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْإِشَارَةِ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ- بِرَفْعِ شَيْخٍ- عَلَى أَنَّ (بَعْلِي) بَيَانٌ مِنْ (هَذَا) وَ (شَيْخٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ.
وَقَدْ جَرَتْ عَلَى هَذِه الْقِرَاءَة النادرة لَطِيفَةٌ وَهِيَ: مَا أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ الْجَلِيل سَالم أَبُو حَاجِبٍ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الْأَعْيَانِ فِي بَغْدَادَ إِلَى مَأْدُبَةٍ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ غَنَّتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتَارِ جَارِيَةٌ لِرَبِّ الْمَنْزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وَقَالُوا لَهَا هَذَا حَبِيبُكِ مُعْرِضٌ... فَقَالَتْ: أَلَا إِعْرَاضُهُ أَهْوَنُ الْخَطْبِ
فَمَا هِيَ إِلَّا نَظْرَةٌ وَابْتِسَامَةٌ فَتَصْطَكُّ رِجْلَاهُ وَيَسْقُطُ لِلْجَنْبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَنْ بِالْمَجْلِسِ إِلَّا أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَنْزِلِ: مَا لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذَا؟.
فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ فِي أَنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ- بِالرَّفْعِ- وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ «وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ» فَطَرِبَ الْمُبَرِّدُ لِهَذَا الْجَوَابِ (١).
وَجَوَابُ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهَا بِجُمْلَةِ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنْكَارٌ لِتَعَجُّبِهَا لِأَنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرَادٌ مِنْهُ الِاسْتِبْعَادُ. وأَمْرِ اللَّهِ هُوَ أَمْرُ التَّكْوِينِ، أَيْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ
_________
(١) رَأَيْت هَذِه النادرة فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب «الْكِنَايَات» لأبي الْعَبَّاس الْجِرْجَانِيّ طبع السَّعَادَة بِالْقَاهِرَةِ سنة ١٣٢٦ واحسبها دخيلة فِيهِ.
لِمَا فِيهِ مِنْ خَفِيِّ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَلِأَنَّهُ تَمَامُ التَّمْثِيلِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الزَّبَدُ جُفَاءً وَمَكَثَ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ.
وَالْجُفَاءُ: الطَّرِيحُ الْمَرْمِيُّ، وَهَذَا وَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَبِيدُونَ بِالْقَتْلِ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ.
وَعُبِّرَ عَنِ الْمَاءِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْبَقَاءُ فِي الْأَرْضِ تَعْرِيضًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَعْرِضُوا أَحْوَالَهُمْ عَلَى مَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلَةِ لِيَعْلَمُوا أَنهم لَيْسُوا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَهَذِهِ الصِّلَةُ مُوَازِنَةٌ لِلْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ١٠٥].
وَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ وَجْهِ شَبَهِ النَّافِعِ بِالْمَاءِ وَغَيْرِ النَّافِعِ بِالزَّبَدِ عَنْ ذِكْرِ وَجْهِ شَبَهِ النَّافِعِ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَغَيْرِ النَّافِعِ بِزَبَدِهِمَا اسْتِغْنَاءً عَنْهُ.
وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ لِمَا فِي لَفْظِ الْأَمْثالَ مِنَ الْعُمُومِ. فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ جُمْلَةِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ لِدَلَالَتِهَا عَلَى صِنْفٍ مِنَ الْمَثَلِ دُونَ جَمِيعِ أَصْنَافِهِ فَلَمَّا أُعْقِبَ بِمَثَلٍ آخَرَ وَهُوَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً جِيءَ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى الْفَائِدَةِ الْعَامَّةِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَحَصَلَ أَيْضًا تَوْكِيدُ جُمْلَةِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ لِأَنَّ الْعَامَّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْخَاصُّ.
فَإِشَارَةُ كَذلِكَ إِلَى التَّمْثِيلِ السَّابِقِ فِي جُمْلَةِ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً أَيْ مَثَلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ الْبَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّذْيِيلِ.
وَالْإِشَارَةُ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الْمَثَلِ وَتَنْبِيهِ الْأَفْهَامِ إِلَى حِكْمَتِهِ وَحِكْمَةِ التَّمْثِيلِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ، وَمَا جَمَعَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالْكِنَايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ، وَإِلَى بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ، وَذَلِكَ تَبْهِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّ جُمْلَةَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً لَمْ يُؤْتَ بِهَا لِمُجَرَّدِ تَشْخِيصِ دَقَائِقِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالصُّنْعِ الْبَدِيعِ بَلْ وَلِضَرْبِ الْمثل، فَيعلم لممثّل لَهُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ
هَذَيْنِ بِالْإِلْقَاءِ بَيِّنًا. وَإِطْلَاقُهُ عَلَى وَضْعِ السُّبُلِ وَالْعَلَامَاتِ تَغْلِيبٌ. وَمِنْ إِطْلَاقِ الْإِلْقَاءِ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَنَحْوِهِ قَوْله تَعَالَى: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [سُورَة الْقَمَر: ٢٥].
ورَواسِيَ جَمْعُ رَاسٍ. وَهُوَ وَصْفٌ مِنَ الرَّسْوِ- بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ-.
وَيُقَالُ- بِضَمِّ الرَّاءِ وَالسِّينِ مُشَدَّدَةً وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ-. وَهُوَ الثَّبَاتُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الْمَكَانِ، قَالَ تَعَالَى: وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سُورَة سبأ: ١٣].
وَيُطْلَقُ عَلَى الْجَبَلِ رَاسٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ الْغَالِبِ. وَجَمْعُهُ عَلَى زِنَةِ فَوَاعِلَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَهُوَ مِنَ النَّوَادِرِ مِثْلُ عَوَاذِلَ وَفَوَارِسَ. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الرَّعْدِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ تَعْلِيلٌ لِإِلْقَاءِ الرَّوَاسِي فِي الْأَرْضِ. وَالْمَيْدُ:
الِاضْطِرَابُ. وَضَمِيرُ تَمِيدَ عَائِدٌ إِلَى الْأَرْضِ بِقَرِينَةِ قَرْنِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بِكُمْ، لِأَنَّ الْمَيْدَ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ عُلِمَ أَنَّ الْمَجْرُورَ بِالْبَاءِ هُوَ الشَّيْءُ الْمُسْتَقِرُّ فِي الظَّرْفِ الْمَائِدِ، وَالِاضْطِرَابُ يُعَطِّلُ مَصَالِحَ النَّاسِ وَيُلْحِقُ بِهِمْ آلَامًا.
وَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ امْتِنَانٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُعَلَّلَ بِهِ هُوَ انْتِفَاءُ الْمَيْدِ لَا وُقُوعُهُ. فَالْكَلَامُ جَارٍ عَلَى حَذْفٍ تَقْتَضِيهِ الْقَرِينَةُ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
فَعَجَّلْنَا الْقِرَى أَنْ تَشْتُمُونَا أَرَادَ أَنْ لَا تَشْتُمُونَا. فَالْعِلَّةُ هِيَ انْتِفَاءُ الشَّتْمِ لَا وُقُوعُهُ. وَنُحَاةُ الْكُوفَةِ يُخَرِّجُونَ أَمْثَالَ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ أَنْ. وَالتَّقْدِيرُ: لِأَنْ لَا تَمِيدَ بِكُمْ وَلِئَلَّا تَشْتُمُونَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَنُحَاةُ الْبَصْرَةِ يُخَرِّجُونَ مِثْلَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ بَيْنَ الْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ وأَنْ.
تَقْدِيرُهُ: كَرَاهِيَةَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ مَعْنًى غَامِضٌ. وَلَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ نُتُوءَ الْجِبَالِ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ مُعَدَّلًا لِكُرَوِيَّتِهَا بِحَيْثُ لَا تَكُونُ بِحَدٍّ مِنَ الْمَلَاسَةِ يُخَفِّفُ حَرَكَتَهَا فِي الْفَضَاءِ تَخْفِيفًا يُوجِبُ شِدَّةَ اضْطِرَابِهَا.
وَوَقَعَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فِي إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ دُونَ: إِذْ يَقُولُونَ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ بَاعِثَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هُوَ الظُّلْمُ، أَيِ الشِّرْكُ فَإِنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، أَيْ وَلَوْلَا شِرْكُهُمْ لَمَا مَثَّلَ عَاقِلٌ حَالَةَ النَّبِيءِ الْكَامِلَةَ بِحَالَةِ الْمَسْحُورِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الظُّلْمُ أَيْضًا الِاعْتِدَاءَ، أَيِ الِاعْتِدَاءَ على النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذبا.
[٤٨]
[سُورَة الْإِسْرَاء (١٧) : آيَة ٤٨]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨)
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَنَظَائِرُهَا كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ النَّظَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْوُضُوحِ أَنْ يَكُونَ مَنْظُورًا.
وَالِاسْتِفْهَامُ بِ (كَيْفَ) لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالَةِ تمثيلهم للنبيء- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام- بِالْمَسْحُورِ وَنَحْوِهِ.
وَأَصْلُ (ضَرَبَ) وَضْعُ الشَّيْءِ وَتَثْبِيتُهُ يُقَالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، وَيُطْلَقُ عَلَى صَوْغِ الشَّيْءِ عَلَى حَجْمٍ مَخْصُوصٍ، يُقَالُ: ضَرَبَ دَنَانِيرَ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِبْرَازِ وَالْبَيَانِ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الْمُبْرَزِ الْمُبَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمُثْبَتِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا فِي [الْبَقَرَةِ: ٢٦].
وَاللَّامُ فِي لَكَ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ، أَيْ ضَرَبُوا الْأَمْثَالَ لِأَجْلِكَ، أَيْ لِأَجْلِ تَمْثِيلِكَ، أَيْ مَثَّلُوكَ. يُقَالُ: ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا بِكَذَا. وَأَصْلُهُ مَثَّلْتُكَ بِكَذَا، أَيْ أَجِدُ كَذَا مَثَلًا لَكَ، قَالَ تَعَالَى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
[النَّحْل: ٧٤] وَقَالَ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [يس: ١٣] أَيِ اجْعَلْهُمْ مَثَلًا لِحَالِهِمْ.
وَجَمَعَ الْأَمْثالَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِالْمَسْحُورِ، وَهُوَ مَثَلٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعْجِيبُ

[سُورَة مَرْيَم (١٩) : الْآيَات ٤٧ إِلَى ٤٨]

قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)
سَلَامٌ عَلَيْكَ سَلام توديع ومتاركة. وَبَادَرَهُ بِهِ قَبْلَ الْكَلَامِ الَّذِي أَعْقَبَهُ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَسُوءُهُ ذَلِكَ الْهَجْرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَرْضَاتِهِ.
وَمِنْ حِلْمِ إِبْرَاهِيمَ أَن كَانَت متكارته أَبَاهُ مثوبة بِالْإِحْسَانِ فِي مُعَامَلَتِهِ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ.
وَالسَّلَام: السَّلامَة. و (على) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ التَّمَكُّنُ. وَهَذِهِ كَلِمَةُ تَحِيَّةٍ وَإِكْرَامٍ، وَتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
[مَرْيَم: ١٥].
وَأَظْهَرَ حِرْصَهُ عَلَى هُدَاهُ فَقَالَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ لَكَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ هَذَا الْكُفْرِ، بِأَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَيَغْفِرَ لَهُ الشِّرْكَ الْمَاضِيَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ تَلَقَّى نَهْيًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التَّوْبَة: ١١٤]. وَاسْتِغْفَارُهُ لَهُ هُوَ الْمَحْكِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشُّعَرَاء: ٨٦].
وَجُمْلَة سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ، وَعَلَّامَةُ الِاسْتِقْبَالِ وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مُؤْذِنَانِ بِأَنَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِغْفَارَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا تَعْلِيلٌ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ الْوَعْدُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْ رَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ اسْتِجَابَةً لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ لِلتَّوْحِيدِ وَنَبْذِ الْإِشْرَاكِ.
حَرَاشِفَ مِنَ الْحَدِيدِ، فَكَانَتْ تَثْقُلُ عَلَى الْكُمَاةِ إِذَا لَبِسُوهَا فألهم الله دَاوُود صُنْعَ دُرُوعِ الْحَلَقِ الدَّقِيقَةِ فَهِيَ أَخَفُّ مَحْمَلًا وَأَحْسَنُ وِقَايَةً.
وَفِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ صَمْوِيلَ الْأَوَّلِ أَنَّ جَالُوتَ الْفِلَسْطِينِيَّ خرج لمبارزة دَاوُود لَابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا، فَكَانَتِ الدُّرُوعُ الْحَرْشَفِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةً فِي وَقت شباب دَاوُود فَاسْتَعْمَلَ الْعَرَبُ دُرُوعَ السَّرْدِ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلَقَدْ أَجَادَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وَصْفَهَا بِقَوْلِهِ:
شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ من نسج دَاوُود فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ (١)
وَكَانَتِ الدُّرُوعُ التُّبَّعِيَّةُ مَشْهُورَةً عِنْدَ الْعَرَبِ فَلَعَلَّ تُبَّعًا اقْتَبَسَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل بعد دَاوُود أَوْ لَعَلَّ الدُّرُوعَ التُّبَّعِيَّةَ كَانَتْ مِنْ ذَاتِ الْحَرَاشِفِ، وَقَدْ جَمَعَهَا النَّابِغَةُ بِقَوْلِهِ:
وَكُلُّ صَمُوتٍ نِثْلَةٌ تُبَّعِيَّةٌ وَنَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصَاءَ ذَائِلِ
أَرَادَ بِسُلَيْمٍ تَرْخِيمَ سُلَيْمَانَ، يَعْنِي سُلَيْمَان بن دَاوُود، فَنَسَبَ عَمَلَ أَبِيهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُدَّخِرًا لَهَا.
واللبوس- بِفَتْحِ اللَّامِ- أَصْلُهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ فَهُوَ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. وَغَلَبَ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَا يُلْبَسُ مِنْ لَامَةِ الْحَرْبِ مِنَ الْحَدِيدِ، وَهُوَ الدِّرْعُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الدِّرْعِ لِبَاسٌ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَبُوسٌ كَمَا يُطْلَقُ لَبُوسٌ عَلَى الثِّيَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
اللَّبُوسُ فِي اللُّغَةِ السِّلَاحُ فَمِنْهُ الرُّمْحُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ.
وَمَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأَنَّهُ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعَاجٍ مُجْفِلِ (٢)
_________
(١) القفعاء: بقاف ففاء فعين: بزْرَة صحراء نبت ينبسط على وَجه الأَرْض يشبه حلق الدروع.
(٢) البئيس: الشجاع، وَذُو النعاج: الثور الوحشي مَعَه نعاجه أَي إناثه فَهُوَ مجفل من الصَّائِد.
(٩٨)
الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ مُوَالِيًا لِلْمَعْطُوفِ هُوَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦] فَلَمَّا أَمَرَ الله رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَوِّضَ جَزَاءَهُمْ إِلَى رَبِّهِ أَمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ حَيْلُولَةِ الشَّيَاطِينِ دُونَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَيِ التَّعَوُّذُ مِنْ تَحْرِيكِ الشَّيْطَانِ دَاعِيَةَ الْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ فِي نفس النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ الشَّياطِينِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ. وَالْمُرَادُ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ:
تَصَرُّفَاتِهِمْ بِتَحْرِيكِ الْقُوَى الَّتِي فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ (أَيْ فِي غَيْرِ أُمُورِ التَّبْلِيغِ) مِثْلَ تَحْرِيكِ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ كَمَا تَأَوَّلَ الْغَزَالِيُّ
فِي قَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ «وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ»
. وَيَكُونُ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ مُقْتَضِيًا تَكَفُّلَ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْتِجَابَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [الْبَقَرَة: ٢٨٦]، أَوْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ مُرَادًا بِهِ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهُمْ. قَالَ فِي «الشِّفَاءِ» : الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ (أَيْ مُجَمَّعَةٌ) عَلَى عصمَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّيْطَانِ لَا فِي جِسْمِهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَلَا عَلَى خَاطِرِهِ بِالْوَسَاوِسِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٣] بِأَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ بِطَلَبِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَذَاهُمْ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الشَّيَاطِينِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نبيء عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الْأَنْعَام: ١١٢] وَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إِلَى قَوْلِهِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [النَّاس: ١- ٦] فَيَكُونُ الْمُرَادُ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أَوْ مِنْ
هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ مِنْهُمْ.
وَالْهَمْزُ حَقِيقَتُهُ: الضَّغْطُ بِالْيَدِ وَالطَّعْنُ بِالْإِصْبَعِ وَنَحْوُهُ، وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا بِمَعْنَى الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [الْقَلَم: ١١] وَقَوْلُهُ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الْهمزَة: ١].
هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَضَمِيرُ (بَيْنَهُمَا) لِلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، أَيْ مَا يَقَعُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَأَمَّا مَا بَيْنَ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ فَالضُّحَى وَالزَّوَالُ وَالْعَصْرُ وَالِاصْفِرَارُ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْغُرُوبِ وَالشُّرُوقِ فَالشَّفَقُ وَالْفَجْرُ وَالْإِسْفَارُ كُلُّهَا دَلَائِلُ عَلَى تَكْوِينِ ذَلِكَ النِّظَامِ الْعَجِيبِ الْمُتْقَنِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِرَبِّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مَالِكُ الْجِهَتَيْنِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُفِيتُ مُنَاسَبَةَ الْكَلَامِ لِمَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ بِعَظِيمٍ وَلَا يُلَاقِي التَّذْيِيلَ الْوَاقِعَ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
وَتَانِكَ الْجِهَتَانِ هُمَا مُنْتَهَى الْأَرْضِ الْمَعْرُوفَةِ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: رَبُّ طَرَفَيِ الْأَرْضِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ جَمِيعِ الْأَرْضِ مِلْكًا لِلَّهِ. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ عُرْفِيٌّ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ يَوْمَئِذٍ مَلِكًا يَمْلِكُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَا كَانَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ الْمُؤَلَّهِ عِنْدَهُمْ إِلَّا لِبِلَادِ مِصْرَ وَالسُّودَانِ.
وَالتَّذْيِيلُ بِجُمْلَةِ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تَنْبِيهٌ لِنَظَرِهِمُ الْعَقْلِيِّ لِيُعَاوِدُوا النَّظَرَ فَيُدْرِكُوا وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تُعْمِلُونَ عُقُولَكُمْ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ جَعْلُ ذَلِكَ مُقَابِلَ قَوْلِ فِرْعَوْن: إِنْ رَسُولَكُمْ لَمَجْنُونٌ، لِأَنَّ الْجُنُونَ يُقَابِلُهُ الْعَقْلُ فَكَانَ مُوسَى يَقُولُ لَهُمْ قَوْلًا لَيِّنًا ابْتِدَاءً، فَلَمَّا رَأَى مِنْهُمُ الْمُكَابَرَةَ وَوَصَفُوهُ بِالْجُنُونِ خَاشَنَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَعَارَضَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشُّعَرَاء: ٢٧] فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَيْ إِنْ كُنْتُمْ أَنْتُمُ
الْعُقَلَاءَ، أَيْ فَلَا تَكُونُوا أَنْتُمُ الْمَجَانِينَ، وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ لِلَّذَيْنِ قَالَا لَهُ: «لِمَ تَقُولُ مَا لَا يُفْهَمُ» قَالَ: «لِمَ لَا تَفْهَمَانِ مَا يُقَال».
[٢٩]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : آيَة ٢٩]
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)
لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ لِحِجَاجِهِ نَجَاحًا وَرَأَى شِدَّةَ شَكِيمَةِ مُوسَى فِي الْحَقِّ عَدَلَ عَنِ الْحِجَاجِ إِلَى التَّخْوِيفِ لِيَقْطَعَ دَعْوَةَ مُوسَى مِنْ أَصْلِهَا. وَهَذَا شَأْنُ مَنْ قَهَرَتْهُ الْحُجَّةُ، وَفِيهِ كِبْرِيَاءُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنِ الْجَدَلِ إِلَى التَّهْدِيدِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً مُوطِّئَةٌ لِلْقَسْمِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ فِرْعَوْنَ أَكَّدَ وَعِيدَهُ بِمَا يُسَاوِي الْيَمِينَ الْمُجْمَلَةَ الَّتِي تُؤْذِنُ بِهَا اللَّامُ الْمُوَطِّئَةُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَأَنْ
تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٥] قَوْلُهُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ وَفِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٢٢] قَوْلُهُ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ وَقَوله وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْد: ٤٢].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَكُونُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَصْلِ تَأْنِيثِ لَفْظِ عاقِبَةُ الدَّارِ وَقَرَأَ
حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى الْخِيَارِ فِي فِعْلِ الْفَاعِلِ الْمَجَازِيِّ التَّأْنِيثِ.
وَأَيَّدَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِجُمْلَةِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، دَلَالَةً عَلَى ثِقَتِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَذَلِكَ يَفُتُّ مِنْ أَعَضَادِهِمْ، وَيُلْقِي رُعْبَ الشَّكِّ فِي النَّجَاةِ فِي قُلُوبِهِمْ. وَضَمِيرُ إِنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهُ ذَاتُ مَعْنًى لَهُ شَأْن وخطر.
[٣٨]
[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٨]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)
كَلَامُ فِرْعَوْنَ الْمَحْكِيُّ هُنَا وَاقِعٌ فِي مَقَامٍ غَيْرِ مُقَامِ الْمُحَاوَرَةِ مَعَ مُوسَى فَهُوَ كَلَام أقبل بِهِ على خطاب أهل مَجْلِسه إِثْر المحاورة مَعَ مُوسَى فَلِذَلِكَ حُكِيَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةُ مُحَاوَرَةٍ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فِي شَأْنِ دَعْوَةِ مُوسَى فَهِيَ حَقِيقَةٌ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَمَا لَا يَخْفَى.
أَرَادَ فِرْعَوْنُ بِخِطَابِهِ مَعَ مَلَئِهِ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى عَقِيدَةِ إِلَهِيَّتِهِ فَقَالَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي إِبْطَالًا لِقَوْلِ مُوسَى الْمَحْكِيِّ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [٢٦] قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ وَقَوْلُهُ هُنَاكَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (١) [الشُّعَرَاء:
٢٤]. فَأَظْهَرَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ أَنَّ دَعْوَةَ مُوسَى لَمْ تَرُجْ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِهَا فَقَالَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي.
وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ نَفْيُ وُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ يُرِيهِمْ أَنَّهُ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَقٍّ فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ إِلَهٌ غَيْرُهُ لَعَلِمَهُ.
وَالْمَقْصُودُ بِنَفْيِ وُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيُ وُجُودِ الْإِلَهِ الَّذِي أَثْبَتَهُ مُوسَى وَهُوَ خَالِقُ
_________
(١) فِي المطبوعة (إِن كُنْتُم تعقلون).
لِاسْتِحْضَارِ الصُّوَرِ الْعَجِيبَةِ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ حَتَّى كَأَنَّ السَّامِعَ يُشَاهِدُ تَكْوِينَهَا مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ ذَلِكَ.
وَجُمِعَ الرِّياحَ لِمَا شَاعَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ مِنْ إِطْلَاقِهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى رِيحِ الْبِشَارَةِ بِالْمَطَرِ لِأَنَّ الرِّيَاحَ الَّتِي تُثِيرُ السَّحَابَ هِيَ الرِّيَاحُ الْمُخْتَلِفَةُ جِهَاتُ هُبُوبِهَا بَيْنَ: جَنُوبٍ وَشَمَالٍ وَصَبًا وَدَبُورٍ، بِخِلَافِ اسْمِ الرِّيحِ الْمُفْرَدَةِ فَإِنَّهُ غَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ إِطْلَاقُهُ عَلَى رِيحِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ لِأَنَّهَا تَتَّصِلُ وَارِدَةً مِنْ صَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَا تَزَالُ تَشْتَدُّ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا لَا رِيحًا»
(١). وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤].
وَالْإِثَارَةُ: تَحْرِيكُ الْقَارِّ تَحْرِيكًا يَضْطَرِبُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَإِثَارَةُ السَّحَابِ إِنْشَاؤُهُ بِمَا تُحْدِثُهُ الرِّيَاحُ فِي الْأَجْوَاءِ مِنْ رُطُوبَةٍ تَحْصُلُ مِنْ تَفَاعُلِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ.
وَالْبَسْطُ: النَّشْرُ. وَالسَّمَاءُ: الْجَوُّ الْأَعْلَى وَهُوَ جَوُّ الْأَسْحِبَةِ.
وكَيْفَ هُنَا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَمَوْقِعُهَا الْمَفْعُولِيَّةُ الْمُطلقَة من فَيَبْسُطُهُ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: يَبْسُطُهُ بَسْطًا كَيْفِيَّتُهُ يَشَاؤُهَا اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٦]. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا شَرْطٌ لَمْ يُصَادِفِ الصَّوَابَ.
وكِسَفاً بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ جَمْعُ كِسْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَيُقَالُ: كِسْفَةٌ بَهَاءِ تَأْنِيثِ وَهُوَ الْقِطْعَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٩٢]. وَتَقَدَّمَ الْكِسَفُ فِي قَوْلِهِ فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاء [١٨٧]. وَالْمعْنَى: أَنه يَبْسُطُ السَّحَابَ فِي السَّمَاءِ تَارَةً، أَيْ يَجْعَلُهُ مُمْتَدًّا عَامًّا فِي جَوِّ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمُدَجَّنُ الَّذِي يُظْلِمُ بِهِ الْجَوُّ وَيُقَالُ الْمُغْلَقُ، وَيَجْعَلُهُ كِسَفَا أَيْ تَارَةً أُخْرَى كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُقَابَلَةُ، أَيْ: يَجْعَلُهُ غَمَامَاتٍ لِأَنَّ حَالَةَ جَعْلِهِ كِسَفًا غَيْرُ حَالَةِ بَسْطِهِ فِي
_________
(١) عَن الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد ضَعِيف. [.....]
وَمَعْنَى «بَرَّأَهُ» أَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ عَيَانًا لِأَنَّ مُوسَى كَانَ بَرِيئًا مِمَّا قَالُوهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْذُوهُ بِأَقْوَالِهِمْ فَلَيْسَ وُجُودُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ مُتَفَرِّعَةً عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهَا عَقِبَ أَقْوَالِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ أَرِيحَا فَثَبَّتَ قُلُوبَهُمْ وَافْتَتَحُوهَا وَأَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ إِذْ أَظْهَرَ مُعْجِزَتَهُ حِينَ ذَبَحُوا الْبَقَرَةَ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِذَبْحِهَا فَتَبَيَّنَ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي ادَّارَأُوا فِيهَا.
وَأَظْهَرَ سَلَامَتَهُ مِنَ الْبَرَصِ وَالْأُدْرَةِ حِينَ بَدَا لَهُمْ عُرْيَانًا لَمَّا انْتَقَلَ الْحَجْرُ الَّذِي عَلَيْهِ ثِيَابُهُ. وَمَعْنَى: «بَرَّأَهُ مِمَّا قَالُوا» بَرَّأَهُ مِنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ لَا مِنْ نَفْسِ قَوْلِهِمْ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ قَدْ حَصَلَ وَأُوذِيَ بِهِ وَهَذَا كَمَا سَمَّوُا السُّبَّةَ الْقَالَةَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ [مَرْيَم:
٨٠]، أَيْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَقَالُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً [مَرْيَم: ٧٧] أَيْ نَرِثُهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً مُعْتَرِضَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَمُفِيدَةٌ سَبَبَ عِنَايَةِ اللَّهِ بِتَبْرِئَتِهِ.
والوجيه صفة مشبهة، أَيْ ذُو الْوَجَاهَةِ. وَهِيَ الْجَاهُ وَحُسْنُ الْقَبُولِ عِنْدَ النَّاسِ. يُقَالُ:
وَجُهَ الرَّجُلُ، بِضَمِّ الْجِيمِ، وَجَاهَةً فَهُوَ وَجِيهٌ. وَهَذَا الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الْجَامِدِ وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لِلْإِنْسَانِ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنهُ مَقْبُول مغْفُور لَهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٤٥]، فَضُمَّهُ إِلَى هُنَا. وَذِكْرُ فِعْلِ كانَ دَالٌّ عَلَى تَمَكُّنِ وَجَاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينِ آذَوْهُ بِأَنَّهُمْ آذَوْهُ بِمَا هُوَ مبرأ مِنْهُ، وتنويه وَتَوْجِيهٌ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ مُسْتَأْهِلٌ لِتِلْكَ التَّبْرِئَةِ لِأَنَّهُ وَجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ بخامل.
[٧٠، ٧١]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٧٠ إِلَى ٧١]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)
بَعْدَ أَنْ نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا يُؤْذِي النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَبَأَ بِهِمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَ

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٦٢ إِلَى ٦٨]

أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)
اسْتِئْنَافٌ بَعْدَ تَمَامِ قِصَّةِ الْمُؤْمِنِ وَرِفَاقِهِ قُصِدَ مِنْهُ التَّنْبِيهُ إِلَى الْبَوْنِ بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ
وَالْكَافِرِ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَعْقِيبِ الْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى مَغَازِيهَا وَمَوَاعِظِهَا.
فَالْمَقْصُودُ بِالْخَبَرِ هُوَ قَوْلُهُ: إِنَّا جَعَلْناها، أَيْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِلَى آخِرِهَا. وَإِنَّمَا صِيغَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَى مَا يَرِدُ فِيهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَفَوْزِهِ وَخَسَارِ الْكَافِرِ. وَهُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ سَامِعٍ.
وَالْإِشَارَةُ بِ أَذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّعِيمِ وَالْخُلُودِ، وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، بِعَلَامَةِ بُعْدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِتَعْظِيمِهِ بِالْبُعْدِ، أَيْ بُعْدِ الْمَرْتَبَةِ وَسُمُوِّهَا لِأَنَّ الشَّيءَ النَّفِيسَ الشَّرِيفَ يُتَخَيَّلُ عَالِيًا وَالْعَالِي يُلَازِمُهُ الْبُعْدُ عَنِ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ السُّفْلُ، وَأَيْنَ الثُّرَيَّا مِنَ الثَّرَى.
وَالنُّزُلُ: بِضَمَّتَيْنِ، وَيُقَالُ: نُزْلٌ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ هُوَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: الْمَكَانُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ النَّازِلُ، قَالَهُ الزَّجَاجُ. وَجَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ «اللِّسَانِ» وَصَاحِبُ «الْقَامُوسِ»، وَأُطْلِقَ إِطْلَاقًا شَائِعًا كَثِيرًا عَلَى الطَّعَامِ الْمُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لَهُ لِنُزُولِهِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ مَكَانِهِ نَظِيرَ مَا أَطْلَقُوا اسْمَ السُّكْنِ بِسُكُونِ الْكَافِ عَلَى الطَّعَامِ الْمُعَدِّ لِلسَّاكِنِ الدَّارِ إِذِ الْمَسْكَنُ يُقَالُ فِيهِ:
سَكْنٌ أَيْضًا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاغِبُ غَيْرَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النُّزُلِ هُنَا طَعَامَ الضِّيَافَةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ ذُنُوبًا جَمَّةً، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا بِقَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ.
وَمَعْنَى: وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَالْوَاقِي: هُوَ الْمُدَافِعُ النَّاصِرُ.
ومِنْ الْأَوْلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِ واقٍ، وَقُدِّمَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَجْرُورِ، ومِنْ الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِحَرْفِ (مَا) وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَخْذُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ ذَلِكَ الْأَخْذُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا
بِهِمْ، وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ لِلْإِجْمَالِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ. وَالْجُمْلَةُ بَعْدَ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةِ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. فَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ فَكُفْرِهِمْ بِهِمْ.
وَأَفَادَ الْمُضَارِعُ فِي قَوْلِهِ: تَأْتِيهِمْ تَجَدُّدَ الْإِتْيَانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْأُمَم، أَي يَأْتِي لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ رَسُولٌ، فَجَمْعُ الضَّمِيرِ فِي تَأْتِيهِمْ ورُسُلُهُمْ وَجَمْعُ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ:
رُسُلُهُمْ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ أَتَاهَا رَسُولٌ. وَلَمْ يُؤْتَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: فَكَفَرُوا لِأَنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ الْأُمَمِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ.
وَكُرِّرَ قَوْلُهُ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِلَخْ إِطْنَابًا لِتَقْرِيرِ أَخْذِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرُسُلِهِمْ، وَتَهْوِيلًا عَلَى الْمُنْذِرِينَ بِهِمْ أَنْ يُسَاوُوهُمْ فِي عَاقِبَتِهِمْ كَمَا سَاوُوهُمْ فِي أَسْبَابِهَا.
وَجُمْلَةُ: إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ تَعْلِيلٌ وَتَبْيِينٌ لِأَخْذِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَكَيْفِيَّتِهِ وَسُرْعَةِ أَخْذِهِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ فَاءِ التَّعْقِيبِ، فَالْقَوِيُّ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلَا يُعَطِّلُ مُرَادَهُ وَلَا يَتَرَيَّثُ، وشَدِيدُ الْعِقابِ بَيَانٌ لِذَلِكَ الْأَخْذِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَر: ٤٢].
وَالْبَغْيُ فِي الْأَرْضِ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى مَا وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَقِّ الشَّامِلِ لِمَنَافِعِ الْأَرْضِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلنَّاسِ، مِثْلَ تَحْجِيرِ الزَّرْعِ وَالْأَنْعَامِ الْمَحْكِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ [الْأَنْعَام: ١٣٨]، وَمِثْلَ تَسْيِيبِ السَّائِبَةِ وَتَبْحِيرِ الْبَحِيرَةِ، وَالشَّامِلِ لِمُخَالَفَةِ مَا سَنَّهُ اللَّهُ فِي فِطْرَةِ الْبَشَرِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَوِيمَةِ مِثْلَ الْعَدْلِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، فَالْبَغْيُ عَلَيْهَا بِمِثْلِ الْكِبْرِيَاءِ وَالصَّلَفِ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَرْدِهِمْ عَنْ مَجَامِعِ الْقَوْمِ بَغْيٌ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
والْأَرْضِ: أَرْضُ مَكَّةَ، أَوْ جَمِيعُ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِعُمُومِ الْآيَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها [الْبَقَرَة: ٢٠٥] وَقَالَ: وَلا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
[الْأَعْرَاف: ٨٥]، فَكُلُّ فَسَادٍ وَظُلْمٍ يَقَعُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ بَغْيٌ مَظْرُوفٌ فِي الْأَرْضِ.
وبِغَيْرِ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِ يَبْغُونَ وَهُوَ لِكَشْفِ حَالَةِ الْبَغْيِ لِإِفَادَةِ مَذِمَّتِهِ إِذْ لَا يَكُونُ الْبَغْيُ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ مُسَمَّى الْبَغْيِ هُوَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُبْطِلِ لِأَجَلِ بَاطِلِهِ فَلَا يُسَمَّى بَغْيًا وَيُسَمَّى اعْتِدَاءً قَالَ تَعَالَى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٤]، وَيُقَالُ: اسْتَعْدَى فُلَانٌ الْحَاكِمَ عَلَى خَصْمِهِ، أَيْ طَلَبَ مِنْهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ.
وَجُمْلَةُ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بَيَان جملَة إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ إِنْ أُرِيدَ بِ السَّبِيلُ فِي قَوْلِهِ: مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] سَبِيلٍ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهَا إِنْ أُرِيدَ بِ السَّبِيلُ هُنَالِكَ مَا يَشْمَلُ الْمَلَامَ فِي الدُّنْيَا، أَيِ السَّبِيلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ هُوَ أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا جَزَاءَ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ.
وَحُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ يَشْمَلُ ظُلْمَ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَشْمَلُ ظُلْمَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَتَنَاسَبَ مَضْمُونُهَا مَعَ جَمِيعِ مَا سَبَقَ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مَعَ تَمْيِيزِهِمْ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ بِهَذَا الْوَعيد.

[سُورَة مُحَمَّد (٤٧) : آيَة ٣٠]

وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ.
كَانَ مَرَضُ قُلُوبِهِمْ خَفِيًّا لِأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي كِتْمَانِهِ وَتَمْوِيهِهِ بِالتَّظَاهُرِ بِالْإِيمَانِ، فَذكر الله لنبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا فَيَعْرِفُ ذَوَاتَهُمْ بِعَلَامَاتِهِمْ.
وَالسِّيمَى بِالْقَصْرِ: الْعَلَامَةُ الْمُلَازِمَةُ، أَصْلُهُ: وِسْمَى بِوَزْنِ فِعْلَى مَنِ الْوَسْمِ وَهُوَ جَعْلُ سِمَةٍ لِلشَّيْءِ، وَهُوَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. فَهُوَ مِنَ الْمِثَالِ الْوَاوِيِّ الْفَاءُ حُوِّلَتِ الْوَاوُ مِنْ مَوْضِعِ فَاءِ الْكَلِمَةِ فَوُضِعَتْ فِي مَكَانِ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَحُوِّلَتْ عَيْنُ الْكَلِمَةِ إِلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ فَصَارَتْ سِوْمَى فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٧٣].
وَالْمَعْنَى: لَأَرَيْنَاكَ أَشْخَاصَهُمْ فَعَرَفْتَهُمْ، أَوْ لَذَكَرْنَا لَكَ أَوْصَافَهُمْ فَعَرَفْتَهُمْ بِهَا ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ شَاءَ ذَلِكَ وأراهم للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَنْ أَنَسٍ «مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيءِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ» ذَكَرَهُ الْبَغْوِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ. وَمِمَّا يُرْوَى عَنْ حُذَيْفَةَ مَا يَقْتَضِي أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَهُ بِالْمُنَافِقِينَ أَوْ بِبَعْضِهِمْ، وَلَكِنْ إِذَا صَحَّ هَذَا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِإِجْرَائِهِمْ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا إِكْرَاما لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِمْ.
وَاللَّامُ فِي لَأَرَيْناكَهُمْ لَامُ جَوَابِ لَوْ الَّتِي تُزَادُ فِيهِ غَالِبًا. وَاللَّامُ فِي فَلَعَرَفْتَهُمْ تَأْكِيدٌ لِلَّامِ لَأَرَيْناكَهُمْ لِزِيَادَةِ تَحْقِيقِ تَفَرُّعِ الْمعرفَة على الإراءة.
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.
هَذَا فِي مَعْنَى الِاحْتِرَاسِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ مِنْ عَدَمِ وُقُوع الْمَشِيئَة لإراءته إِيَّاهُمْ بِنُعُوتِهِمْ. وَالْمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ نُرِكَ إِيَّاهُمْ بِسِيمَاهُمْ فَلَتَقَعَنَّ مَعْرِفَتُكَ بِهِمْ مِنْ لَحْنِ كَلَامِهِمْ بِإِلْهَامٍ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي علم رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ لَحْنِ كَلَامِهِمْ
وَذَلِكَ جَامِعُ التَّقْوَى. وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اجْتِنَابَ مَا ذُكِرَ يُعَدُّ مِنَ الْإِحْسَانِ لِأَنَّ فِعْلَ السَّيِّئَاتِ يُنَافِي وَصْفُهُمْ بِالذِّينَ أَحْسَنُوا فَإِنَّهُمْ إِذَا أَتَوْا بِالْحَسَنَاتِ كُلِّهَا وَلَمْ يَتْرُكُوا السَّيِّئَاتِ كَانَ فِعْلُهُمُ السَّيِّئَاتِ غَيْرُ إِحْسَانٍ وَلَوْ تَرَكُوا السَّيِّئَاتِ وَتَرَكُوا الْحَسَنَاتِ كَانَ تَرْكُهُمُ الْحَسَنَاتِ سَيِّئَاتٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ كَبائِرَ الْإِثْمِ بِصِيغَةِ جمع (كَبِيرَة). وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ كَبِيرَ الْإِثْمِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ.
وَالْمُرَادُ بِكَبَائِرِ الْإِثْمِ: الْآثَامُ الْكَبِيرَةُ فِيمَا شَرَعَ اللَّهُ وَهِيَ مَا شَدَّدَ الدِّينُ التَّحْذِيرَ مِنْهُ أَو ذكر لَهُ وَعِيدًا بِالْعَذَابِ أَوْ وَصَفَ عَلَى فَاعِلِهِ حَدًّا.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: «الْكَبَائِرُ كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَبِرِقَّةِ دِيَانَتِهِ».
وَعَطْفُ الْفَوَاحِشِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِهَا مُغَايِرٌ لِلْكَبَائِرِ وَلَكِنَّهَا مُغَايَرَةٌ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْوَجْهِيِّ، فَالْفَوَاحِشُ أَخَصُّ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهِيَ أَقْوَى إِثْمًا.
وَالْفَوَاحِشُ: الْفِعْلَاتُ الَّتِي يُعَدُّ الَّذِي فَعَلَهَا مُتَجَاوِزًا الْكَبَائِرَ مِثْلُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَقَتْلِ الْغِيلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الْأَعْرَاف: ٣٣] الْآيَةَ وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٣١] فِي قَوْلِهِ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
وَاسْتِثْنَاءُ اللَّمَمِ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ اللَّمَمَ لَيْسَ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَلَا مِنَ الْفَوَاحِشِ.
فَالِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا سُمِّيَ بِاللَّمَمِ ضَرْبٌ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُحَذَّرِ
مِنْهَا فِي الدِّينِ، فَقَدْ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا يَلْحَقُهَا بِكَبَائِرِ الْإِثْمِ فَلِذَلِكَ حُقَّ الِاسْتِدْرَاكُ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ: أَمَّا الْعَامَّةُ فَلِكَيْ لَا يُعَامِلَ الْمُسْلِمُونَ مُرْتَكِبَ شَيْءٍ مِنْهَا مُعَامَلَةَ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ، وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَرَحْمَةٌ بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَدْ يرتكبونها فَلَا يقل ارْتِكَابُهَا مِنْ نَشَاطِ طَاعَةِ الْمُسْلِمِ،
السَّلَامُ»
. وَبِهَذَا ظَهَرَ تَعْقِيبُ وَصْفِ الْمَلِكُ بِوَصْفِ السَّلامُ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ عَقَّبَ بِ الْقُدُّوسُ لِلدِّلَالَةِ عَلَى نَزَاهَةِ ذَاتِهِ،
عَقَّبَ بِ السَّلامُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَتِهِ الْخَلْقَ، وَهَذَا احْتِرَاسٌ أَيْضًا.
والْمُؤْمِنُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ آمَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ جَعَلَ غَيْرَهُ آمِنًا.
فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَمَانَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ، إِذْ خَلَقَ نِظَامَ الْمَخْلُوقَاتِ بَعِيدًا عَنِ الْأَخْطَارِ وَالْمَصَائِبِ، وَإِنَّمَا تعرض للمخلوقات للمصائب بِعَوَارِضَ تَتَرَكَّبُ مِنْ تَقَارُنٍ أَوْ تَضَادٍّ أَوْ تعَارض مصَالح، فَيرجع أَقْوَاهَا وَيُدْحَضُ أَدْنَاهَا، وَقَدْ تَأْتِي مِنْ جَرَّاءِ أَفْعَالِ النَّاسِ.
وَذِكْرُ وَصْفِ الْمُؤْمِنُ عَقِبَ الْأَوْصَافِ الَّتِي قَبْلَهُ إِتْمَامٌ لِلِاحْتِرَاسِ مِنْ تَوَهُّمِ وَصْفِهِ تَعَالَى بِ الْمَلِكُ أَنَّهُ كَالْمُلُوكِ الْمَعْرُوفِينَ بِالنَّقَائِصِ. فَأُفِيدَ أَوَّلًا نَزَاهَةُ ذَاتِهِ بِوَصْفِ الْقُدُّوسُ، وَنَزَاهَةُ تَصَرُّفَاتِهِ الْمُغَيَّبَةِ عَنِ الْغَدْرِ وَالْكَيْدِ بِوَصْفِ الْمُؤْمِنُ، وَنَزَاهَةُ تَصَرُّفَاتِهِ الظَّاهِرَةِ عَنِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ بِوَصْفِ السَّلامُ.
والْمُهَيْمِنُ: الرَّقِيبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَالْحَافِظُ فِي لُغَةِ بَقِيَّةِ الْعَرَبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَمِنَ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَة فَصَارَ آمن وَأَنَّ وَزْنَ الْوَصْفِ مُؤَيْمِنٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هَاءً، وَلَعَلَّ مُوجِبَ الْقَلْبِ إِرَادَةُ نَقْلِهِ مِنَ الْوَصْفِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى الْأَمْنِ، بِحَيْثُ صَارَ كَالِاسْمِ الْجَامِدِ. وَصَارَ مَعْنَاهُ: رَقَبَ:
(أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنًى إِلَّا من الَّذين فِي الْمُؤْمِنِ لَمَّا صَارَ اسْمًا لِلرَّقِيبِ وَالشَّاهِدِ)، وَهُوَ قَلْبٌ نَادِرٌ مِثْلُ قَلْبِ هَمْزَةِ: أَرَاقَ إِلَى الْهَاءِ فَقَالُوا: هَرَاقَ، وَقَدْ وَضَعَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَابِ النُّونِ وَوَزْنُهُ مُفَعْلِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ آمَنَ مِثْلِ مُدَحْرِجٍ، فَتَصْرِيفُهُ مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ بَعْدَ الْمِيمِ الْأُولَى الْمَزِيدَةِ، فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى هَاءً كَمَا أُبْدِلَتْ هَمْزَةُ أرَاقَ فَقَالُوا: هَرَاقَ.
وَقِيلَ: أَصْلُهُ هَيْمَنَ بِمَعْنَى: رَقَبَ، كَذَا فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» وَعَلَيْهِ فَالْهَاءُ أَصْلِيَّةٌ وَوَزْنُهُ مُفَيْعِلٌ. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْقَامُوسِ» فِي فَصْلِ الْهَاءِ مِنْ بَابِ النُّونِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ. وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَصْلِ الْهَاءِ مِنْ بَابِ النُّونِ مُصَرِّحًا بِأَنَّ هَاءَهُ أَصْلُهَا هَمْزَةٌ. وَعَدَلَ الرَّاغِبُ وَصَاحِبُ «الأساس» عَن ذكر.
وَشَمِلَ قَوْلُهُ: وَمَنْ قَبْلَهُ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنْهَا قَوْمُ نُوحٍ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَمَنْ قَبْلَهُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ وَمَنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ، أَيْ قَوْمُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
والْمُؤْتَفِكاتُ: قُرَى لُوطٍ الثَّلَاثُ، وَأُرِيدَ بِالْمُؤْتَفِكَاتِ سُكَّانُهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ جَرِيمَتِهِمْ وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا مَشْهُورِينَ عِنْدَ الْعَرَبِ إِذْ كَانَتْ قُرَاهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الشَّامِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
[الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وَقَالَ: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها [الْفرْقَان: ٤٠].
وَوُصِفَتْ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ بِ الْمُؤْتَفِكاتُ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٌ اسْمُ فَاعِلٍ ائْتَفَكَ مُطَاوِعٌ أَفَكَهُ، إِذَا قَلَبَهُ، فَهِيَ الْمُنْقَلِبَاتُ، أَيْ قَلَبَهَا قَالَبٌ، أَيْ خَسَفَ بِهَا قَالَ تَعَالَى: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها [هود: ٨٢].
وَالْخَاطِئَةِ: إِمَّا مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ وَهَاؤُهُ هَاءُ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَلَمَّا اسْتُعْمِلَ مَصْدَرًا قَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الْمَرَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله: الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: ١] فَهُوَ مصدر خطىء، إِذَا أَذْنَبَ.
وَالذَّنْبُ: الْخِطْءُ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَأَمَّا اسْم فَاعل خطىء وَتَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ: الْفَعِلَةِ ذَاتِ الْخِطْءِ فَهَاؤُهُ هَاءُ تَأْنِيثٍ.
وَالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، فَالْمَعْنَى: جَاءَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالذَّنْبِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعِقَابِ. وَفُرِّعَ عَنْهُ تَفْصِيلُ ذَنْبِهِمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْخَاطِئَةِ فَقَالَ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وَهَذَا التَّفْرِيعُ لِلتَّفْصِيلِ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [الْقَمَر: ٩] فِي أَنَّهُ تَفْرِيعُ بَيَانٍ عَلَى الْمُبَيَّنِ.
وَضَمِيرُ (عَصَوْا) يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى فِرْعَوْنُ بِاعْتِبَارِهِ رَأْسَ قَوْمِهِ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهِ وَإِلَى قَوْمِهِ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ فَالْأَمْرُ أَظْهَرُ وَعَلَى هَذَا الْاعْتِبَارِ فِي مَحَلِّ ضَمِيرِ (عَصَوْا) يَكُونُ الْمُرَادُ بِ رَسُولَ رَبِّهِمْ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَتَعْرِيفُهُ بِالْإِضَافَةِ لِمَا فِي لَفْظِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَخْطِئَتِهِمْ فِي عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ وَجَعْلِهِمْ إِيَّاهُ إِلَهًا لَهُمْ.
الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ لَفْظِ الْجِنْسِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ مَعْنَاهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِلْجِنْسِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يَقْتَضِي اتِّصَافَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ بِهِ، بَلْ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ وَقَدْ يَخْلُو عَنْهُ الْمُتَّصِفُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَقَوْلُهُ: مَا أَكْفَرَهُ تَعْجِيبٌ مِنْ كُفْرِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ أَوْ شِدَّةِ كُفْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَلِيلُ مِنْهُ غَيْرَ كَافِرٍ.
فَآلَ مَعْنَى الْإِنْسَانِ إِلَى الْكُفَّارِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَهُمُ الْغَالِبُ عَلَى نَوْعِ الْإِنْسَانِ.
فَغَالِبُ النَّاسِ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ أَقْدَمِ عُصُورِ التَّارِيخِ وَتَفَشَّى الْكُفْرُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ وَانْتَصَرُوا لَهُ وَنَاضَلُوا عَنْهُ. وَلَا أَعْجَبَ مِنْ كُفْرِ مَنْ أَلَّهُوا أَعْجَزَ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ حِجَارَةٍ وَخَشَبٍ، أَوْ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ خَلَقَهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ الْإِنْسانُ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يُعَيِّنُهُ خَبَرُ سَبَبِ النُّزُولِ، فَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَكَانَ مِمَّنْ حَوَاهُ الْمَجْلِسُ الَّذِي غَشِيَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِخَبَرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي غَشِيَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا، وَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةً.
وَجُمْلَةُ مَا أَكْفَرَهُ تَعْلِيلٌ لِإِنْشَاءِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ دُعَاءَ التَّحْقِيرِ وَالتَّهْدِيدِ. وَهَذَا تَعْجِيبٌ مِنْ شِدَّةِ كُفْرِ هَذَا الْإِنْسَانِ.
وَمَعْنَى شِدَّةِ الْكُفْرِ أَنَّ كُفْرَهُ شَدِيدٌ كَمًّا وَكَيْفًا، وَمَتًى، لِأَنَّهُ كُفْرٌ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَبِقُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، وَبِإِرْسَالِهِ الرَّسُولَ، وَبِالْوَحْيِ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ كُفْرٌ قَوِيٌّ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ قَوِيٌّ لَا يَقْبَلُ التَّزَحْزُحَ، وَأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ لَا يُقْلَعُ عَنْهُ مَعَ تَكَرُّرِ التَّذْكِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّهْدِيدِ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَلَغَتْ نِهَايَةَ الْإِيجَازِ وَأَرْفَعَ الْجَزَالَةِ بِأُسْلُوبٍ غَلِيظٍ دَالٍّ عَلَى السُّخْطِ بَالِغِ حَدِّ الْمَذَمَّةِ، جَامِعٍ لِلْمَلَامَةِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهَا قَبْلَهَا، فَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الْقُرْآنِيَّةِ.


الصفحة التالية
Icon