الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ فَاتَّسَعَ الْمَجَالُ لِدَعْوَةِ الْمُنْصِفِينَ إِلَى عِبَادَةِ الرَّبِّ الْحَقِّ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. وَتَخَلَّصَ إِلَى صِفَةِ بَدْءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ أَصْنَامُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَهَا مِنْ صَالِحِي قَوْمِ نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمِنَّةً عَلَى النَّوْعِ بِتَفْضِيلِ أَصْلِهِمْ عَلَى مَخْلُوقَاتِ هَذَا الْعَالَمِ، وَبِمَزِيَّتِهِ بِعِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ أَهْلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَكَيْفَ نَشَأَتْ عَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ لَهُ وَلِنَسْلِهِ، لِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السَّامِعِينَ لِاتِّهَامِ شَهَوَاتِهَا وَلِمُحَاسَبَتِهَا عَلَى دَعَوَاتِهَا. فَهَذِهِ الْمِنَّةُ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا كَانَتْ مُنَاسِبَةً لِلتَّخَلُّصِ إِلَى مِنَّةٍ عُظْمَى تَخُصُّ الْفَرِيقَ الرَّابِعَ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ مُقَاوَمَةً لِهُدَى الْقُرْآنِ، وَأَنْفَذُ الْفِرَقِ قَوْلًا فِي عَامَّةِ الْعَرَبِ لِأَنَّ أَهْلَ
الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَمَظِنَّةُ اقْتِدَاءِ الْعَامَّةِ لَهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [الْبَقَرَة: ٤٠] الْآيَاتِ فَأَطْنَبَ فِي تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ وَأَيَّامِهِ لَهُمْ، وَوَصَفَ مَا لَاقَوْا بِهِ نِعَمَهُ الْجَمَّةَ مِنَ الِانْحِرَافِ عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ انْحِرَافًا بَلَغَ بِهِمْ حَدَّ الْكُفْرِ وَذَلِكَ جَامِعٌ لِخُلَاصَةِ تَكْوِينِ أُمَّةِ إِسْرَائِيلَ وَجَامِعَتُهُمْ فِي عَهْدِ مُوسَى، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ أَهَمِّ أَحْدَاثِهِمْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَفَوْا مُوسَى إِلَى أَنْ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ بِالْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ حَتَّى عَلَى الْمَلَكِ جِبْرِيلَ، وَبَيَانِ أَخْطَائِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْقِي فِي النُّفُوسِ شَكًّا فِي تَأَهُّلِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ نَمُوذَجًا مِنْ أَخْلَاقِهِمْ مِنْ تَعَلُّقِ الْحَيَاةِ: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [الْبَقَرَة: ٩٦]، ومحاولة الْعَمَل بالحسر وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ إِلَخ [الْبَقَرَة: ١٠٢] وَأَذَى النَّبِيءِ بِمُوَجَّهِ الْكَلَامِ لَا تَقُولُوا راعِنا [الْبَقَرَة: ١٠٤].
ثُمَّ قُرِنَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ فِي قَرْنِ حَسَدِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَالسُّخْطِ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْجَدِيدَةِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْبَقَرَة: ١٠٥- ١١٢]، ثُمَّ مَا أُثِيرَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَادِّعَاءُ كُلِّ فَرِيقٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُحِقُّ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ إِلَى يَخْتَلِفُونَ [الْبَقَرَة: ١١٣] ثُمَّ خُصَّ الْمُشْرِكُونَ بِأَنَّهُمْ أَظْلَمُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَعَوْا بِذَلِكَ فِي خَرَابِهِ وَأَنَّهُمْ تَشَابَهُوا فِي ذَلِكَ هُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَاتَّحَدُوا فِي كَرَاهِيَةِ الْإِسْلَامِ.
وَانْتَقَلَ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ إِلَى فَضَائِلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبَانِيهِ، وَدَعْوَتِهِ لِذُرِّيَّتِهِ بِالْهُدَى،
فَزَعَمَ أَنَّ آيَاتٍ مُتَقَارِنَةً بَعْضَهَا نَسَخَ بَعْضًا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْآيَاتِ الْمُتَقَارِنَةَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ نَزَلَتْ كَذَلِكَ وَمَعَ مَا فِي هَاتِهِ الْآيَاتِ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ الْمَانِعَةِ مِنْ دَعْوَى كَوِنِ بَعْضِهَا قَدْ نَزَلَ مُسْتَقِلًّا عَنْ سَابِقِهِ وَلَيْسَ هُنَا مَا يُلْجِئُ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُفْرَدَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّرَاكِيبِ الْبَلَاغِيَّةِ وَأَعْرَضَ عَنْ بَيَانِ الْمَعَانِي الْحَاصِلَةِ مِنْ مَجْمُوعِ هَاتِهِ الْآيَاتِ.
وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ لِلْمُقَاتِلِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَمْ يَعْبَأْ بِمَا جَعَلَهُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ مِنَ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ حُرْمَةُ نِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ قِتَالُ الْكُفَّارِ عِنْدَهُ قِتَالًا لِمَنْعِ النَّاسِ مِنْهُ وَمُنَاوَاةً لِدِينِهِ فَقَدْ صَارُوا غَيْرَ مُحْتَرِمِينَ لَهُ وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا بِقِتَالِهِمْ هُنَالِكَ تَأْيِيدًا لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) ثَلَاثَتُهَا بِأَلِفٍ بَعْدَ الْقَافِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ) بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدَ
الْقَافِ، فَقَالَ الْأَعْمَشُ لِحَمْزَةَ أَرَأَيْتَ قِرَاءَتَكَ هَذِهِ كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ قَاتِلًا بَعْدَ أَنْ صَارَ مَقْتُولًا؟ فَقَالَ حَمْزَةُ: إِنَّ الْعَرَبَ إِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ قَالُوا قتلنَا اهـ يُرِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنَ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ:

غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَنْ تُقَتَّلَ عَامِرٌ يَوْمَ النِّسَارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ
وَالْمَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ فَإِنْ قَتَلُوا بَعْضَكُمْ فَاقْتُلُوا مَنْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ (قَتَلُوا) إِلَى ضَمِيرِ جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِمَعْنَى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسْنِدُ فِعْلَ بَعْضِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْمِلَّةِ أَوِ الْفِرْقَةِ لِمَا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِهَا مِنْ ضَمِيرٍ كَمَا هُنَا أَوِ اسْمٍ ظَاهِرٍ نَحْوَ قَتَلَتْنَا بَنُو أَسَدٍ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْقَتْلُ فَيَشْمَلُ الْقَتْلَ بِاشْتِبَاكِ حَرْبٍ وَالْقَتْلُ بِدُونِ مَلْحَمَةٍ.
وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ بِالنَّصِّ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْلِ الْمُحَارِبِ إِذَا حَارَبَ فِي الْحَرَمِ أَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مُقَاتَلَةٌ فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَى مَكَّةَ عَدُوٌّ وَقَالَ: لَا أُقَاتِلُكُمْ وَأَمْنَعُكُمْ مِنَ الْحَجِّ وَلَا أَبْرَحُ مِنْ مَكَّةَ لَوَجَبَ قِتَالُهُ وَإِنْ لم يبْدَأ بِالْقِتَالِ نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادَ مِنْ مَالِكِيَّةِ الْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الْبَقَرَة: ١٩٣].
مُكَابَرَةٍ فِي تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، وَلَا إِعْرَاضٍ عَنْهَا بِدَاعِي الْهَوَى وَهُوَ الْإِفْحَامُ، بِحَيْثُ يَكُونُ عِلْمُهُ بِمُرَادِ اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ هُوَ ضَالَّتُهُ الْمَنْشُودَةُ.
الْخَامِسُ: امْتِثَالُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ، عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ الصَّادِقِينَ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى اتِّبَاعِ ذَلِكَ بِدُونِ تَغْيِيرٍ وَلَا تَحْرِيفٍ، وَأَنْ يَذُودَ عَنْهُ مَنْ يُرِيدُ تَغْيِيرَهُ.
السَّادِسُ: أَلَّا يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ حُكْمًا مَعَ اللَّهِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، فَلَا يَتَصَدَّى لِلتَّحَكُّمِ فِي قَبُولِ بَعْضِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَبْذِ الْبَعْضِ. كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النُّور: ٤٨، ٤٩]، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٣٦]، فَقَدْ أَعْرَضَ الْكُفَّارُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا مَيِّتًا بُعِثَ.
السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَطَلِّبًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى جَرْيِهِ فِيهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ: بِتَطَلُّبِهِ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِنَظَائِرِهِ التَّامَّةِ التَّنْظِيرِ بِمَا عُلِمَ أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النِّسَاء: ٨٣] وَلِهَذَا أَدْخَلَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ حُكْمَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالِاجْتِهَادِ، تَحْتَ التَّقْوَى الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغبن: ١٦].
الثَّامِنُ: الْإِعْرَاضُ عَنِ الْهَوَى الْمَذْمُومِ فِي الدِّينِ، وَعَنِ الْقَوْلِ فِيهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ:
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [الْقَصَص: ٥٠].
التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ مُعَامَلَةُ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَجَمَاعَاتِهَا، وَمُعَامَلَتُهَا الْأُمَمَ كَذَلِكَ، جَارِيَةً عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ الْمُعَامَلَاتِ.
الْعَاشِرُ: التَّصْدِيقُ بِمَا غُيِّبَ عَنَّا، مِمَّا أَنْبَأَنَا اللَّهُ بِهِ: مِنْ صِفَاتِهِ، وَمِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ الْمُطْلَقُ.
وَقَوْلُهُ: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ إِبْطَالٌ لِكَوْنِهِمْ حَاصِلِينَ عَلَى
هَذَا الْمَعْنَى، فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَبُعْدُهمْ عَنْهُ أَشَدَّ الْبُعْدِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ أَلَّهُوا عِيسَى، وَجَعَلُوا مَرْيَمَ صَاحِبَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَهَذَا أَصْلٌ لِبُطْلَانِ أَنْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ لَيْسَ هَذَا تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِلتَّسَاوِي فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِضَمَائِرِ الْمُخَاطَبِينَ أَيْ أَنْتُمْ فِي عِنَايَتِي بِأَعْمَالِكُمْ سَوَاءٌ، وَهُوَ قَضَاءٌ لِحَقِّ مَا لَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُتَسَاوِينَ فِيهَا، لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِبِسَاطِ تَمْيِيزِ الْمُهَاجِرِينَ بِفَضْلِ الْهِجْرَةِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ: فَالَّذِينَ هاجَرُوا، الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ: فَالَّذِينَ هاجَرُوا تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ وَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْخَاصِّ، وَاشْتَمَلَ عَلَى بَيَانِ مَا تَفَاضَلُوا فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ الْهِجْرَةُ الَّتِي فَازَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ.
وَالْمُهَاجَرَةُ: هِيَ تَرْكُ الْمَوْطِنِ بِقَصْدِ اسْتِيطَانِ غَيْرِهِ، وَالْمُفَاعَلَةُ فِيهَا لِلتَّقْوِيَةِ كَأَنَّهُ هَجَرَ قَوْمَهُ وَهَجَرُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْرِصُوا عَلَى بَقَائِهِ، وَهَذَا أَصْلُ الْمُهَاجَرَةِ أَنْ تَكُونَ لِمُنَافَرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَهِيَ تَصْدُقُ بِهِجْرَةِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَبِهِجْرَةِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَعُطِفَ قَوْلُهُ: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ عَلَى هاجَرُوا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ فِي هَاجَرَ أَيْ هَاجَرُوا مُهَاجِرَةً لَزَّهُمْ إِلَيْهَا قَوْمُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ أَمْ بِالْإِلْجَاءِ، مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْمُعَامَلَةِ، وَلَقَدْ هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ الْهِجْرَةَ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَة لما
لَا قوه مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِجْرَتَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْتَحَقَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، لِمَا لَاقَوْهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ. وَلَا يُوجَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ، وَكَيْفَ وَاخْتِفَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَدُلُّ عَلَى حِرْصِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى صَدِّهِ عَنِ الْخُرُوجِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ كَعْبٍ:
فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
أَيْ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ فَكُلُّ مَا وَرَدَ مِمَّا فِيهِ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ الْإِلْجَاءُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَمِنْهُ قَوْلُ وَرَقَةَ ابْن نَوْفَلٍ:
«يَا لَيْتَنِي أَكُونُ مَعَكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ»،
وَقَوْلُ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: «أَو مخرجيّ هُمْ؟ فَقَالَ: مَا جَاءَ نَبِيءٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ
الدُّعَاءِ بُعْدًا. وَسِيَاقُ هَذِهِ الْآيَةِ كَسِيَاقِ أُخْتِهَا فِي قَوْلِهِ: فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الْأَعْرَاف: ١٣- ١٦] الْآيَةَ فَكُلُّهَا أَخْبَارٌ. وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ خَلْقِ الْبَشَرِ مِنْ تَنَافُرِ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ لِأَحْوَالِ الْبَشَرِ، وَنَشْأَةِ الْعَدَاوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنَافُرِ، وَمَا كَوَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصَالِحِ الْبَشَرِ أَنْ تَنَالَهَا الْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةُ نَوَالَ إِهْلَاكٍ بِحِرْمَانِ الشَّيَاطِينِ مِنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ مُدَاخَلَتِهِمْ فِي مَوَاقِعِ الصَّلَاحِ، إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَنْتَهِزُ تِلْكَ الْقُوَى مِنْ فَرْضِ مَيْلِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ إِلَى الْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةِ وَانْجِذَابِهَا، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّيَاطِينُ فِيهَا عَمَلَهَا، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [الْحجر: ٤١، ٣٢]. وَتِلْكَ أَلْطَافٌ مِنَ اللَّهِ أَوْدَعَهَا فِي نِظَامِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِهَا الصَّلَاحُ عَلَى جَمَاعَةِ الْبَشَرِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَبَقِيَ مَعَهَا مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطَانُ مَنَازِعَهُ وَكَّلَ اللَّهُ أَمْرَ الذِّيَادِ عَنْهُ إِلَى إِرَادَةِ الْبَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ بِوَاسِطَةِ الشَّرَائِعِ وَالْحِكْمَةِ.
فَمَعْنَى الْحِكَايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي الشَّيْطَانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَيْقَنَ بِمُقْتَضَاهُ أَنَّ فِيهِ الْمَقْدِرَةَ عَلَى فِتْنَةِ الْبَشَرِ وَتَسْخِيرِهِمْ، وَكَانَتْ فِي نِظَامِ الْبَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ فِي خِلَالِهَا آثَارُ فِتْنَةِ الشَّيْطَانِ، فَذَلِكَ هُوَ النَّصِيبُ الْمَفْرُوضُ، أَيِ الْمَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ: مِنْ عِبادِكَ إِنْكَارًا مِنَ الشَّيْطَانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، وَلَكِنَّهَا جَلَافَةُ الْخِطَابِ النَّاشِئَةُ عَنْ خَبَاثَةِ التَّفْكِيرِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي جِبِلَّتِهِ، حَتَّى لَا يَسْتَحْضِرَ الْفِكْرَ مِنَ الْمَعَانِي الْمَدْلُولَةِ إِلَّا مَا لَهُ فِيهِ هَوًى، وَلَا يَتَفَطَّنُ إِلَى مَا يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الْغِلْظَةِ، وَلَا إِلَى مَا يَفُوتُهُ مِنَ الْأَدَبِ وَالْمَعَانِي الْجَمِيلَةِ، فَكُلُّ حَظٍّ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْبَشَرِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْمَعْنَوِيَّةِ: كَالْعَقَائِدِ وَالتَّفْكِيرَاتِ الشِّرِّيرَةِ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمُ الْمَحْسُوسَةِ: كَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَالْإِعْلَانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطَانِ: كَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالتَّقْرِيبِ لَهَا، وَإِعْطَاءِ أَمْوَالِهِمْ لِضَلَالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ.
وَمَعْنَى وَلَأُضِلَّنَّهُمْ إِضْلَالُهُمْ عَنِ الْحَقِّ. وَمَعْنَى: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ لَأَعِدَنَّهُمْ مَوَاعِيدَ كَاذِبَةً، أُلْقِيهَا فِي نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهُمْ يَتَمَنَّوْنَ، أَيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الْوَاقِعِ وَاقِعًا، إِغْرَاقًا،
خِلَافَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ (وَعَلَى هَذَا فَالتَّخْيِيرُ
الَّذِي فِي الْآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ). وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَالنِّزَاعِ فِي الطَّلَاقِ وَالْمُعَامَلَاتِ.
فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: حُكْمُ هَذَا التَّخْيِيرِ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَقَالُوا: الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الرَّجْمِ (الَّتِي رَوَاهَا مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» وَالْبُخَارِيُّ وَمن بَعْدِهِ) وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودِيًّا زَنَى بِامْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ، فَقَالَ جَمِيعُهُمْ: لِنَسْأَلْ مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ. فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: كَانَ الْيَهُودُ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أَهْلَ مُوَادَعَةٍ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ، فَالتَّخْيِيرُ بَاقٍ مَعَ أَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ ذِمَّةِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي ذِمَّةِ الْإِسْلَامِ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، لِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ كَانَا مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ أَوْ فَدَكَ وَهُمَا يَوْمَئِذٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فِي مُوَادَعَةٍ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هَذَا التَّخْيِيرُ عَامٌّ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيْضًا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ مَالِكٌ: الْإِعْرَاضُ أَوْلَى. وَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِي الْحُدُودِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: التَّخْيِيرُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدُ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الْمَائِدَة: ٤٩]، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، الْخُرَاسَانِيُّ، وَيُبْعِدُهُ أَنَّ سِيَاقَ الْآيَاتِ يَقْتَضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا نَسْخًا لِأَوَّلِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أَيْ بِالْعَدْلِ. وَالْعَدْلُ: الْحُكْمُ الْمُوَافِقُ لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ نَهَى رَسُولَهُ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ لِأَنَّهَا شَرِيعَةٌ مَنْسُوخَةٌ بِالْإِسْلَامِ. وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ. وَعَلَى هَذَا فَالْقِصَّةُ الَّتِي حَكَّمُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا الرَّسُولُ عَلَى الزَّانِيَيْنِ وَلَكِنَّهُ قَصَرَ حُكْمَهُ عَلَى أَنْ بَيَّنَ لِلْيَهُودِ حَقِيقَةَ شَرْعِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا كَانُوا يَحْكُمُونَ بِهِ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ شَرْعَهُمْ وَلَا شَرْعَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حُكْمٌ عَلَى الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ كَتَمُوا. وَيَكُونُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ «الْمُوَطَّأِ» وَالْبُخَارِيِّ: أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ
حُصُولُهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَيْسَ بِمَظِنَّةِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ.
وَزِيدَتْ (كَانَ) بَعْدَ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هُوَ فِعْلُ الشَّرْطِ فِي الْمَعْنَى لِيَبْقَى فِعْلُ الشَّرْطِ عَلَى مَعْنَى الْمُضِيِّ فَلَا تُخَلِّصُهُ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةُ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ أَفْعَالِ الشُّرُوطِ بَعْدَ (إِنْ)، فَإِنْ (كَانَ) لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُضِيّ لَا تقلبه أَدَاةُ الشَّرْطِ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ.
وَالْإِعْرَاضُ الْمُعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ هُوَ الَّذِي مَضَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ [الْأَنْعَام: ٤]. وَهُوَ حَالَةٌ أُخْرَى غَيْرُ حَالَةِ التَّكْذِيبِ، وَكِلْتَاهُمَا مِنْ أَسْبَابِ اسْتِمْرَارِ كُفْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ جَوَابُ إِنْ كانَ كَبُرَ، وَهُوَ شَرْطٌ ثَانٍ وَقَعَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ الْأَوَّلِ. وَالِاسْتِطَاعَةُ: الْقُدْرَةُ. وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَ، أَيِ انْقَادَ.
وَالِابْتِغَاءُ: الطَّلَبُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٨٣]، أَيْ أَنْ تَطْلُبَ نَفَقًا أَوْ سُلَّمًا لِتَبْلُغَ إِلَى خَبَايَا الْأَرْضِ وَعَجَائِبِهَا وَإِلَى خَبَايَا السَّمَاءِ. وَمَعْنَى الطَّلَبِ هُنَا: الْبَحْثُ.
وَانْتَصَبَ نَفَقاً وسُلَّماً عَلَى الْمَفْعُولَيْنِ لِ تَبْتَغِيَ.
وَالنَّفَقُ: سِرْبٌ فِي الْأَرْضِ عَمِيقٌ.
وَالسُّلَّمُ- بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَعَ تَشْدِيدِ اللَّامِ- آلَةٌ لِلِارْتِقَاءِ تُتَّخَذُ مِنْ حَبْلَيْنِ غَلِيظَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ تَصِلُ بَيْنَهُمَا أَعْوَادٌ أَوْ حِبَالٌ أُخْرَى مُتَفَرِّقَةٌ فِي عَرْضِ الْفَضَاءِ الَّذِي بَيْنَ الْحَبْلَيْنِ مِنْ مِسَاحَةِ مَا بَيْنَ كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْأَعْوَادِ بِمِقْدَارِ مَا يَرْفَعُ الْمُرْتَقِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ إِلَى الْعُودِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْأَعْوَادُ دَرَجَاتٌ. وَيُجْعَلُ طُولُ الْحَبْلَيْنِ بِمِقْدَارِ الِارْتِفَاعِ الَّذِي يُرَادُ الِارْتِقَاءُ إِلَيْهِ. وَيُسَمَّى السُّلَّمُ مِرْقَاةً وَمِدْرَجَةً. وَقَدْ سَمَّوُا الْغَرْزَ الَّذِي يَرْتَقِي بِهِ الرَّاكِبُ عَلَى رَحْلِ نَاقَتِهِ سُلَّمًا. وَكَانُوا يَرْتَقُونَ
فِيهِ ثِقَلٌ، وَالْأَلِفُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْفَتْحَةِ الْأُولَى لَا تُعَدُّ حَاجِزًا فَعَدَلَ عَنْ فَتْحِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ إِلَى إِسْكَانِهَا». وَقَرَأَهُ الْبَقِيَّةُ- بِفَتْحِ الْيَاءِ- وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وَرْشٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْقِرَاءَةِ أَنَّ نَافِعًا رَجَعَ عَنِ الْإِسْكَانِ إِلَى الْفَتْحِ.
وَجُمْلَةُ: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّ صَلاتِي إِلَخْ. فَهَذَا مِمَّا أُمِرَ بِأَنْ يَقُولَهُ، وَحَرْفُ الْعَطْفِ لَيْسَ مِنَ الْمَقُولِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَبِذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي إِلَخْ،
أَيْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلَّهِ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ وَأَمْرٍ مِنْهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الْأَنْعَام: ١٦١] يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا هَدَاهُ أَمَرَهُ بِمَا هُوَ شُكْرٌ عَلَى تِلْكَ الْهِدَايَةِ، وَإِنَّمَا أُعِيدَ هُنَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الصَّلَاةَ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَعْقَبَهَا بِأَنَّهُ هُدًى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١١، ١٢]. وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ، وَهُوَ لَازِمُ مَعْنَاهُ، يَعْنِي قَبُولَ الْإِسْلَامِ وَالثَّبَاتَ عَلَيْهِ وَالِاغْتِبَاطَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَسْرَعَ إِلَيْهِ فَجَاءَهُ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ السَّبْقِ إِذْ يُطْلَقُ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى التَّمَكُّنِ وَالتَّرَجُّحِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
سَبَقْتَ الرِّجَالَ الْبَاهِشِينَ إِلَى الْعُلَا كَسَبْقِ الْجَوَادِ اصْطَادَ قَبْلَ الطَّوَارِدِ
لَا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَعَالِي أَقْدَمَ مَنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِي أَهْلِ الْمَعَالِي مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، وَمَنْ نَالَ الْعُلَا قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْمَمْدُوحُ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ نَوَالِ الْعُلَا وَأَصْبَحَ الْحَائِزَ لَهُ وَالثَّابِتَ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
. وَهَذَا الْمَعْنَى تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ فِي التَّنَازُلِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَوْ أَقَلَّ تَنَازُلٍ. وَمِنِ اسْتِعْمَالِ (أَوَّلُ)
وَالصِّدْقُ مِنَ الْأَمَانَةِ، لِأَنَّ الْكَذِبَ الْخَبَرُ بِأَمْرٍ غَيْرِ وَاقِعٍ فِي صُورَةٍ تُوهِمُ السَّامِعَ وَاقِعٌ، فَذَلِكَ خِيَانَةٌ لِلسَّامِعِ، وَالصِّدْقُ إِبْلَاغُ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ كَمَا هُوَ فَهُوَ أَدَاءٌ لِأَمَانَةِ مَا عَلِمَهُ الْمُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ أَمِينٌ وَصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفَاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِنْ قَوْمِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِبْطَالُ كَوْنِهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَتَقْدِيمُ لَكُمْ عَلَى عَامِلِهِ لِلْإِيذَانِ بِاهْتِمَامِهِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ.
[٦٩]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٦٩]
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ.
هَذَا مُمَاثِلٌ قَوْلَ نُوحٍ لِقَوْمِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا سَبَبُ الْمُمَاثَلَةِ. وَتَقَدَّمَ مِنْ قَبْلُ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ.
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
يَجُوزُ أَنْ يكون قَوْله: لِيُنْذِرَكُمْ عَطْفًا عَلَى قَوْله: اعْبُدُوا [الْأَعْرَاف: ٦٥] وَيَكُونَ مَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضًا حُكِيَ بِهِ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ الَّتِي قَاطَعُوهُ بِهَا عَقِبَ قَوْلِهِ لَهُمُ اعْبُدُوا اللَّهَ [الْأَعْرَاف: ٦٥]، فَلَمَّا أَتَمَّ جَوَابَهُمْ عَمَّا قَاطَعُوا بِهِ كَلَامَهُ عَادَ إِلَى دَعْوَتِهِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا إِلَى الدَّعْوَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ أَيْ: لَا تُنْكِرُوا أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، فَيَكُونُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِدْلَالِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْمَآلُ وَاحِدٌ، وَانْتَقَلَ مِنْ أَمْرِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ إِلَى تَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي لَا يُنْكِرُونَ أَنَّهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ. تَذْكِيرًا مِنْ شَأْنِهِ إِيصَالُهُمْ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ
وَمِنْ بَدِيعِ الْإِيجَازِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ثَقُلَتْ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ الدَّالِّ عَلَى مَكَانِ حُلُولِ الْفِعْلِ، وَحَذْفُ مَا حَقُّهُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ وَهُوَ حَرْفُ (إِلَى) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ،
لِيَعُمَّ كُلَّ مَا تَحْوِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِمَّا يَقع عملية عملية الثِّقَلُ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ.
وَجُمْلَةُ: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ جَاءَتْ تَكْمِلَةً لِلْإِخْبَارِ عَنْ وَقْتِ حُلُولِ السَّاعَةِ، لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بَغْتَةً يُحَقِّقُ مَضْمُونَ الْإِخْبَارِ عَنْ وَقْتِهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ إِلَّا لِلَّهِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُظْهِرِهِ لِأَحَدٍ، فَدَلَّ قَوْلُهُ: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ إِظْهَارِ وَقْتِهَا انْتِفَاءٌ مُتَوَغِّلٌ فِي نَوْعِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِأَحَدٍ بِحُلُولِهَا بِالْكُنْهِ وَلَا بِالْإِجْمَالِ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ لَهَا مِنْ أَمَارَاتٍ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنْ أَمَارَاتِهَا فَلَا يُنَافِي إِتْيَانَهَا بَغْتَةً، لِأَنَّ تِلْكَ الْأَمَارَاتِ مُمْتَدَّةُ الْأَزْمَانِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مَعَهَا تَهَيُّؤٌ لِلْعِلْمِ بِحُلُولِهَا.
وَ «الْبَغْتَةُ» مَصْدَرٌ عَلَى زِنَةِ الْمَرَّةِ مِنَ الْبَغْتِ وَهُوَ الْمُفَاجَأَةُ أَيِ الْحُصُولُ بِدُونِ تَهَيُّؤٍ لَهُ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فِي سُورَةِ الْأَنْعَام [٣١].
وَجُمْلَة: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها مُؤَكدَة لجملة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ وَمُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ سُؤَالِهِمْ فَلِذَيْنِكَ فُصِلَتْ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ السُّؤَالِ لِعِلْمِهِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى.
وحَفِيٌّ فَعِيلٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مُشْتَقًّا مِنْ حَفِيٍّ بِهِ، مِثْلِ غَنِيٍّ فَهُوَ غَنِيٌّ إِذَا أَكْثَرَ السُّؤَالَ عَنْ حَالِهِ تَلَطُّفًا، وَيَكُونُ الْمَعْنَى كَأَنَّكَ أَكْثَرْتَ السُّؤَالَ عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى عَلِمْتَهُ، فَيَكُونُ وَصْفُ حَفِيٌّ كِنَايَةً عَنِ الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ، لِأَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ تَقْتَضِي حُصُولَ الْعِلْمِ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فُسِّرَ فِي «الْكَشَّافِ» فَهُوَ مِنَ الْكِنَايَةِ بِالسُّؤَالِ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ السُّؤَالَ سَبَبُ الْعِلْمِ، كَقَوْلٍ السَّمَوْأَلِ أَوْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحَارِثِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا:
سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمُ فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ
وَقَوْلِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
الظُّرُوفُ الثَّلَاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ نَصَرَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهِيَ كَالِاعْتِرَاضِ بَيْنَ الْمُفَرَّعِ عَنْهُ وَالتَّفْرِيعِ، وَجَاءَ نَظْمُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا السَّبْكِ الْبَدِيعِ لِلْمُبَادَأَةِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ حَصَلَ فِي أَزْمَانٍ وَأَحْوَالٍ مَا كَانَ النَّصْرُ لِيَحْصُلَ فِي أَمْثَالِهَا لِغَيْرِهِ لَوْلَا عِنَايَةُ اللَّهِ بِهِ، وَأَنَّ نَصْرَهُ كَانَ مُعْجِزَةً خَارِقًا لِلْعَادَةِ.
وَبِهَذَا الْبَيَانِ تَنْدَفِعُ الْحَيْرَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، حَتَّى أَغْرَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَأَرْجَعَ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ فِي أَيَّدَهُ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَشَأَ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ، وَانْفِكَاكُ الْأُسْلُوبِ بِذِكْرِ حَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لِذِكْرِ ثَبَاتِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأْيِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَمَا جَاءَ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا تَبَعًا لِذِكْرِ ثبات النبيء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَتِلْكَ الْحَيْرَةُ نَشَأَتْ عَنْ جَعْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ مُفَرَّعًا عَلَى إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ:
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها إِنَّهَا جُنُودُ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ وُقُوفٌ مَعَ ظَاهِرِ تَرْتِيبِ الْجُمَلِ، مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ أُسْلُوبِ النَّظْمِ الْمُقْتَضِي تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
وَالسَّكِينَةُ: اطْمِئْنَانُ النَّفْسِ عِنْدَ الْأَحْوَالِ الْمَخُوفَةِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
ذِكْرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٨].
وَالتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ وَالنَّصْرُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الْيَدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧].
وَالْجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ بِمَعْنَى الْجَيْشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٩]، وَتَقَدَّمَ آنِفًا فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجُنُودِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ أَلْقَوُا الْحَيْرَةَ فِي نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ فَصَرَفُوهُمْ عَنِ اسْتِقْصَاءِ الْبَحْثِ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِكْثَارِ الطّلب وَرَاءه والترصّد لَهُ فِي الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ وَالسُّبُلِ الْمُوَصِّلَةِ، لَا سِيَّمَا وَمِنَ الظَّاهِرِ أَنَّهُ قَصَدَ يَثْرِبَ مُهَاجَرَ أَصْحَابِهِ، وَمَدِينَةَ أَنْصَارِهِ، فَكَانَ سَهْلًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْصُدُوا لَهُ طُرُقَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ بِهِمْ يَحِقُّ لَهُمْ أَنْ يَفْرَحُوا بِهِمَا، وَأَنْ يقدروا قدر نعمتها، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا
نِعْمَةٌ تَفُوقُ نِعْمَةَ الْمَالِ الَّتِي حُرِمَ مِنْهَا أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمُنِحَهَا أَكْثَرُ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ حَقِيقَةً بِأَنْ تُفْتَتَحَ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ.
وَجِيءَ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْجُمْلَةِ الْمُفَرَّعَةِ وَالْجُمْلَةِ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهَا تَنْوِيهًا بِالْجُمْلَةِ الْمُفَرَّعَةِ، بِحَيْثُ يُؤْمَرُ الرَّسُولُ أَمْرًا خَاصًّا بِأَنْ يَقُولَهَا وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَا يُنَزَّلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَأْمُورًا بِأَنْ يَقُولَهُ.
وَتَقْدِيرُ نَظْمِ الْكَلَامِ: قُلْ لَهُمْ فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ بِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا.
فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَفْرَحُوا فَاءُ التَّفْرِيعِ، وبِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ مَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ فَلْيَفْرَحُوا قُدِّمَ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِإِفَادَةِ الْقَصْرِ، أَيْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ تَعْرِيضِيٌّ بِالرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ابْتَهَجُوا بِعَرَضِ الْمَالِ فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: فَبِذلِكَ لِلْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَاخْتِيرَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّنْوِيهِ وَالتَّعْظِيمِ مَعَ زِيَادَةِ التَّمْيِيزِ وَالِاخْتِصَارِ. وَلَمَّا قَصَدَ تَوْكِيدَ الْجُمْلَةِ كُلَّهَا بِمَا فِيهَا مِنْ صِيغَةِ الْقَصْرِ قَرَنَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِالْفَاءِ تَأْكِيدًا لِفَاءِ التَّفْرِيعِ الَّتِي فِي فَلْيَفْرَحُوا لِأَنَّهُ لَمَّا قُدِّمَ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ قُرِنَ بِالْفَاءِ لِإِظْهَارِ التَّفْرِيعِ فِي ابْتِدَاءِ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ حُذِفَ فِعْلُ (لِيَفْرَحُوا) فَصَارَ مُفِيدًا مُفَادَ جُمْلَتَيْنِ مُتَمَاثِلَتَيْنِ مَعَ إِيجَازٍ بَدِيعٍ. وَتَقْدِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ لَا سِوَاهُمَا فَلْيَفْرَحُوا بِذَلِكَ لَا سِوَاهُ.
وَالْفَرَحُ: شِدَّةُ السُّرُورِ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْكَلَامَ اسْتِئْنَافًا نَاشِئًا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ. وَلَمَّا قُدِّمَ الْمَجْرُورُ وَهُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ حَصَلَ بِتَقْدِيمِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ فَقُرِنَتِ الْجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِالْفَاءِ الَّتِي تَرْبُطُ الْجَوَابَ لِقَصْدِ إِفَادَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَقَوْلِهِ
الْقَاصُّ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَحْسَنَ قَصَصِ الْقُرْآنِ حَتَّى تَكُونَ قِصَّةُ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَحْسَنَ مِنْ بَقِيَّةِ قَصَصِ الْقُرْآنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ.
وَالْبَاءُ فِي بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ نَقُصُّ، فَإِنَّ الْقَصَصَ الْوَارِدَ فِي الْقُرْآنِ كَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُ وَارِدٌ مِنَ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، فَهُوَ يُوحِي مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَحْسَنُ نَفْعًا لِلسَّامِعِينَ فِي أَبْدَعِ الْأَلْفَاظِ وَالتَّرَاكِيبِ، فَيَحْصُلُ مِنْهُ غِذَاءُ الْعَقْلِ وَالرُّوحِ وَابْتِهَاجُ النَّفْسِ وَالذَّوْقِ مِمَّا لَا تَأْتِي بِمِثْلِهِ عُقُولُ الْبَشَرِ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ التَّمْيِيزِ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ بِالتَّصْرِيحِ وَالْإِضْمَارِ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ سِتَّ مَرَّاتٍ، وَجُمِعَ لَهُ طُرُقُ التَّعْرِيفِ كُلُّهَا وَهِيَ اللَّامُ وَالْإِضْمَارُ وَالْعَلَمِيَّةُ وَالْإِشَارَةُ وَالْإِضَافَةُ.
وَجُمْلَةُ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ.
وَحَرْفُ إِنْ مُخَفَّفٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
وَجُمْلَةُ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ الْمَحْذُوفِ وَاللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى خَبَرِ كُنْتَ لَامُ الْفَرْقِ بَيْنَ إِنْ الْمُخَفَّفَةِ وَ (إِنْ) النَّافِيَةِ.
وَأُدْخِلَتِ اللَّامُ فِي خَبَرِ كَانَ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا عَنْ (إِنْ).
وَالضَّمِيرُ فِي قَبْلِهِ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ. وَالْمُرَادُ مِنْ قَبْلِ نُزُولِهِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.
وَالْغَفْلَةُ: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الذِّهْنِ إِلَى الْمَعْلُومِ، وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنَ الْغَفْلَةِ ظَاهِرٌ. وَنُكْتَةُ جَعْلِهِ مِنَ الْغَافِلِينَ دُونَ أَنْ يُوصَفَ وَحْدَهُ بِالْغَفْلَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى تَفْضِيلِهِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْقُرْآنِ فَدَخَلَ فِي هَذَا الْفَضْلِ أَصْحَابُهُ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْعِلْمِ.
وَمَفْهُومُ مِنْ قَبْلِهِ مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّعْرِيضُ بِالْمُشْرِكِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنْ هُدَى الْقُرْآن.
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمْرِهِمْ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا بِوَارِقَ عِنَايَتِهِ بِهِمْ إِذْ هَدَاهُمْ إِلَى طَرَائِقِ النَّجَاةِ وَالْخَيْرِ، وَمَبَادِئُ الْأُمُورِ تَدُلُّ عَلَى غَايَاتِهَا.
وَأَضَافُوا السُّبُلَ إِلَى ضَمِيرِهِمْ لِلِاخْتِصَارِ لِأَنَّ أُمُورَ دِينِهِمْ صَارَتْ مَعْرُوفَةً لَدَى الْجَمِيعِ فَجَمَعَهَا قَوْلُهُمْ: سُبُلَنا.
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ لِانْتِفَاءِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى اللَّهِ، أَتَوْا بِهِ فِي صُورَةِ الْإِنْكَارِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنَ اسْتِحْمَاقِ الْكُفَّارِ إِيَّاهُمْ فِي تَوَكُّلِهِمْ عَلَى اللَّهِ، فَجَاءُوا بِإِنْكَارِ نَفْيِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَمَعْنَى وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ مَا ثَبَتَ لَنَا مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ، فَاللَّامُ لِلِاسْتِحْقَاقِ.
وَزَادُوا قَوْمَهُمْ تأييسا من التأثر بِالْأَذَى فَأَقْسَمُوا عَلَى أَنَّ صَبْرَهُمْ عَلَى أَذَى قَوْمِهِمْ سَيَسْتَمِرُّ، فَصِيغَةُ الِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَفَادَةُ مِنَ الْمُضَارِعِ الْمُؤَكَّدِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي وَلَنَصْبِرَنَّ دَلَّتْ عَلَى أَذَى مُسْتَقْبَلٍ. وَدَلَّتْ صِيغَةُ الْمُضِيِّ الْمُنْتَزَعُ مِنْهَا الْمَصْدَرُ فِي قَوْلِهِ: مَا آذَيْتُمُونا عَلَى أَذًى مَضَى. فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنَى نَصْبِرُ عَلَى أَذًى مُتَوَقَّعٍ كَمَا صَبَرْنَا عَلَى أَذًى مَضَى.
وَهَذَا إِيجَازٌ بَدِيعٌ.
وَجُمْلَةُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الرُّسُلِ فَتَكُونَ تَذْيِيلًا وَتَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فَكَانَتْ تَذْيِيلًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ الزَّائِدِ فِي قَوْلِهِ: الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى عُمُومِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وَكَانَتْ تَأْكِيدًا لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَالْمَعْنَى: مَنْ كَانَ مُتَوَكِّلًا فِي أَمْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ وَتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ، أَيْ لَا يَنْبَنِي التَّوَكُّلُ إِلَّا عَلَيْهِ
وَالْقَوْلُ فِي جُمْلَةِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ مِثْلُ قَوْلِهِ آنِفًا: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [سُورَة النَّحْل: ٦٥]. وَالْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ نِعْمَةِ سَقْيِ الْأَلْبَانِ وَسَقْيِ السَّكَرِ وَطُعْمِ الثَّمَرِ.
وَاخْتِيرَ وَصْفُ الْعَقْلِ هُنَا لِأَنَّ دَلَالَةَ تَكْوِينِ أَلْبَانِ الْأَنْعَامِ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَاجُ إِلَى تَدَبُّرٍ فِيمَا وَصَفَتْهُ الْآيَةُ هُنَا، وَلَيْسَ هُوَ بِبَدِيهِيٍّ كَدَلَالَةِ الْمَطَرِ كَمَا تقدم.
[٦٨، ٦٩]
[سُورَة النَّحْل (١٦) : الْآيَات ٦٨ إِلَى ٦٩]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
عَطْفُ عِبْرَةٍ عَلَى عِبْرَةٍ وَمِنَّةٍ عَلَى مِنَّةٍ. وَغَيَّرَ أُسْلُوبَ الِاعْتِبَارِ لِمَا فِي هَذِهِ الْعِبْرَةِ مِنْ تَنْبِيهٍ عَلَى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ أَوْدَعَ فِي خِلْقَةِ الْحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ هَذِهِ الصَّنْعَةَ الْعَظِيمَةَ وَجَعَلَ فِيهَا هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ، كَمَا أَوْدَعَ فِي الْأَنْعَامِ أَلْبَانَهَا وَأَوْدَعَ فِي ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ شَرَابًا، وَكَانَ مَا فِي بُطُونِ النَّحْلِ وَسَطًا بَيْنَ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ وَمَا فِي قَلْبِ الثِّمَارِ، فَإِنَّ النَّحْلَ يَمْتَصُّ مَا فِي الثَّمَرَاتِ وَالْأَنْوَارِ مِنَ الْمَوَادِّ السُّكَّرِيَّةِ الْعَسَلِيَّةِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَسَلًا كَمَا يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِنْ خُلَاصَةِ الْمَرْعَى.
وَفِيهِ عِبْرَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ أَوْدَعَ اللَّهُ فِي ذُبَابَةِ النَّحْلِ إِدْرَاكًا لِصُنْعٍ مُحْكَمٍ مَضْبُوطٍ مُنْتِجٍ شَرَابًا نَافِعًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَلْبِ الْحَالِبِ.
فَافْتُتِحَتِ الْجُمْلَةُ بِفِعْلِ أَوْحى دُونَ أَنْ تُفْتَتَحَ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ مِثْلُ جُمْلَةِ وَاللَّهُ أَنْزَلَ [سُورَة النَّحْل: ٦٥]، لِمَا فِي أَوْحى مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى إِلْهَامِ تِلْكَ الْحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ تَدْبِيرًا عَجِيبًا وَعَمَلًا مُتْقَنًا وَهَنْدَسَةً فِي الْجِبِلَّةِ.

[سُورَة الْإِسْرَاء (١٧) : آيَة ٨٩]

وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩)
لَمَّا تَحَدَّى اللَّهُ بُلَغَاءَ الْمُشْرِكِينَ بِالْإِعْجَازِ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا
سِوَاهُ مِنَ الْكَلَامِ، مُدْمِجًا فِي ذَلِكَ النَّعْيَ عَلَيْهِمْ إِذْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمُ الِانْتِفَاعَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ. وَذُكِرَتْ هُنَا نَاحِيَةٌ مِنْ نَوَاحِي إِعْجَازِهِ، وَهِيَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْثَالِ.
وَتَقَدَّمُ ذِكْرُ الْمَثَلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَثَلِ الْحَالُ أَيْ مِنْ كُلِّ حَالٍ حَسَنٍ مِنَ الْمَعَانِي يَجْدُرُ أَنْ يُمَثَّلَ بِهِ وَيُشَبَّهَ مَا يُزَادُ بَيَانُهُ فِي نَوْعِهِ.
فَجُمْلَةُ وَلَقَدْ صَرَّفْنا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ مُشَارِكَةٌ لَهَا فِي حُكْمِهَا الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ زِيَادَةً فِي الِامْتِنَانِ وَالتَّعْجِيزِ.
وَتَأْكِيدُهَا بِلَامِ الْقَسَمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِرَدِّ أَفْكَارِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَمَوْرِدُ التَّأْكِيد هُوَ فعل صَرَّفْنا الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَالتَّصْرِيفُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [الْإِسْرَاء: ٤١].
وَزِيدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَيْدُ لِلنَّاسِ دُونَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي مَقَامِ التَّحَدِّي وَالْإِعْجَازِ، فَكَانَ النَّاسُ مَقْصُودِينَ بِهِ قَصْدًا أَصْلِيًّا مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ بِخِلَافِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهَا فِي مَقَامِ تَوْبِيخِ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً فَكَانُوا مَعْلُومِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَوَجْهُ تَقْدِيمِ أَحَدِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِفِعْلِ صَرَّفْنا عَلَى الْآخَرِ: أَنَّ ذِكْرَ النَّاسِ أَهَمُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَجْلِ كَوْنِ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِتَحَدِّيهِمْ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ
حُلُولِ (إِنْ) مَعَ (لَا) عِوَضًا عَنِ الْجَزَاءِ، وَذَلِكَ ضَابِطُ صِحَّةِ جَزْمِ الْجَزَاءِ بَعْدَ النَّهْيِ.
وَقَدْ جَاءَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ، وَأَمْرٍ أَو نهي، فابتدئ بِالْإِعْلَامِ بِأَنَّ الَّذِي يُكَلِّمُهُ هُوَ اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، ثُمَّ عَقَّبَ بِإِثْبَاتِ السَّاعَةِ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَصُدَّهُ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى النَّهْيِ أَنَّهُ إِنِ ارْتَكَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ هلك وخسر.
[١٧- ٢١]
[سُورَة طه (٢٠) : الْآيَات ١٧ إِلَى ٢١]
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يَا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)
بَقِيَّةُ مَا نُودِيَ بِهِ مُوسَى. وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمَلِ قَبْلَهَا انْتِقَالًا إِلَى مُحَاوَرَةٍ أَرَادَ اللَّهُ مِنْهَا أَنْ يُرِيَ مُوسَى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ بِالْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ انْقِلَابُ الْعَصَا حَيَّةً تَأْكُلُ الْحَيَّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَهَا.
وَإِبْرَازُ انْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً فِي خِلَالِ الْمُحَاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسَى، وَدَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أَنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأَنَّ مَشَاهِدَ الْخَوَارِقِ تسارع بِالنَّفسِ بادىء ذِي بَدْءٍ إِلَى تَأْوِيلِهَا وَتُدْخِلُ
وَالْبَهِيجُ: الْحَسَنُ الْمَنْظَرِ السَّارُّ لِلنَّاظِرِ، وَقَدْ سِيقَ هَذَا الْوَصْفُ إِدْمَاجًا لِلِامْتِنَانِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ امْتِنَانًا بِجَمَالِ صُورَةِ الْأَرْضِ الْمُنْبِتَةِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ بَهِيجًا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ امْتِنَانٌ مَحْضٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النَّحْل: ٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الْملك: ٥].
[٦، ٧]
[سُورَة الْحَج (٢٢) : الْآيَات ٦ إِلَى ٧]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
فذلكة لما تَقَدَّمَ، فَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ.
وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَطْوَارِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَفَنَائِهِ، وَمِنْ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَانْبِثَاقِ النَّبْتِ مِنْهَا.
وَإِفْرَادُ حَرْفِ الْخِطَابِ الْمُقْتَرِنِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِإِرَادَةِ مُخَاطَبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عَلَى نَسَقِ قَوْلِهِ وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً [الْحَج: ٥] عَلَى أَنَّ اتِّصَالَ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِكَافِ خِطَابِ الْوَاحِدِ هُوَ الْأَصْلُ.
وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ ذَلِكَ حَصَلَ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ إِلَخْ..
وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَالْمَعْنَى: تَكَوَّنَ ذَلِكَ الْخَلْقُ مِنْ تُرَابٍ وَتَطَوَّرَ، وَتَكَوَّنَ إِنْزَالُ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ وَالنَّبَاتِ الْبَهِيجِ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ كَانَ ذَلِكَ الْخَلْقُ وَذَلِكَ الْإِنْبَاتُ الْبَهِيجُ مُلَابِسًا لِحَقِّيَّةِ إِلَهِيَّةِ اللَّهِ. وَهَذِهِ الْمُلَابَسَةُ مُلَابَسَةُ الدَّلِيلِ لِمَدْلُولِهِ، وَهَذَا أَرْشَقُ مِنْ حَمْلِ الْبَاءِ عَلَى مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَهُوَ أجمع لوجوه الِاسْتِدْلَالِ.
دَخَلَ مشربَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى السَّقْفِ فَرَأَيْتُ أُهْبَةً مُعَلَّقَةً».
وَقَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ»
. وَفِي هَذَا الْأَمْرِ بِالْغَضِّ أَدَبٌ شَرْعِيٌّ عَظِيمٌ فِي مُبَاعَدَةِ النَّفْسِ عَنِ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا عَسَى أَنْ يُوقِعَهَا فِي الْحَرَامِ أَوْ مَا عَسَى أَنْ يُكَلِّفَهَا صَبْرًا شَدِيدًا عَلَيْهَا.
وَالْغَضُّ: صَرْفُ الْمَرْءِ بَصَرَهُ عَنِ التَّحْدِيقِ وَتَثْبِيتِ النَّظَرِ. وَيَكُونُ مِنَ الْحَيَاءِ كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ:
طُلِّقْتِ إِنْ لَمْ تَسْأَلِي أَيَّ فَارِسٍ حَلِيلُكِ إِذْ لَاقَى صداء وخثعها
وَأَغُضُّ طَرَفِي حِينَ تَبْدُو جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا
وَيَكُونُ مِنْ مَذَلَّةٍ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ وَمَادَّةُ الْغَضِّ تُفِيدُ مَعْنَى الْخَفْضِ وَالنَّقْصِ.
وَالْأَمْرُ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْغَضِّ مِنَ الْأَبْصَارِ لِأَنَّ النَّظَرَ رَائِدُ الزِّنَى. فَلَمَّا كَانَ ذَرِيعَةً لَهُ قَصَدَ الْمُتَذَرِّعِ إِلَيْهِ بِالْحِفْظِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي غَضِّ الْأَبْصَارِ فِي مَحَاسِنِ
النِّسَاءِ. فَالْمُرَادُ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ حِفْظُهَا مِنْ أَنْ تُبَاشِرَ غَيْرَ مَا أَبَاحَهُ الدِّينُ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيْ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ مِنْ غَضِّ الْأَبْصَارِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ.
وَاسْمُ التَّفْضِيلِ بِقَوْلِهِ: أَزْكى مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ. وَالْمُرَادُ تَقْوِيَةُ تِلْكَ التَّزْكِيَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ جُنَّةٌ مِنِ ارْتِكَابِ ذُنُوبٍ عَظِيمَةٍ.
وَذُيِّلَ بِجُمْلَةِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ جَزَاءِ مَا يَتَضَمَّنُهُ الْأَمْرُ مِنَ الْغَضِّ وَالْحِفْظِ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنَ الْأَمْرِ الِامْتِثَالُ
وَالْمَعْنَى: فَإِنْ عَصَاكَ أَهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنْهُمْ. وَلَمَّا كَانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجَافَاةٍ وَعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأَنْ لَا يَعْبَأَ بِهِمْ وَأَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ فَهُوَ كَافِيهِ كَمَا قَالَ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطَّلَاق: ٣]. وَعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وَمَا تَبِعَهُمَا من الْوَصْف بالموصول وَمَا ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُلَاحِظُ قَوْلَهُ وَيَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ يَأْتِي بِمَا أَوْمَأَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَمُسْتَتْبَعَاتُهَا بِوَصْفِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ بِعِزَّتِهِ قَادِرٌ عَلَى تَغَلُّبِهِ عَلَى عَدُوِّهِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنْهُمْ. وَقَدْ لُوحِظَ هَذَانِ الِاسْمَانِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الْمَرْءِ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٩].
وَوَصْفُهُ تَعَالَى: بِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
مَقْصُودٌ بِهِ لَازِمُ مَعْنَاهُ. وَهُوَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَحَلِّ الْعِنَايَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إِلَى اللَّهِ وَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَراكَ
رُؤْيَةً خَاصَّةً وَهِيَ رُؤْيَةُ الْإِقْبَالِ وَالتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطّور: ٤٨].
وَالْقِيَامُ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذَا الِاسْمُ عَلَيْهِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ، وَالتَّقَلُّبُ فِي السَّاجِدِينَ هُوَ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْجِدِهِ. وَهَذَا يَجْمَعُ مَعْنَى الْعِنَايَةِ بِالْمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنَايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذَا مِنْ بَرَكَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ جَمَعَهَا هَذَا التَّرْكِيبُ الْعَجِيبُ الْإِيجَازِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ مُقَاتِلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْضُرُنِي فَتَلَا مُقَاتِلٌ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَمَوْقِعُ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[الشُّعَرَاء: ٢١٦]، وَلِلْأَمْرِ بِ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، فَصِفَةُ السَّمِيعُ مُنَاسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وَصِفَةُ الْعَلِيمُ مُنَاسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أَيْ إِنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ وَيَعْلَمُ عَزْمَكَ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ للتقوية.
مِنَ الْفِتْنَةِ من الْمُشْركين واستبطأوا النَّصْرَ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَذُهُولِهِمْ عَنْ سُنَّةِ الْكَوْنِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ مَنْ يُخَالِفُ الدَّهْمَاءَ فِي ضَلَالِهِمْ وَيَتَجَافَى عَنْ أَخْلَاقِهِمْ وَرَذَالَتِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ تَلْحَقَهُ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا السَّنَنُ مِنْ آثَارِ مَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُقُولَ غَالِبِ الْبَشَرِ وَتَفْكِيرَهُمْ غَيْرَ الْمَعْصُومِ بِالدَّلَائِلِ وَكَانَ حَاصِلًا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كُلِّهَا أَسْنَدَ فُتُونَ تِلْكَ الْأُمَمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادًا مَجَازِيًّا لِأَنَّهُ خَالِقُ أَسْبَابِهِ كَمَا خَلَقَ أَسْبَابَ الْعِصْمَةِ مِنْهُ لِمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْعِصْمَةِ مِنْ مِثْلِهِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي خَلَقَ أَسْبَابَ تِلْكَ الْفِتَنِ قَرِيبِهَا وَبَعِيدِهَا قَادِرٌ عَلَى صَرْفِهَا بِأَسْبَابٍ تُضَادُّهَا. وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ دُعَاءُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَحْكِيُّ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٨٨] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَخْلُقَ ضِدَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي غَرَّتْ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ وَغَشِيَتْ عَلَى قَلْبِهِ بِالضَّلَالِ.
وَالْمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِمَا لَحِقَ صَالِحِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الْأَذَى وَالِاضْطِهَادِ كَمَا لَقِيَ صَالِحُو النَّصَارَى مِنْ مُشْرِكِي الرُّومَانِ فِي عُصُورِ الْمَسِيحِيَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ قَصَّ الْقُرْآنُ بَعْضَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ.
وَحُكْمُهَا سَارٍ فِي حَالِ كُلِّ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْحَقِّ بَيْنَ قَوْمٍ يَسْتَخِفُّونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ
نُكْرَانَ الْحَقِّ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ.
وَالْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى جُمْلَةِ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً عَلَى جُمْلَةِ أَحَسِبَ النَّاسُ [العنكبوت: ٢]، وَيَجُوزُ كَوْنُهَا عَاطِفَةً عَلَى جُمْلَةِ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْحَالِ، أَيْ وَالْحَالُ قَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا. فَلَكَ أَنْ تُسَمِّيَ تِلْكَ الْوَاوَ اعْتِرَاضِيَّةً. وَإِسْنَادُ فِعْلِ فَتَنَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَصْدِ تَشْرِيفِ هَذِهِ الْفُتُونِ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ. فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢]، أَيْ يُفْتَنُونَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنْهُمْ وَالْكَاذِبِينَ. وَالْمُفَرَّعُ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ الْحَاصِلُ فِي
فاسِقاً إِلَى لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السَّجْدَة: ١٨- ٢١]. قِيلَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَسَيَأْتِي إِبْطَالُهُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ آيَتَيْنِ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ إِلَى بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السَّجْدَة: ١٦- ١٧] لِمَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي نُعَوِّلُ عَلَيْهِ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ مَا خَالَفَ ذَلِكَ إِنْ هُوَ إِلَّا تَأْوِيلٌ أَوْ إِلْحَاقُ خَاصٍّ بِعَامٍّ كَمَا أَصَّلْنَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النَّحْلِ وَقَبْلَ سُورَةِ نُوحٍ، وَقَدْ عُدَّتِ الثَّالِثَةَ وَالسَبْعِينَ فِي النُّزُولِ. وَعُدَّتْ آيَاتُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعَادِّينَ ثَلَاثِينَ، وَعَدَّهَا الْبَصْرِيُّونَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ.
مِنْ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةُ
أَوَّلُهَا التَّنْوِيهُ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَوْبِيخُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ادِّعَائِهِمْ أَنَّهُ مُفْتَرًى بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمُ التَّشَرُّفُ بِنُزُولِ كِتَابٍ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِبْطَالِ إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِهِمْ بِإِثْبَاتِ انْفِرَادِ اللَّهِ بِأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُدَبِّرُ أُمُورِهِمَا. وَذِكْرُ الْبَعْثِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى كَيْفِيَّةِ بَدْءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَنَسْلِهِ، وَتَنْظِيرِهِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا بِمُسْدِيهَا. وَالْإِنْحَاءُ عَلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوهُ وَوَعِيدُهُمْ. وَالثَّنَاءُ عَلَى الْمُصَدِّقِينَ
بِآيَاتِ اللَّهِ وَوَعْدُهُمْ، وَمُقَابَلَةُ إِيمَانِهِمْ بِكُفْرِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ إِثْبَاتُ رِسَالَةِ رَسُولٍ عَظِيمٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَى بِهِ أُمَّةً عَظِيمَةً. وَالتَّذْكِيرُ بِمَا حَلَّ بِالْمُكَذِّبِينَ السَّابِقِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْحَاضِرِينَ، وَتَهْدِيدُهُمْ بِالنَّصْرِ الْحَاصِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَخَتَمَ ذَلِكَ بِانْتِظَارِ النَّصْرِ. وَأَمَرَ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُم تَحْقِيرًا لَهُمْ، وَوَعَدَهُ بِانْتِظَارِ نَصْرِهِ عَلَيْهِمْ.
نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٢٨].
وَالْإِتْيَانُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إِلَيْهَا الظَّرْفُ اسْمِيَّةً هُنَا لِإِفَادَةِ طُولِ وُقُوفِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طُولًا يَسْتَوْجِبُ الضَّجَرَ وَيَمْلَأُ الْقُلُوبَ رُعْبًا وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ
حَدِيثُ أَنَسٍ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ: «تَدْنُو الشَّمْس من رُؤُوس الْخَلَائِقِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا»
الْحَدِيثَ.
وَجُمْلَةُ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الظَّالِمُونَ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ مَوْقُوفُونَ.
وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٤].
وَرَجْعُ الْقَوْلِ: الْجَوَابُ، وَرَجْعُ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ: الْمُجَاوَبَةُ وَالْمُحَاوَرَةُ. وَهِيَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ كَلَامًا وَيُجِيبَهُ الْآخَرُ عَنْهُ وَهَكَذَا شَبَّهَ الْجَوَابَ عَنِ الْقَوْلِ بِإِرْجَاعِ الْقَوْلِ كَأَنَّ الْمُجِيبَ أَرْجَعَ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ كَلَامَهُ بِعَيْنِهِ إِذْ كَانَ قَدْ خَاطَبَهُ بِكِفَائِهِ وَعَدْلِهِ، قَالَ بَشَّارٌ:
وَكَأَنَّ رَجْعَ حَدِيثِهَا قَطْعُ الرِّيَاضِ كُسِينَ زَهْرَا
أَيْ كَأَنَّ جَوَابَهَا حَيْثُ تُجِيبُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجَوَابِ: رَدٌّ. وَرَجْعُ الرَّشْقِ فِي الرَّمْيِ: مَا تَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّرَاشُقِ.
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا مِنَ الْجُمَلِ الْمَحْكِيَّةِ بِأَفْعَالِ الْقَوْلِ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ يَرْجِعُ
بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ
. وَجِيء بالمضارع فِيهَا على نَحْو مَا جِيءَ فِي قَوْله: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ لِيَكُونَ الْبَيَانُ كَالْمُبَيَّنِ بِهَا لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ
مِنْهُ التَّحَدِّي بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ بِلُغَتِهِمْ وَمُؤَلَّفٌ مِنْ حُرُوفِهَا فَكَيْفَ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ. فَالتَّقْدِيرُ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّهُ لَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِهَذَا عَجَزْتُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ.
وَثَانِيهِمَا: الَّذِي أَرَى أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ أَيْضًا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِضْرَابُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ:
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص: ٢] بَعْدَ أَنْ وُصِفَ الْقُرْآنُ بِ ذِي الذِّكْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَمُوقِظٌ لِلْعُقُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ لَذِكْرٌ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ يَجْحَدُونَ أَنَّهُ ذِكْرٌ وَيَقُولُونَ: سِحْرٌ مُفْتَرًى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الْأَنْعَام: ٣٣]، فَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَلَيْسَ حَرْفُ ص هُوَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقَسَمِ، أَيْ لَيْسَ دَلِيلُ الْجَوَابِ مِنَ اللَّفْظِ بَلْ مِنَ الْمَعْنَى وَالسِّيَاقِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ حَذْفِ جَوَابِ الْقَسَمِ هُنَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَجْدَرُ بِالذِّكْرِ وَهُوَ صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا الْقُرْآنَ عِنَادًا أَوْ شقاقا مِنْهُم.
[٢]
[سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢]
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)
بَلِ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّاغِبُ فِي «مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ» وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ»، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ إِبْطَالًا مَحْضًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ بَلِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ النَّفْيِ كَمَا هُوَ غَالِبُ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ، وَلَا هُوَ إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ، وَلَكِنَّ هَذَا إِبْطَالٌ لِتَوَهُّمٍ يَنْشَأُ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ إِذْ دَلَّ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] أَنَّ الْقُرْآنَ مُذَكِّرٌ سَامِعِيهِ تَذْكِيرًا نَاجِعًا، فعقب بِإِزَالَة تو هم مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِضَعْفٍ فِي تَذْكِيرِ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ مُتَعَزِّزُونَ مُشَاقُّونَ، فَحَرْفُ بَلِ فِي مِثْلِ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَحْقِيقُ أَنَّهُ ذُو ذِكْرٍ، وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ فِي ذَلِكَ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:
١، ٢]، أَيْ
وَإِعْلَانُ خَطَلِ آرَائِهِمْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَحْشَرِ وَهُوَ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ أَلَمِ الْجِسْمِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى بَيَانِ سَبَبِ الْعَذَابِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَازْدِهَائِهِمْ فِي الْأَرْضِ بِكُفْرِهِمْ وَمَرَحِهِمْ، وَهُوَ أَيْضًا ارْتِقَاءٌ فِي وَصْفِ أَحْوَالِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى نَكَالِهِمْ إِذِ ارْتَقَى مِنْ صِفَةِ جَزَائِهِمْ عَلَى إِشْرَاكِهِمْ وَهُوَ شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلَى الشِّرْكِ إِلَى وَصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا وَذَلِكَ غَرِيبٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِهِمْ وَهُوَ الْمَقْصِدُ الْمُهِمُّ مِنَ الْقَوَارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ الْمَعْطُوفِ بِ (ثُمَّ) هُنَا كَمَوْقِعِ الْمَعْطُوفِ بِهَا فِي قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
قُلْ إِنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سَادَ مِنْ قَبْلُ جَدُّهُ
مِنْ حَيْثُ كَانَتْ سِيَادَةُ جَدِّهِ أَرْسَخَتْ لَهُ سِيَادَةَ أَبِيهِ وَأَعْقَبَتْ سِيَادَةَ نَفْسِهِ، وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وَصِيغَ (قِيلَ) بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِأَنَّهُ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَمَضَى وَكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا.
وَالْقَائِلُ لَهُمْ: نَاطِقٌ بِإِذن الله. و (أَيْن) لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ مَكَانِ الشَّيْءِ الْمَجْهُولِ الْمَكَانِ، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْغَلَطِ وَالْفَضِيحَةِ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِيَكُونُوا شُفَعَاءَ لَهُمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَلَمَّا حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعَاءَ ذُكِّرُوا بِمَا كَانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَابْتَدَرُوا
بِالْجَوَابِ قبل انْتِهَاء الْمقَالة طَمَعا فِي أَن يَنْفَعهُمْ الِاعْتِذَار. فجملة قالُوا ضَلُّوا عَنَّا مُعْتَرضَة فِي أثْنَاء الْقَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، وَمَعْنَى ضَلُّوا غَابُوا كَقَوْلِهِ: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السَّجْدَة: ١٠] أَيْ غُيِّبْنَا فِي التُّرَابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تُفِيدُهُمْ. فَأَضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ: ضَلُّوا عَنَّا وَقَالُوا: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أَيْ لَمْ نَكُنْ فِي الدُّنْيَا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنَّا، فَنَفْيُ دُعَاءِ شَيْءٍ هُنَا رَاجِعٌ إِلَى نَفْيِ دُعَاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَمَا تَقُولُ: حَسِبْتُ أَنَّ فُلَانًا شَيْءٌ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «سُئِلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ
حَالَةٍ مُعَرَّفٍ بِهَا فَمَعْنَى أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً يَحْتَمِلُ أَنَّ لَوْلَا أَنْ يَصِيرَ الْبَشَرُ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، أَيِ الْكُفْرُ وَنَبْذُ الْفِكْرَةِ فِي الْآخِرَةِ وَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ (١).
فَالْمَعْنَى عَلَيْهِ: لَوْلَا أَنْ يَصِيرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا لَخَصَّصْنَا الْكَافِرِينَ بِالْمَالِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَتَرَكْنَا الْمُسْلِمِينَ لِمَا ادَّخَرْنَا لَهُمْ مِنْ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، فَيَحْسَبُ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ أَنَّ لِلْكُفْرِ أَثَرًا فِي حُصُولِ الْمَالِ جَعَلَهُ اللَّهُ جَزَاءً لِمَنْ سَمَّاهُمْ بِالْكَافِرِينَ فَيَتْبَعُوا دِينَ الْكُفْرِ لِتَخَيُّلِهِمُ الْمُلَازِمَةَ بَيْنَ سَعَادَةِ الْعَيْشِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِي الْأَجْيَالِ الْأَوْلَى أَصْحَابَ أَوْهَامٍ وَأَغْلَاطٍ يَجْعَلُونَ لِلْمُقَارَنَةِ حُكْمَ التَّسَبُّبِ فَيُؤَوَّلُ الْمَعْنَى إِلَى: لَوْلَا تَجَنُّبُ مَا يُفْضِي إِلَى عُمُومِ الْكُفْرِ وَانْقِرَاضِ الْإِيمَانِ، لَجَعَلْنَا الْمَالَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ خَاصَّةً، أَيْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ انْقِرَاضَ الْإِيمَانِ مِنَ النَّاسِ وَلَمْ يُقَدِّرِ اتِّحَادَ النَّاسِ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بِقَوْلِهِ: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩] أَيْ أَنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالْعِبَادِ فَعَطَّلَ مَا يُفْضِي بِهِمْ إِلَى اضْمِحْلَالِ الْهُدَى مِنْ بَيْنِهِمْ، أَيْ أَبْقَى بَيْنَهُمْ بَصِيصًا مِنْ نُورِ الْهُدَى.
وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَوْلَى عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ فِي النَّاسُ لِلْعَهْدِ مُرَادًا بِهِ بَعْضُ طَوَائِفِ الْبَشَرِ وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ وَعَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ
تَعَالَى: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمرَان: ١٧٣] وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً وَاحِدَةً اتِّحَادُهُمْ فِي الثَّرَاءِ.
وَالْمَعْنَى: لَوْلَا أَنْ تَصِيرَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَهْلَ ثَرْوَةٍ كُلَّهُمْ أَيْ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنِ اشْتِمَالِ كُلِّ بَلَدٍ وَكُلِّ قَبِيلَةٍ وَكُلِّ أُمَّةٍ عَلَى أَغْنِيَاءَ وَمَحَاوِيجَ لِإِقَامَةِ نِظَامِ الْعُمْرَانِ وَاحْتِيَاجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذَا لِمَالِهِ، وَهَذَا لِصِنَاعَتِهِ، وَآخَرُ لِمَقْدِرَةِ بَدَنِهِ لَجَعَلْنَا من يكفر بالرحمان وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ سَوَاءً فِي الثَّرَاءِ وَالرَّفَاهِيَةِ. وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَلَخَّصُ مِنَ الْمَعْنَى أَنَّ الثَّرَاءَ وَالرَّفَاهِيَةَ لَا يُقِيمُ الْمُدَبِّرُ الْحَكِيمُ لَهُمَا وَزْنًا فَلَا يُمْسِكُهُمَا عَنِ النَّاكِبِينَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْكَمَالِ، فَصَارَ الْكَلَامُ يَقْتَضِي مُقَدَّرًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لَا يَكُونُ النَّاسُ سَوَاءً فِي الْغِنَى لِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّا قَدَّرْنَا فِي نِظَامِ الْكَوْنِ الْبِشْرِيِّ
_________
(١) جمعناهم فِي هَذَا التَّأْوِيل لِأَن مآل أَقْوَالهم مُتَقَارِبَة.
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس: ١٤] الْآيَةَ فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، أَمَرَهُمْ عِيسَى بِنَشْرِ الْهُدَى وَالتَّوْحِيدِ. فَيَكُونُ الْإِرْسَالُ الْبَعْثَ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَرْسَلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وأَشِدَّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ، وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالشِّدَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ صَلَابَةُ الْمُعَامَلَةِ وَقَسَاوَتُهَا، قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ النَّارِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التَّحْرِيم: ٦].
وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ: هِيَ الشِّدَّةُ فِي قِتَالِهِمْ وَإِظْهَارُ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ، وَهَذَا وَصْفُ مَدْحٍ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا هُمْ فِئَةَ الْحَقِّ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِمْ إِلَّا إِظْهَارُ الْغَضَبِ لِلَّهِ وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا مِنْ أَجْلِ إشراق أنوار النبوءة عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ فَإِنَّ بَيْنَ نُفُوسِ الْفَرِيقَيْنِ تَمَامَ الْمُضَادَّةِ وَمَا كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُمْ لِلصُّلْحِ مَعَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَغْبَتُهُمْ فِي قَتْلِ أَسْرَاهُمُ الَّذِينَ ثَقِفُوهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَفَا عَنْهُم النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ آثَارِ شِدَّتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَلَمْ تَكُنْ لَاحَتْ لَهُمُ الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى الْقَتْلِ الَّتِي آثرها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُحَاوَرَةً فِي إِبَاءِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ أَشِدَّائِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَانَ أَفْهَمَهُمْ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي توخاها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبرام الصُّلْح أَبَا بَكْرٍ. وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَرَدَدْنَاهُ. وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ تَكُونُ أَحْكَامُ الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ وَأَحْكَامِ صُحْبَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ جَارِيَةً عَلَى مُخْتَلِفِ الْأَحْوَالِ وَلِعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مَقَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ
ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ اقْتَبَسُوهَا مِنْ شدَّة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التَّوْبَة: ١٢٨].
وَأَمَّا كَوْنُهُمْ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ مِنْ رُسُوخِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ.
وَعَرَّفَ قَوْمَ لُوطٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْأُمَّةِ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ.
وَلَمْ يُحْكَ هُنَا مَا تَلَقَّى بِهِ قَوْمُ لُوطٍ دَعْوَةَ لُوطٍ كَمَا حُكِيَ فِي الْقِصَصِ الثَّلَاثِ قَبْلَ هَذِهِ، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَفِي سُورَةِ هُودٍ وَفِي سُورَةِ الْحِجْرِ لِأَنَّ سُورَةَ الْقَمَرِ بُنِيَتْ عَلَى تَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الِاتِّعَاظِ بِآيَاتِ اللَّهِ الَّتِي شَاهَدُوهَا وَآثَارِ آيَاتِهِ عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي عَلِمُوا أَخْبَارَهَا وَشَهِدُوا آثَارَهَا، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُقْتَضٍ لِتَفْصِيلِ أَقْوَالِ تِلْكَ الْأُمَمِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا مُشَابِهًا لِأَقْوَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَفْصِيلِهِ وَلَمْ تَكُنْ أَقْوَالُ قَوْمِ لُوطٍ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى حِكَايَةِ مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ تَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ وَإِعْرَاضُهُمْ عَنْ نُذُرِهِ. وَالنُّذُرُ تَقَدَّمَ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنِ الْإِخْبَارِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِالنُّذُرِ.
وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ، وَجُمْلَةُ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ.
وَالْحَاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي تَحْصِبُ، أَيْ تَرْمِي بِالْحَصْبَاءِ تَرْفَعُهَا مِنَ الْأَرْضِ لِقُوَّتِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [٤٠].
وَالِاسْتِثْنَاءُ حَقِيقِيٌّ لِأَنَّ آلَ لُوطٍ مِنْ جُمْلَةِ قَوْمِهِ.
وآلَ لُوطٍ: قَرَابَتُهُ وَهُمْ بَنَاتُهُ، وَلُوطٌ دَاخِلٌ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى. وَقَدْ ذُكِرَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّ زَوْجَةَ لُوطٍ لَمْ يُنَجِّهَا اللَّهُ وَلَمْ يُذْكُرْ ذَلِكَ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَوَاقِعِ ذِكْرِهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ لَا يُعَدُّ مِنْ آلِهِ، كَمَا قَالَ: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود: ٤٦].
وَذَكَرَ بِسَحَرٍ، أَيْ فِي وَقْتِ السَّحَرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى إِنْجَائِهِمْ قُبَيْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِقَوْمِهِمْ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ.
وَانْتَصَبَ نِعْمَةً عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ إِنْعَامًا مِنَّا.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٦٢- سُورَةُ الْجُمُعَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَفِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَالتَّفَاسِيرِ «سُورَةُ الْجُمُعَةِ» وَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ فَأُنْزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ»
الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الْجُمُعَة: ٣].
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا وُقُوعُ لفظ الْجُمُعَةِ [الْجُمُعَةُ: ٩] فِيهَا وَهُوَ اسْمٌ لِلْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَجْتَمِعُ فِيهِ عِنْدَ قُصَيٍّ بِدَارِ النَّدْوَةِ. وَلَا يَقْتَضِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ سَمَّوْا ذَلِكَ الْيَوْمَ الْجُمُعَةَ.
وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَا يُثْبِتُ أَنَّ اسْمَ الْجُمُعَةِ أَطْلَقُوهُ عَلَى هَذَا الْيَوْمِ.
وَقَدْ أُطْلِقَ اسْمُ «الْجُمُعَةِ» عَلَى الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»
، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ» إِلَخْ.
وَفِي كَلَامِ أَنَسٍ «كُنَّا نَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ»
وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ»
، (أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ). وَمِنْ كَلَامِ
وَفِي جَعْلِ الْقَمَرِ نُورًا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ لَيْسَ مِنْ ذَاتِهِ فَإِنَّ الْقَمَرَ مُظْلِمٌ وَإِنَّمَا يَسْتَضِيءُ بِانْعِكَاسِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُهَا مِنْ وَجْهِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ ذَلِكَ الِاسْتِقْبَالِ مِنْ تَبَعُّضٍ وَتَمَامٍ هُوَ أَثَرُ ظُهُورِهِ هِلَالًا ثُمَّ اتِّسَاعُ اسْتِنَارَتِهِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ ارْتِجَاعُ ذَلِكَ، وَفِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ يُضِيءُ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحَاقُ. وَبِعَكْسِ ذَلِكَ جُعِلَتِ الشَّمْسُ سِرَاجًا لِأَنَّهَا مُلْتَهِبَةٌ وَأَنْوَارُهَا ذَاتِيَّةٌ فِيهَا صَادِرَةٌ عَنْهَا إِلَى الْأَرْضِ وَإِلَى الْقَمَرِ مِثْلَ أَنْوَارِ السِّرَاجِ تَمْلَأُ الْبَيْتَ وَتَلْمَعُ أَوَانِي الْفِضَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُقَابِلَةِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً اسْتِدْلَال وامتنان.
[١٧- ١٨]
[سُورَة نوح (٧١) : الْآيَات ١٧ إِلَى ١٨]
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨)
أَنْشَأَ الِاسْتِدْلَالَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ حُضُورَ الْأَرْضِ فِي الْخَيَالِ فَأَعْقَبَ نُوحٌ بِهِ دَلِيلَهُ السَّابِقَ، اسْتِدْلَالًا بِأَعْجَبِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَحْوَالِ مَا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ حَالُ الْمَوْتِ وَالْإِقْبَارِ، وَمَهَّدَ لِذَلِكَ مَا يَتَقَدَّمُهُ مِنْ إِنْشَاءِ النَّاسِ.
وَأَدْمَجَ فِي ذَلِكَ تَعْلِيمَهُمْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْ عَنَاصِرِ الْأَرْضِ مِثْلَ النَّبَاتِ وَإِعْلَامَهُمْ بِأَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَيَاةً أُخْرَى.
وَأُطْلِقَ عَلَى مَعْنَى: أَنْشَأَكُمْ، فِعْلُ أَنْبَتَكُمْ لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ إِنْشَاءِ الْإِنْسَانِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَيْهِمَا تَكْوِينٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آل عمرَان: ٣٧]، أَيْ أَنْشَأَهَا وَكَمَا يَقُولُونَ: زَرَعَكَ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، وَيَزِيدُ وَجْهَ الشَّبَهِ هُنَا قُرْبًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ إِنْشَاءَ الْإِنْسَانِ مُرَكَّبٌ مِنْ عَنَاصِرِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: أَنْبَتَ أَصْلَكُمْ، أَيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمرَان: ٥٩].
ونَباتاً: اسْمٌ مِنْ أَنْبَتَ، عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْمَصْدَرِ فَوَقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ أَنْبَتَكُمْ لِلتَّوْكِيدِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِهِ فَيُقَالُ: إِنْبَاتًا، لِأَنَّ نَبَاتًا أَخَفُّ فَلَمَّا تَسَنَّى الْإِتْيَانُ بِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إِلَى الثَّقِيلِ كَمَالًا فِي الْفَصَاحَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ إِخْراجاً فَإِنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إِلَى: خُرُوجًا، لِعَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِأَلْفَاظِ
وَالْقَوْلُ فِي وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ كَالْقَوْلِ فِي وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٨، ٩] الْمُتَقَدِّمِ.
ويَشْهَدُهُ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أَيْ يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ إِعْلَانُ تَنْوِيهٍ بِصَاحِبِهِ كَمَا يُعْلَنُ بِأَسْمَاءِ النَّابِغِينَ فِي التَّعْلِيمِ، وَأَسْمَاءِ الْأَبْطَالِ فِي الْكَتَائِب.
[٢٢- ٢٨]
[سُورَة المطففين (٨٣) : الْآيَات ٢٢ إِلَى ٢٨]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦)
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)
مَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] إِلَى آخِرِهَا. وَلِذَلِكَ جَاءَتْ عَلَى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِهَا افْتِتَاحًا وَتَوْصِيفًا وَفَصْلًا، وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُهَا مَوْقِعُ الْبَيَانِ أَوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فِي مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُقَال لَهُم، وَهُوَ المحكي بقوله: ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهُمْ، تَحْسِيرًا وَتَنْدِيمًا عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي الْإِيمَانِ.
وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَا يُنَاكِدُ الْوَجْهَ الْآخَرَ فِيمَا قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ.
وَذُكِرَ الْأَبْرَارُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ. خِلَافًا لِمَا جَاءَ فِي جُمْلَةِ: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الْأَبْرَارِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَرائِكِ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ الْأَبْرَارِ، أَيْ هُمْ عَلَى الْأَرَائِكِ، أَيْ مُتَّكِئُونَ عَلَيْهَا.
وَالْأَرَائِكُ: جَمْعُ أَرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، وَالْأَرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ وَوِسَادَتِهِ وَحَجَلَةٍ مَنْصُوبَةٍ عَلَيْهِمَا، فَلَا يُقَالُ: أَرِيكَةٌ إِلَّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا حَبَشِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ


الصفحة التالية
Icon