مِنْ تَفْسِيرِهِ إِذْ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتْ لَامُ الْجِنْسِ عَلَى الْمُفْرَدِ كَانَ صَالِحًا لِأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إِلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إِلَى الْوَاحِدِ مِنْهُ وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمَجْمُوعِ صَلُحَ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إِلَى الْوَاحِدِ مِنْهُ اهـ. فَاعْتَمَدَهَا صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» وَتَنَاقَلَهَا الْعُلَمَاءُ وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيَانَهَا.
وَلَعَلَّ سَائِلًا يَسْأَلُ عَنْ وَجْهِ إِتْيَانِ الْعَرَبِ بِالْجُمُوعِ بَعْدَ أَلِ الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ إِذَا كَانَ الْمُفْرَدُ مُغْنِيًا غِنَاءَهَا فَأَقُولُ: إِنَّ أَلِ الْمُعَرِّفَةَ تَأْتِي لِلْعَهْدِ وَتَأْتِي لِلْجِنْسِ مُرَادًا بِهِ الْمَاهِيَّةُ وَلِلْجِنْسِ مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهُ فِي غَيْرِهَا فَإِذَا أَرَادُوا مِنْهَا الِاسْتِغْرَاقَ نَظَرُوا فَإِنْ وَجَدُوا قَرِينَةَ الِاسْتِغْرَاقِ ظَاهِرَةً مِنْ لَفْظٍ أَوْ سِيَاقٍ نَحْوِ: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الْعَصْر: ٢، ٣] وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ [آل عمرَان: ١١٩] وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الحاقة: ١٧] اقْتَنَعُوا بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ لِأَنَّهُ الأَصْل الأحفّ وَإِنْ رَأَوْا قَرِينَةَ الِاسْتِغْرَاقِ خَفِيَّةً أَوْ مَفْقُودَةً عَدَلُوا إِلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ لِدَلَالَةِ الصِّيغَةِ عَلَى عِدَّةِ أَفْرَادٍ لَا عَلَى فَرْدٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا كَانَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ لَا يُتَوَجَّهُ إِلَى عَدَدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ غَالِبًا تَعَيَّنَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ نَحْوُ: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمرَان: ١٣٤] لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى مُحْسِنٍ خَاصٍّ نَحْوُ قَوْلِهَا:
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ [يُوسُف: ٥٢] لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ خَائِنٍ مُعَيَّنٍ تَعْنِي نَفْسَهَا فَيَصِيرُ الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ قَرِينَةً عَلَى قَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ.
وَانْتَصَبَ الصَّالِحَاتِ عَلَى الْمَفْعُول بِهِ لعملوا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَزَعَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْبَابِ السَّادِسِ مِنْ «مُغْنِي اللَّبِيبِ» أَنَّ مَفْعُولَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوُجُودِ فِعْلِهِ كَانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لَا مَفْعُولًا بِهِ فَنَحْوُ: عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَنَحْوُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ [العنكبوت: ٤٤] كَذَلِكَ، وَاعْتَضَدَ لِذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي «شَرْحِ الْمُفَصَّلِ» زَعَمَ أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ يَكُونُ جُمْلَةً نَحْوَ قَالَ زَيْدٌ عَمْرٌو مُنْطَلِقٌ وَكَلَامُ ابْنِ هِشَامٍ خَطَأٌ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِثْلُهُ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ هِشَامٍ نَفْسُهُ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ هُوَ مَصْدَرُ فِعْلِهِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.
وَالْجَنَّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، وَالْجَنَّةُ فِي الْأَصْلِ فِعْلَةٌ مِنْ جَنَّهُ إِذَا سَتَرَهُ نَقَلُوهُ لِلْمَكَانِ الَّذِي تَكَاثَرَتْ أَشْجَارُهُ وَالْتَفَّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ حَتَّى كَثُرَ ظِلُّهَا وَذَلِكَ مِنْ وَسَائِلِ التَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ عِنْدَ الْبشر قاطبة (١) لَا سِيمَا فِي بَلَدٍ تَغْلُبُ عَلَيْهِ الْحَرَارَةُ كَبِلَادِ الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى: وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [النبأ: ١٦].
_________
(١) فَإِن الْإِنْسَان مجبول على حب المناظر الجميلة والميل لما يُقَارِبه فِي الْخلقَة، وَفِي الشّجر جمال الشكل واللون وَفِيه أنس للنفوس لِأَن فِيهِ حَيَاة فَنَاسَبَ النُّفُوس مثل التأنس بِالْحَيَوَانِ والأنعام الَّتِي قَالَ تَعَالَى فِيهَا: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ [النَّحْل: ٦] فَفِي مناظر الْأَشْجَار جمال يفوق جمال مناظر مَا لَا حَيَاة فِيهِ كالقصور والرياش.
لِلتَّشْبِيهِ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ يُبَيِّنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي
وُجُوهِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣].
أَوِ الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْبَيَانِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ إِلَى قَوْلِهِ الْعَفْوَ، وَقَرَنَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِعَلَامَةِ الْبُعْدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِكَمَالِهِ فِي الْبَيَانِ، إِذْ هُوَ بَيَانٌ لِلْحُكْمِ مَعَ بَيَانِ عِلَّتِهِ حَتَّى تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَحَتَّى يُلْحِقُوا بِهِ نَظَائِرَهُ، وَبَيَانٌ لِقَاعِدَةِ الْإِنْفَاقِ بِمَا لَا يَشِذُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُنْفِقِينَ، وَلِكَوْنِ الْكَافِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْخِطَابُ بَلْ مُجَرَّدُ الْبُعْدِ الِاعْتِبَارِيِّ لِلتَّعْظِيمِ لَمْ يُؤْتَ بِهَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مِنْ خِطَابِ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ.
وَاللَّامُ فِي لَكُمُ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ وَهُوَ امْتِنَانٌ وَتَشْرِيفٌ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ مِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ هَاتِهِ الْأُمَّةُ لِيَتَلَقَّوُا التَّكَالِيفَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْعِظَةِ الَّتِي تُلْقَى إِلَى كَامِلِ الْعَقْلِ مُوَضَّحَةً بِالْعَوَاقِبِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ لَهَاتِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَكُونَ عُلَمَاؤُهَا مُشَرِّعِينَ. وَبَيَّنَ فَائِدَةَ هَذَا الْبَيَانِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَيْ لِيَحْصُلَ لِلْأُمَّةِ تَفَكُّرٌ وَعِلْمٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ التَّفَكُّرَ مَظْرُوفٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ لَازِمٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَالْآخِرَةِ إِذْ لَا مَعْنَى لِوُقُوعِ التَّفَكُّرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ خَاصَّةً وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ بِأَنْ قِيلَ: قُلْ فِيهِمَا نَفْعٌ وَضُرٌّ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَذْكِيرٌ بِمَصْلَحَتَيِ الدَّارَيْنِ، وَفِي هَذَا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ إِصْلَاحِ أُمُورِ الْأُمَّةِ فِي الدُّنْيَا،
وَوَقَعَ فِي كَلَامٍ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ ذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْده فَقَالَ لَهُ: «الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوُّدَ مِنْهَا وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَمَسْجِدُ أَنْبِيَائِهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا
إِلَخْ»
. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّفَكُّرِ هُوَ الْحُكْمُ الْمَنُوطُ بِالْعِلَّةِ وَهُوَ حُكْمُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ثُمَّ مَا نَشَأَ عَنهُ قَوْله:
وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ كَذلِكَ لِكَوْنِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْعَفْوِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيَانَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَمَالُ الِامْتِنَانِ حَتَّى يُجْعَلَ نَمُوذَجًا لِجَلِيلِ الْبَيَانَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَحَتَّى يَكُونَ
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ يَكْفُرْ عَاطِفَةٌ جُمْلَةَ الشَّرْطِ عَلَى جُمْلَةِ أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ
الْكِتابَ عُقِّبَتْ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ وَفُرِّعَتْ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الْأَنْعَام: ٧٤] هُوَ تَشْوِيهُ أَمْرِ الشِّرْكِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى فَسَادِهِ بِنَبْذِ أَهْلِ الْفضل وَالْخَيْر إيّاه، فَكَانَ لِلْفَاءِ الْعَاطِفَةِ عَقِبَ ذَلِكَ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ مِنْ أَحْكَامِ نَظْمِ الْكَلَامِ.
وَضَمِيرُ بِها عَائِدٌ إِلَى الْمَذْكُورَاتِ: الْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوءَةِ. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ:
هؤُلاءِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ فِي أَذْهَانِ السَّامِعِينَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ «فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ» (يَعْنِي النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). وَفِي «الْبُخَارِيِّ» قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ (يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ).
وَقَدْ تَقَصَّيْتُ مَوَاقِعَ آيِ الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ يُعَبِّرُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرًا بِكَلِمَةٍ (هَؤُلَاءِ)، كَقَوْلِهِ بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ [الزخرف: ٢٩] وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
وَكُفْرُ الْمُشْرِكِينَ بِنُبُوءَةِ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ تَابِعٌ لكفرهم بمحمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدُ أَنَّهُمْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: ٩١].
وَمَعْنَى: وَكَّلْنا بِها وَفَّقْنَا لِلْإِيمَانِ بِهَا وَمُرَاعَاتِهَا وَالْقِيَامِ بِحَقِّهَا. فَالتَّوْكِيلُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ إِسْنَادُ صَاحِبِ الشَّيْءِ تَدْبِيرِ شَيْئِهِ إِلَى مَنْ يَتَوَلَّى تَدْبِيرَهُ وَيَكْفِيهِ كُلْفَةَ حِفْظِهِ وَرِعَايَةِ مَا بِهِ بَقَاؤُهُ وَصَلَاحُهُ وَنَمَاؤُهُ. يُقَالُ: وَكَّلْتُهُ عَلَى الشَّيْءِ وَوَكَّلْتُهُ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ. وَقَدِ اسْتُعِيرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّوْفِيقِ إِلَى الْإِيمَانِ بِالنُّبُوءَةِ وَالْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنَّظَرِ فِي مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَرِعَايَتِهِ تَشْبِيهًا لِتِلْكَ الرِّعَايَةِ بِرِعَايَةِ الْوَكِيلِ، وَتَشْبِيهًا لِلتَّوْفِيقِ إِلَيْهَا بِإِسْنَادِ النَّظَرِ إِلَى الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ بِيَدِ الْوَكِيلِ مَعَ حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، فَكَانَتِ اسْتِعَارَةُ وَكَّلْنا لِهَذَا الْمَعْنَى إِيجَازًا
وَجُمْلَةُ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَكِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ مُرْتَبِطٌ بِجُمْلَتِي وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الْكَهْف: ٥٤]. وَتَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي الذِّكْرِ جَارٍ عَلَى تَرْتِيبِ مَعَانِيهَا فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهَا ناشىء مَعْنَاهَا عَلَى مَعْنَى الَّتِي قَبْلَهَا، فَكَانَتْ جُمْلَةُ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ مُفِيدَةً مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ، أَيْ أَرْسَلْنَا الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِطَالِبِ الْهُدَى، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جَادَلُوهُ بِالْبَاطِلِ لِإِزَالَةِ الْحَقِّ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ. وَاخْتِيَارُ فِعْلِ الْمُضَارَعَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ الْمُجَادَلَةِ، أَوْ لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْمُجَادَلَةِ.
وَالْمُجَادِلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ فِي سُورَةِ هُودٍ [٧٤].
وَالْإِدْحَاضُ: الْإِزْلَاقُ، يُقَالُ: دَحَضَتِ الْقَدَمُ، إِذَا زَلَّتْ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْإِزَالَةِ، لِأَنَّ الرِّجْلَ إِذَا زَلَقَتْ زَالَتْ عَنْ مَوْضِعِ تَخَطِّيهَا، قَالَ تَعَالَى: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
[الصافات: ١٤١].
وَجُمْلَةُ وَاتَّخَذُوا آياتِي عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَيُجادِلُ فَإِنَّهُمْ مَا قَصَدُوا مِنَ الْمُجَادَلَةِ الِاهْتِدَاءَ، وَلَكِنْ أَرَادُوا إِدْحَاضَ الْحَقِّ وَاتِّخَاذَ الْآيَاتِ كُلِّهَا وَبِخَاصَّةٍ آيَاتُ الْإِنْذَار هزؤا.
والهزو: مَصْدَرُ هَزَأَ، أَيِ اتَّخَذُوا ذَلِكَ مُسْتَهْزَأً بِهِ. وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْآيَاتِ هُوَ الِاسْتِهْزَاءُ عِنْدَ سَمَاعِهَا، كَمَا يَفْعَلُونَ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِ الْإِخْبَارِ بِالْبَعْثِ وَعِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالْإِنْذَارِ بِالْعَذَابِ.
وَعَطْفُ وَما أُنْذِرُوا عَلَى «الْآيَاتِ» عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَوَغُّلِ كُفْرِهِمْ وَحَمَاقَةِ عُقُولِهِمْ.
وَما أُنْذِرُوا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ وَإِنْذَارُهُمْ وَالْإِخْبَارُ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُور هُزُواً بِضَمِّ الزَّايِ. وقرأه حَمْزَة هزآ بِسُكُون الزَّاي.
وَفُرِّعَ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ مَوْلًى وَأَحْسَنُ نَصِيرٍ. أَيْ نعم الْمُدبر لشؤونكم، وَنعم النَّاصِرُ لَكُمْ. وَنَصِيرٌ: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فِي النَّصْرِ، أَيْ نِعْمَ الْمَوْلَى لَكُمْ وَنِعْمَ النَّصِيرُ لَكُمْ. وَأَمَّا الْكَافِرُونَ فَلَا يَتَوَلَّاهُمْ تَوَلِّي الْعِنَايَةِ وَلَا يَنْصُرُهُمْ.
وَهَذَا الْإِنْشَاءُ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيقَ حُسْنِ وِلَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ نَصْرِهِ. وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ حَسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالِاعْتِصَامِ بِهِ.
وَهَذَا مِنْ بَرَاعَةِ الْخِتَامِ، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ لِذَوِي الْأَفْهَامِ.
الشَّيْءِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ لِأَنَّ الْمُتَّبِعَ شَيْئًا يَعْتَنِي بِاقْتِفَائِهِ، فَاتِّبَاعُ الذِّكْرِ تَصْدِيقُهُ وَالْإِيمَانُ بِمَا فِيهِ لِأَنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يُفْضِي إِلَى الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ إِيمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ وَجَدَ لَوْحًا فِيهِ سُورَةُ طه عِنْدَ أُخْتِهِ فَأَخَذَ يَقْرَأُ وَيَتَدَبَّرُ فَآمَنَ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ سَمَاعِهِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ فِي مَبْدَأِ حُلُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ فَنَزَلَ فَسَلَّمَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ: يَا هَذَا إِنَّه لَا أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِكَ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَحَدِّثْهُ وَمَنْ لَمْ يَأْتِكَ فَلَا تَغُتَّهُ بِهِ». وَلَمَّا كَانَ الْإِقْبَالُ عَلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ مُفْضِيًا إِلَى
الْإِيمَانِ بِمَا فِيهِ لِأَنَّهُ يُدَاخِلُ الْقَلْبَ كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ «إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ». أُتْبِعَتْ صِلَةُ اتَّبَعَ الذِّكْرَ بِجُمْلَةِ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنِ اتِّبَاعِ الذِّكْرِ أَكْمَلَ أَنْوَاعِهِ الَّذِي لَا يَعْقُبُهُ إِعْرَاضٌ فَهُوَ مُؤَدٍّ إِلَى امْتِثَالِ الْمُتَّبِعِينَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
وخشية الرحمان: تَقْوَاهُ فِي خُوَيْصَّةِ أَنْفُسِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وَبِشَأْنِ الْإِنْذَارِ، فَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ [يس: ٧] وَهُوَ بَقِيَّةُ تَفْصِيلِ قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً [يس: ٦]. وَالْغَرَضُ تَقْوِيَةُ دَاعِيَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْذَارِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى الَّذِينَ قَبِلُوا نِذَارَتَهُ فَآمَنُوا.
فَمَعْنَى فِعْلِ تُنْذِرَ هُوَ الْإِنْذَارُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنَ الْخَشْيَةِ وَالِامْتِثَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
إِنَّمَا تُنْذِرُ فَيَنْتَذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، أَيْ مِنْ ذَلِكَ شَأْنُهُمْ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَيَتَّقُونَ.
وَالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ الْمُضِيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَحْقِيقِ الِاتِّبَاعِ وَالْخَشْيَةِ. وَالْمُرَادُ: ابْتِدَاءُ الِاتِّبَاعِ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلَى هَذَا التَّنْوِيهِ الْأَمْرُ بِتَبْشِيرِ هَؤُلَاءِ بِمَغْفِرَةِ مَا كَانَ مِنْهُم فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا يَقْتَرِفُونَ مِنَ اللَّمَمِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ تُنْذِرُ وَ «بَشِّرْ» فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ، مَعَ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِمُ الْإِنْذَارُ وَعَاقِبَتَهُ التَّبْشِيرُ.
وَفِي اسْتِحْضَارِهِمْ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَقَرُّرَ إِيمَانُهُمْ مِمَّا يَقْتَضِي التَّقْوَى وَالِامْتِثَالَ لِلْمُهَاجَرَةِ. وَجُمْلَةُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ إِيرَادَ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى لِلْمُتَّصِفِينَ بِهَا يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلِ عَنِ الْمَقْصُودِ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَأُرِيدُ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ: أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ، وَلَكِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ تَمْهِيدًا لَهُ لِقَصْدِ تَعْجِيلِ التَّكَفُّلِ لَهُمْ بِمُوَافَقَةِ الْحُسْنَى فِي هِجْرَتِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ جُمْلَةُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ مَسُوقَةً مَسَاقَ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالتَّقْوَى الْوَاقِعِ بَعْدَهَا.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ أَحْسَنُوا: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ [الزمر: ٩] الْآيَةَ، لِأَنَّ تِلْكَ الْخِصَالَ تَدُلُّ عَلَى الْإِحْسَانِ الْمُفَسَّرِ
بِقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
، فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ
الْخِطَابِ بِأَنْ يُقَالَ: لَكُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ، إِلَى الْإِتْيَانِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا لِيَشْمَلَ الْمُخَاطِبِينَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ ثَبَتَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّلَةُ. وَذَلِكَ فِي مَعْنَى: اتَّقَوْا رَبَّكُمْ لِتَكُونُوا مُحْسِنِينَ فَإِنَّ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا حَسَنَةً عَظِيمَةً فَكُونُوا مِنْهُمْ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ فِي لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمُحْسَنِ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ أَحْرِيَاءٌ بِالْإِحْسَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ، وَاسْتُغْنِيَ بِالْوَصْفِ عَنِ الْمَوْصُوفِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ:
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [الْبَقَرَة: ٢٠١]. وَقَوْلِهِ فِي عَكْسِهِ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠]. وَتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: فِي هذِهِ الدُّنْيا بَيْنَ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا وَبَيْنَ حَسَنَةٌ نَظْمٌ مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ الْقُرْآنُ فِي مَوَاقِعِ الْكَلِمِ لِإِكْثَارِ الْمَعَانِي الَّتِي يَسْمَحُ بِهَا النَّظْمُ، وَهَذَا مِنْ طُرُقِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ. فَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِي هذِهِ الدُّنْيا حَالًا مِنْ حَسَنَةٌ قُدِّمَ عَلَى صَاحِبِ الْحَالِ لِلتَّنْبِيهِ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهَا جَزَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا، لِقِلَّةِ خُطُورِ ذَلِكَ فِي بَالِهِمْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُمْ تَعْجِيلَ الْجَزَاءِ الْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ عَلَى
فَأُطْلِقَ عَلَى اكْتِسَابِ السِّبَاعِ وَنَحْوِهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ كِلَابُ الصَّيْدِ جَوَارِحَ وَسُمِّي بِهِ اكْتِسَابُ النَّاسِ لِأَنَّ غَالِبَ كَسْبِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ مِنَ الْإِغَارَةِ عَلَى إِبِلِ الْقَوْمِ وَهِيَ بِالرِّمَاحِ، قَالَتْ أَمُّ زَرْعٍ: فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شريّا، وَأخذ خطبا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَلِذَلِكَ غَلَبَ إِطْلَاقُ الِاجْتِرَاحِ عَلَى اكْتِسَابِ الْإِثْمِ وَالْخَبِيثِ.
وَظَاهِرُ تَرْكِيبِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
دَاخِلٌ فِي الْحُسْبَانِ الْمَنْكُورِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنْكَارُ أَنْ يَسْتَوِيَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لَا فِي الْحَيَاةِ وَلَا بَعْدَ الْمَمَاتِ، فَكَمَا خَالَفَ اللَّهُ بَيْنَ حَالَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ فَرِيقًا كَفَرَةً مُسِيئِينَ وَفَرِيقًا مُؤْمِنِينَ مُحْسِنِينَ، فَكَذَلِكَ سَيُخَالِفُ بَيْنَ حَالَيْهِمْ فِي الْمَمَاتِ فَيَمُوتُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِذْ لَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَيُلَاقُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ هَوْلَ مَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَيَمُوتُ الْمُؤْمِنُونَ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْبُشْرَى بِمَا وُعِدُوا بِهِ وَيُلَاقُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ثَوَابَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَوَاءً مَرْفُوعًا فَيَكُونُ مَوْقِعُ جُمْلَةِ سَواءً مَحْياهُمْ
مَوْقِعَ الْبَدَلِ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى مِثْلِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» يُرِيدُ أَنَّهُ بَدَلٌ مُطَابِقٌ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ تُبْدَلُ مِنَ الْمُفْرَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْبَدَلُ الْمُطَابِقُ هُوَ عَطْفُ الْبَيَانِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
بَيَانُ مَا حَسِبَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفُ مَنْصُوبًا، فَلَفْظُ سَواءً
وَحْدَهُ بَدَلٌ مِنْ كَافِ الْمُمَاثِلَةِ، بَدَلٌ مُفْرَدٌ مِنْ مُفْرَدٍ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ فِي نَجْعَلَهُمْ
. وَهَذَا لِأَنَّ
الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: سَنَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ خَيْرًا مِنْكُمْ كَمَا كُنَّا فِي الْحَيَاةِ خَيْرًا مِنْكُمْ.
فَضَمِيرُ مَحْياهُمْ
وَضَمِيرُ مَماتُهُمْ
عَائِدَانِ لِكُلٍّ مِنَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ وَالَّذِينَ آمَنُوا عَلَى التَّوْزِيعِ، أَيْ مَحْيَا كُلٍّ مُسَاوٍ لِمَمَاتِهِ، أَيْ لَا يَتَبَدَّلُ حَالُ الْفَرِيقَيْنِ بَعْدَ الْمَمَاتِ بَلْ يَكُونُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَمَا كَانُوا فِي الْحَيَاةِ غَيْرَ أَنَ مَوْقِعَ كَافِ التَّمْثِيلِ فِي قَوْلِهِ:
كَالَّذِينَ آمَنُوا
لَيْسَ وَاضِحَ الْمُلَاقَاةِ لِحُسْبَانِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسَلَّطِ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا حَسِبُوا أَنْ يَكُونُوا بَعْدَ الْمَمَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الْبَعْثِ
أَوِ الْحَسَدُ عَلَى إِنْكَارِ حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّسُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى مَنَافِعِهِمْ. وَتَقْدِيمُ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْأَرْضِ بِاعْتِبَارِهَا آيَات كَثِيرَة.
[٢١]
[سُورَة الذاريات (٥١) : آيَة ٢١]
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)
عَطْفٌ عَلَى فِي الْأَرْضِ [الذاريات: ٢٠]. فَالتَّقْدِيرُ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيَاتٌ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.
تَفْرِيعًا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ فَيُقَدَّرُ الْوَقْفُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ. وَلَيْسَ الْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِ تُبْصِرُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِأَنَّ وُجُودَ الْفَاءِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ إِذْ يَصِيرُ الْكَلَامُ مَعْطُوفًا بِحَرْفَيْنِ.
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الْإِبْصَارِ لِلْآيَاتِ.
وَالْإِبْصَارُ مُسْتَعَارٌ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، أَيْ كَيْفَ تَتْرُكُونَ النَّظَرَ فِي آيَاتٍ كَائِنَةٍ فِي أَنْفُسِكُمْ.
وَتَقْدِيمُ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِالنَّظَرِ فِي خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ وَلِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ.
وَالْمَعْنَى: أَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُمْ: كَيْفَ أَنْشَأَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَاءٍ وَكَيْفَ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَيْسَ كُلُّ طَوْرٍ هُوَ إِيجَادَ خَلْقٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلُ. فَالْمَوْجُودُ فِي الصَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ حِينَ كَانَ جَنِينًا. وَالْمَوْجُودُ فِي الْكَهْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِينَ كَانَ غُلَامًا وَمَا هِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ إِلَّا مَخْلُوقَاتٌ مُسْتَجَدَّةٌ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَكَذَلِكَ إِنْهَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَهَذَا التَّكْوِينُ الْعَجِيبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْإِيجَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِ مُكَوِّنِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيجَادِ مِثْلِ الْإِنْسَانِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ بَوَاطِنَ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَظَوَاهِرَهَا عَجَائِبُ مِنَ الِانْتِظَامِ وَالتَّنَاسُبِ وَأَعْجَبُهَا خَلْقُ الْعَقْلِ وَحَرَكَاتِهِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي وَخَلْقُ النُّطْقِ وَالْإِلْهَامُ إِلَى اللُّغَةِ وَخَلْقُ الْحَوَاسِّ وَحَرَكَةُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَانْتِسَاقُ الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ وَتَفَاعُلُهَا وَتَسْوِيَةُ الْمَفَاصِلِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٥٧- سُورَةُ الْحَدِيدِ
هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ «سُورَةَ الْحَدِيدِ»، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّارِ أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَإِذَا صَحِيفَةٌ فِيهَا أَوَّلُ سُورَةِ الْحَدِيدِ [٧] فَقُرَأَهُ حَتَّى بَلَغَ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَأَسْلَمَ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَفِي كُتُبِ السُّنَّةِ، لِوُقُوعِ لَفْظِ «الْحَدِيدِ» فِيهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الْحَدِيد: ٢٥].
وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٩٦] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ وَهِيَ سَابِقَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى سُورَةِ الْحَدِيدِ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَلَمْ تُسَمَّ بِهِ لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ الْكَهْفِ لِلِاعْتِنَاءِ بِقِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ، وَلِأَنَّ الْحَدِيدَ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا مُرَادٌ بِهِ حَدِيدُ السِّلَاحِ مِنْ سُيُوفٍ وَدُرُوعٍ وَخُوَذٍ، تنويها بِهِ إِذْ هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِ مَادَّتِهِ وَإِلْهَامِ النَّاسِ صَنَعَهُ لِتَحْصُلَ بِهِ مَنَافِعُ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ وَدِفَاعِ الْمُعْتَدِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الْحَدِيد: ٢٥].
وَفِي كَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً أَوْ مَكِّيَّةً اخْتِلَافٌ قَوِيٌّ لَمْ يُخْتَلَفْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مَدَنِيَّةٌ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النَّقَاشِ: أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ صَدْرَهَا مَكِّيٌّ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الْحَدِيد: ١٦] إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةً.
وَهَذَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنِ ابْتِدَاءِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَيُصَارُ إِلَى
غَيْرَهُ فَيَغْلِبُهُ الْغَيْرُ وَيَكْشِفُ أَمْرَهُ.
فَالْإِظْهَارُ هُنَا مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنَى الِانْتِصَارِ. وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الظُّهُورِ ضِدَّ الْخَفَاءِ، لِأَنَّهُ لَا
يَتَعَدَّى بِحَرْفِ (عَلَى).
وَضَمِيرُ عَلَيْهِ عَائِد إِلَى الْإِنْبَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَبَّأَتْ بِهِ أَوْ عَلَى الْحَدِيثِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: نَبَّأَتْ بِهِ تَقْدِيرُهُ: أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى إِفْشَائِهِ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ إِلَى عِنَايَةِ الله بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتِصَارِهِ لَهُ لِأَنَّ إِطْلَاعَهُ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مِمَّا يُهِمُّهُ، عِنَايَةٌ وَنُصْحٌ لَهُ.
وَهَذَا حَاصِلُ الْمَعْنَى الثَّالِثِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْآيَاتُ وذكرناها آنِفا.
ومعفول عَرَّفَ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، أَيْ عَرَّفَهَا بَعْضَهُ، أَيْ بَعْضَ مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ تَعْرِيفِهَا بِبَعْضِهِ. وَالْحَدِيثُ يَحْتَوِي عَلَى أَشْيَاءَ: اخْتِلَاءُ النَّبِيءِ بِسُرِّيَّتِهِ مَارِيَةَ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَتَنَاوُلُهُ الْعَسَلَ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ، وَتَحْرِيمُهُ الْعَوْدَةَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا قَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كَلَامٌ فِي وَصْفِ عُثُورِ حَفْصَةِ عَلَى ذَلِكَ بَغْتَةً، أَوْ فِي التَّطَاوُلِ بِأَنَّهَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُرِيحَهُنَّ مِنْ مَيْلِهِ إِلَى مَارِيَةَ. وَإِنَّمَا عرّفها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ لِيُوقِفُهَا عَلَى مُخَالَفَتِهَا وَاجِبَ الْأَدَبِ مِنْ حَفْظِ سِرِّ زَوْجِهَا.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الرَّابِعُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي سَبَقَتْ إِشَارَتِي إِلَيْهَا.
وإعراض الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَعْرِيفِ زَوْجِهِ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ مِنْ كرم خلقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُعَاتَبَةِ الْمُفْشِيَةِ وَتَأْدِيبِهَا إِذْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِأَنْ يُعْلِمَ بَعْضَ مَا أَفْشَتْهُ فَتُوقِنَ أَنَّ اللَّهَ يَغَارُ عَلَيْهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: مَا زَالَ التَّغَافُلُ مِنْ فِعْلِ الْكِرَامِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَقْصُودِ بِقَلْبِ الْعِتَابِ مِنْ عِتَابٍ إِلَى تَقْرِيعٍ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الْخَامِسُ مِنْ مَقَاصِدِ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا.
وَقَوْلُهَا: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ثِقَتِهَا بِأَنَّ عَائِشَةَ لَا تُفْشِي سِرَّهَا وَعَلِمَتْ أَنَّهُ لَا قبل للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ عَائِشَةَ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ فَرَامَتِ التَّحَقُّقَ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ.
فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ وَيَوْمٌ بِجُودٍ تَطْرُدُ الْفَقْرَ وَالْجَدْبَا
فَالْوُجُوهُ النَّاضِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالنَّضْرَةِ (بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الضَّادِ) وَهِيَ حُسْنُ الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ النِّعْمَةِ وَالْفَرَحِ، وَفِعْلُهُ كَنَصَرَ وَكَرُمَ وَفَرِحَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: نَاضِرٌ وَنَضِيرٌ وَنَضِرٌ، وَكُنِّيَ بِنَضْرَةِ الْوُجُوهِ عَنْ فَرَحِ أَصْحَابِهَا وَنَعِيمِهِمْ، قَالَ تَعَالَى فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ فِي النَّفْسِ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ.
وَأَخْبَرَ عَنْهَا خَبَرًا ثَانِيًا بِقَوْلِهِ: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَظَاهِرُ لَفْظِ ناظِرَةٌ أَنَّهُ مِنْ نَظَرَ بِمَعْنَى: عَايَنَ بِبَصَرِهِ إِعْلَانًا بِتَشْرِيفِ تِلْكَ الْوُجُوهِ أَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى نَظَرًا خَاصًّا لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ مَنْ يَكُونُ دُونَ رُتَبِهِمْ، فَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ بِإِجْمَالِهِ ثَابِتٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَقَدْ أَيَّدَتْهَا الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا».
وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ»
وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا».
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ».
فَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ بِأَبْصَارِهِمْ رُؤْيَةً مُتَعَلِّقَةً بِذَاتِ اللَّهِ عَلَى الْإِجْمَال دلَالَة ظنية لِاحْتِمَالِهَا تَأْوِيلَاتٍ تَأَوَّلَهَا الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ رُؤْيَةُ جَلَالِهِ وَبَهْجَةُ قُدُسِهِ الَّتِي لَا تُخَوَّلُ رُؤْيَتُهَا لِغَيْرِ أَهْلِ السَّعَادَةِ.
وَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى وَكَمَا عَلِمْتَ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي
وَجُمْلَةُ: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ من الْإِنْسانَ [الْبَلَد: ٤] وَذَلِكَ مِنَ الْكَبَدِ.
وَجُمْلَةُ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَداً يَصْدُرُ مِنْهُ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ رَاجَ كَذِبُهُ، عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ نَاسٍ يَطَّلِعُونَ عَلَى كَذِبِهِ قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ وَتَوْبِيخٌ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِدَخِيلَتِهِ وَأَنَّ افْتِخَارَهُ بِالْكَرَمِ بَاطِلٌ.
ولُبَداً بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ جَمْعُ لُبْدَةٍ بِضَمِّ اللَّامِ وَهِيَ مَا تَلَبَّدَ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ، أَيْ تَجَمَّعَ وَالْتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ لُبَّدًا بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ عَلَى أَنه جمع لَا بُد بِمَعْنَى مُجْتَمِعٍ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مثل: صيّم وقوّم، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ عَلَى زِنَةِ فُعَّلٍ مِثْلُ زُمَّلٍ لِلْجَبَانِ وجبّإ للضعيف.
[٨- ١٠]
[سُورَة الْبَلَد (٩٠) : الْآيَات ٨ إِلَى ١٠]
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)
تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ فِي قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [الْبَلَد: ٥] أَوْ قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [الْبَلَد: ٧] أَيْ هُوَ غَافِلٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الدَّالِّ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ خَلَقَ مَشَاعِرَ الْإِدْرَاكِ الَّتِي مِنْهَا الْعَيْنَانِ، وَخَلَقَ آلَاتِ الْإِبَانَةِ وَهِيَ اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفِيضُ الْعِلْمِ عَلَى النَّاسِ غَيْرَ قَادِرٍ وَغَيْرَ عَالِمٍ بِأَحْوَالِهِمْ قَالَ تَعَالَى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الْملك: ١٤].
وَالِاسْتِفْهَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا وَأَنْ يَكُونَ إِنْكَارِيًّا.


الصفحة التالية
Icon