الْمُقَدِّمَةُ الْعَاشِرَةُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ
لَمْ أَرَ غَرَضًا تَنَاضَلَتْ لَهُ سِهَامُ الْأَفْهَامِ، وَلَا غَايَةً تَسَابَقَتْ إِلَيْهَا جِيَادُ الْهِمَمِ فَرَجَعَتْ دُونَهَا حَسْرَى، وَاقْتَنَعَتْ بِمَا بَلَغَتْهُ مِنْ صُبَابَةِ نَزْرًا، مِثْلَ الْخَوْضِ فِي وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ شُغْلَ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ الشَّاغِلَ، وَمَوْرِدَهَا لِلْمَعْلُولِ وَالنَّاهِلِ، وَمُغْلَى سِبَائِهَا لِلنَّدِيمِ وَالْوَاغِلِ، وَلَقَدْ سَبَقَ أَنْ أُلِّفَ عِلْمُ الْبَلَاغَةِ مُشْتَمِلًا عَلَى نَمَاذِجَ مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ، وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ،. إِلَّا أَنَّهُ بَاحِثٌ عَنْ كُلِّ خَصَائِصِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْبَلِيغِ لِيَكُونَ مِعْيَارًا لِلنَّقْدِ أَوْ آلَةً لِلصُّنْعِ، ثُمَّ لِيَظْهَرَ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ كَيْفَ تَفَوَّقَ الْقُرْآنُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ بَلِيغٍ بِمَا تَوَفَّرَ فِيهِ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ فِي كَلَامٍ آخَرَ لِلْبُلَغَاءِ حَتَّى عَجَزَ السَّابِقُونَ وَاللَّاحِقُونَ مِنْهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ.
قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ السَّكَّاكِيُّ فِي كِتَابِ «الْمِفْتَاحِ» «وَاعْلَمْ أَنِّي مَهَّدْتُ لَكَ فِي هَذَا الْعِلْمِ قَوَاعِدَ مَتَى بَنَيْتَ عَلَيْهَا أَعْجَبَ كُلَّ شَاهِدٍ بِنَاؤُهَا وَاعْتَرَفَ لَكَ بِكَمَالِ الْحِذْقِ فِي الْبَلَاغَةِ أَبْنَاؤُهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إِذَا كُنْتَ مِمَّنْ مَلَكَ الذَّوْقَ وَتَصَفَّحْتَ كَلَامَ رَبِّ الْعِزَّةِ أَطْلَعَتْكَ عَلَى مَا يُورِدُكَ مَوَارِدَ الْعِزَّةِ وَكَشَفَتْ عَنْ وَجْهِ إِعْجَازِهِ الْقِنَاعَ» اهـ.
فَأَمَّا أَنَا فَأَرَدْتُ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ أُلِمَّ بِكَ أَيُّهَا الْمُتَأَمِّلُ إِلْمَامَةً لَيْسَتْ كَخَطْرَةِ طَيْفٍ وَلَا هِيَ كَإِقَامَةِ الْمُنْتَجِعِ فِي الْمَرْبَعِ حَتَّى يُظِلَّهُ الصَّيْفُ، وَإِنَّمَا هِيَ لَمْحَةٌ تَرَى مِنْهَا كَيْفَ كَانَ الْقُرْآنُ مُعْجِزًا وَتَتَبَصَّرُ مِنْهَا نَوَاحِيَ إِعْجَازِهِ وَمَا أَنَا بِمُسْتَقْصٍ دَلَائِلَ الْإِعْجَازِ فِي آحَادِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ فَذَلِكَ لَهُ مُصَنَّفَاتُهُ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ. ثُمَّ تَرَى مِنْهَا بَلَاغَةَ الْقُرْآنِ وَلَطَائِفَ أَدَبِهِ الَّتِي هِيَ فَتْحٌ لِفُنُونٍ رَائِعَةٍ مِنْ أَدَبِ لُغَةِ الْعَرَبِ حَتَّى تَرَى كَيْفَ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ فَتْحَ بَصَائِرَ، وَفَتْحَ عُقُولٍ، وَفَتْحَ مَمَالِكَ، وَفَتْحَ أَدَبٍ غَضٍّ ارْتَقَى بِهِ الْأَدَبُ الْعَرَبِيُّ مُرْتَقًى لَمْ يَبْلُغْهُ أَدَبُ أُمَّةٍ مِنْ قَبْلُ. وَكُنْتُ أَرَى الْبَاحِثِينَ مِمَّنْ تَقَدَّمَنِي يَخْلِطُونَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ خَلْطًا، وَرُبَّمَا أَهْمَلُوا مُعْظَمَ الْفَنِّ الثَّانِي، وَرُبَّمَا أَلَمُّوا بِهِ إِلْمَامًا وَخَلَطُوهُ بِقِسْمِ الْإِعْجَازِ وَهُوَ الَّذِي يَحِقُّ أَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ فِيهِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَلَعَلَّكَ تَجِدُ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أُصُولًا
وَنُكَتًا أَغْفَلَهَا مَنْ تَقَدَّمُوا مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مِثْلَ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَالرُّمَّانِيِّ، وَعَبْدِ الْقَاهِرِ، وَالْخَطَّابِيِّ، وَعِيَاضٍ، وَالسَّكَّاكِيِّ، فَكُونُوا مِنْهَا بِالْمِرْصَادِ، وَافْلُوا عَنْهَا
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [هود: ٩١]- وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود: ٢٩]- وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الْأَنْعَام: ١٠٧] فَالْوَجْهُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْمُشْتَقِّ لَا يُفِيدُ بِذَاتِهِ التَّخْصِيصَ وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ مَوَاقِعِهِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ بِالْقَرَائِنِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ. مَا يُفِيدُ التَّخْصِيصَ وَلَا يَدْعُو إِلَيْهِ.
[١٦٨، ١٦٩]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٦٨ إِلَى ١٦٩]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ هُوَ كَالْخَاتِمَةِ لِتَشْوِيهِ أَحْوَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَفُرُوعِهِ الَّتِي ابْتَدَأَ الْكَلَامُ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ [الْبَقَرَة: ١٦١] الْآيَةَ، إِذْ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ إِجْمَالًا ثُمَّ أَبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الْبَقَرَة: ١٦٣] وَاسْتَدَلَّ عَلَى إِبْطَالِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْبَقَرَة:
١٦٤] الْآيَاتِ ثُمَّ وَصَفَ كُفْرَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٦٥]، وَوَصَفَ حَالَهُمْ وَحَسْرَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَوَصَفَ هُنَا بَعْضَ مَسَاوِئِ دِينِ أَهْلِ الشِّرْكِ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَنَاسَبَ ذِكْرَهُ هُنَا أَنه وَقع بعد مَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [الْبَقَرَة: ١٦٤] الْآيَةَ، وَهُوَ تَمْهِيدٌ وَتَلْخِيصٌ لِمَا يَعْقُبُهُ مَنْ ذِكْرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي سَتَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [الْبَقَرَة: ١٧٢].
فالخطاب بيا أَيُّهَا النَّاسُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ شَأْنُ خطاب الْقُرْآن بيا أَيُّهَا النَّاسُ. وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوُجُوبِ وَلَا لِلْإِبَاحَةِ، إِذْ لَيْسَ الْكُفَّارُ بِأَهْلٍ لِلْخِطَابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَوْلُهُ: كُلُوا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وَالثَّانِيَةُ حَالَةُ كِتَابَةِ ثَالِثٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا. فَيَكْتُبُ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ وَيُسَلِّمُهُ بِيَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ إِذَا كَانَا لَا يُحْسِنَانِ الْكِتَابَةَ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَهَذِهِ غَالِبُ أَحْوَالِ الْعَرَبِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. فَكَانَتِ الْأُمِّيَّةُ بَيْنَهُمْ فَاشِيَّةً، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ فِي الْأَنْبَارِ وَالْحِيرَةِ وَبَعْضِ جِهَاتِ الْيَمَنِ وَفِيمَنْ يَتَعَلَّمُهَا قَلِيلًا مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أَمْرٌ لِلْمُتَدَايِنَيْنِ بِأَنْ يُوَسِّطُوا كَاتِبًا يَكْتُبُ بَيْنَهُمْ
لِأَنَّ غَالِبَ حَالِهِمْ جَهْلُ الْكِتَابَةِ.
فِعْلُ الْأَمْرِ بِهِ إِلَى الْكَاتِبِ مُبَالَغَةٌ فِي أَمْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنَ بِالِاسْتِكْتَابِ. وَالْعَرَبُ تَعْمِدُ إِلَى الْمَقْصُودِ فَتُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ الْوَسِيلَةِ مُبَالَغَةً فِي حُصُولِهِ كَقَوْلِهِمْ فِي الْأَمْرِ لِيَكُنْ وَلَدُكَ مُهَذَّبًا، وَفِي النَّهْيِ لَا تَنْسَ مَا أَوْصَيْتُكَ، وَلَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا.
فَمُتَعَلِّقُ فِعْلِ الطَّلَبِ هُوَ ظَرْفُ بَيْنَكُمْ وَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا لِلْكَاتِبِ، وَأَمَّا أَمْرُ الْكَاتِبِ فَهُوَ قَوْلُهُ: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ.
وَقَوْلُهُ: بِالْعَدْلِ أَيْ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ الْعَدْلُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَدَالَةِ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الشَّاهِدُ فَيُقَالُ رَجُلٌ عَدْلٌ لِأَنَّ وُجُودَ الْبَاءِ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ.
وَلِذَلِكَ قَصَرَ الْمُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: فَاكْتُبُوهُ عَلَى أَنْ يَكْتُبَهُ كَاتِبٌ غَيْرُ الْمُتَدَايِنَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَلِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، فَإِنَّهُ كَالْبَيَانِ لِكَيْفِيَّةِ فَاكْتُبُوهُ، عَلَى أَنَّ كِتَابَةَ الْمُتَعَاقِدَيْنَ إِنْ كَانَا يُحْسِنَانِهَا تُؤْخَذُ بِلَحْنِ الْخِطَابِ أَوْ فَحْوَاهُ.
وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْآيَةُ حُجَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِصِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْخَطِّ، فَإِنَّ اسْتِكْتَابَ الْكَاتِبِ إِنَّمَا يَنْفَعُ بِقِرَاءَةِ خَطِّهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ نَهْيٌ لِمَنْ تُطْلَبُ مِنْهُ الْكِتَابَةُ بَيْنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ عَنِ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا إِذَا دُعِيَ إِلَيْهَا، فَهَذَا حُكْمٌ آخَرُ وَلَيْسَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ لِمَا عَلِمْتَ آنِفًا مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ حُكْمًا مُوَجَّهًا لِلْمُتَدَايِنَيْنِ. وَهَذَا النَّهْيُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي مُقْتَضَاهُ فَقِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فَالَّذِي يُدْعَى لِأَنْ يَكْتُبَ بَيْنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ.
وَعَلَيْهِ فَالْإِجَابَةُ لِلْكِتَابَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١).
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، فَمَضْمُونُ هَذِهِ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِجَوَابِ الشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَعِلْمُ اللَّهِ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُتَحَقِّقٌ مِنْ قبل أَن يمسهم الْقَرْحُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا هُنَا مَعْنَى الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا رَاسِخًا كَامِلًا فَقَدْ صَارَ الْمَعْنَى: أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِرُسُوخِ إِيمَانِهِمْ يَحْصُلُ بَعْدَ مَسِّ الْقَرْحِ إِيَّاهُمْ، وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فِي صِفَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِالْكُلِّيَّاتِ بِأَسْرِهَا، أَيْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، عِلْمًا كَالْعِلْمِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُ فِي الْفَلْسَفَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ عِلْمًا بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِزَمَانٍ، مِثَالُهُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقَمَرَ جِسْمٌ يُوجَدُ فِي وَقْتِ تَكْوِينِهِ، وَأَنَّ صِفَتَهُ تَكُونُ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ عَوَارِضَهُ النُّورَانِيَّةَ الْمُكْتَسَبَةَ مِنَ الشَّمْسِ وَالْخُسُوفِ وَالسَّيْرِ فِي أَمَدِ كَذَا. أَمَّا حُصُولُهُ فِي زَمَانه عِنْد مَا يَقَعُ تَكْوِينُهُ، وَكَذَلِكَ حُصُولُ عَوَارِضِهِ، فَغَيْرُ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ عَلِمَ الْجُزْئِيَّاتِ عِنْدَ حُصُولِهَا فِي أَزْمِنَتِهَا لَلَزِمَ تَغَيُّرُ عِلْمِهِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَغَيُّرَ الْقَدِيمِ، أَوْ لَزِمَ جَهْلُ الْعَالِمِ، مِثَالُهُ: أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَمَرَ سَيَخْسِفُ سَاعَةَ كَذَا عِلْمًا أَزَلِيًّا، فَإِذَا خَسَفَ بِالْفِعْلِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ الْعِلْمُ فَيَلْزَمُ تَغَيُّرُ الْعِلْمِ السَّابِقِ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَغَيُّرُ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِهِ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ إِذْ حُدُوثُ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الْمَوْصُوفِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَزُولَ الْعِلْمُ الْأَوَّلُ فَيَنْقَلِبُ الْعِلْمُ جَهْلًا، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَلِمَ أَنَّ الْقَمَرَ سَيَخْسِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْقَمَرُ الْآنَ قَدْ خَسَفَ بِالْفِعْلِ. وَلِأَجْلِ هَذَا قَالُوا: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ زَمَانِيٍّ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ:
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ قَبْلَ حُصُولِهَا، وَعِنْدَ حُصُولِهَا. وَأَجَابُوا عَنْ شُبْهَةِ الْفَلَاسِفَةِ بِأَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ مِنْ
ثُمَّ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَحُضُورِهِ ظَاهَرٌ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَأَمَّا الرَّدُّ إِلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَبِالتَّحَاكُمِ إِلَى الْحُكَّامِ الَّذِينَ أَقَامَهُمُ الرَّسُولُ أَوْ أَمَرَهُمْ بِالتَّعْيِينِ، وَإِلَى الْحُكَّامِ الَّذِينَ نَصَّبَهُمْ وُلَاةُ الْأُمُورِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالشَّرِيعَةِ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِوُجُوهِ الشَّرِيعَةِ وَتَصَارِيفِهَا، فَإِنَّ تَعْيِينَ صِفَاتِ الْحُكَّامِ وَشُرُوطِهِمْ وَطُرُقِ تَوْلِيَتِهِمْ، فِيمَا وَرَدَ عَنِ الرَّسُولِ مِنْ أَدِلَّةِ صِفَاتِ الْحُكَّامِ، يَقُومُ مَقَامَ تَعْيِينِ أَشْخَاصِهِمْ، وَبِالتَّأَمُّلِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَسُنَّتِهِ ثُمَّ الصَّدَرِ عَلَى مَا يتبيّن للمتأمّل مِنْ حَالٍ يَظُنُّهَا هِيَ مُرَادُ الرَّسُولِ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ النِّزَاعِ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِهَا الْمَسْكُوتِ عَنْهَا مِنَ الرَّسُولِ، أَوِ الْمَجْهُولِ قَوْلُهُ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تَحْرِيضٌ وَتَحْذِيرٌ مَعًا، لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ووازعان يزعان عَن مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، وَالتَّعْرِيضِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ لِلتَّلَاشِي، وَعَنِ الْأَخْذِ بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا لَا تُرْضِي اللَّهَ وَتَضُرُّ الْأُمَّةَ، فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ دَأْبُ
الْمُسْلِمِ الصَّادِقِ الْإِقْدَامَ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّأَمُّلَ عِنْدَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ وَالصَّدْرَ بَعْدَ عَرْضِ الْمُشْكِلَاتِ عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
وَمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ مَعَ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ حَقًّا، وَتُلَازِمُونَ وَاجِبَاتِ الْمُؤْمِنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ خَيْرٌ فَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْوِيهِ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ الْمَأْخُوذِ مِنْ فَرُدُّوهُ. وَ (خَيْرٌ) اسْمٌ لِمَا فِيهِ نَفْعٌ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّرِّ، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ، وَالْمُرَادُ كَوْنُ الْخَيْرِ وَقُوَّةُ الْحُسْنِ.
وَالتَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أَوَّلَ الشَّيْءَ إِذَا أَرْجَعَهُ، مُشْتَقٌّ مِنْ آلَ يَؤُولُ إِذَا رَجَعَ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى أَحْسَنُ رَدًّا وَصَرْفًا. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيءُ فِي سَرِيَّةٍ.
وَأَخْرَجَ فِي «كِتَابِ الْمَغَازِي» عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيءُ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيءُ أَنْ تُطِيعُونِي» قَالُوا:
«بَلَى» قَالَ: «فَأَجْمِعُوا حَطَبًا» فَجَمَعُوا، قَالَ: «أَوْقِدُوا نَارًا»، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ «ادْخُلُوهَا»، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: «فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيءِ مِنَ
وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ (الْيَوْمَ) بِمَعْنَى الْآنَ، أَيْ زَمَانَ الْحَالِ، الصَّادِقِ بِطَائِفَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، رَسَخَ الْيَأْسُ، فِي خِلَالِهَا، فِي قُلُوبِ أَهْلِ الشِّرْكِ بَعْدَ أَنْ خَامَرَ نُفُوسَهُمُ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ يُطْلِقُونَ (الْيَوْمَ) عَلَى زَمَنِ الْحَالِ، (والأمس) عَلَى الْمَاضِي، وَ (الْغَدَ) عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ زُهَيْرٌ:

وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي
يُرِيدُ بِالْيَوْمِ زَمَانَ الْحَالِ، وَبِالْأَمْسِ مَا مَضَى، وَبِالْغَدِ مَا يُسْتَقْبَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:
رَأَيْتُكَ أَمْسِ خَيْرَ بَنِي مَعَدٍّ وَأَنْتَ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكَ أَمْسِ
وَأَنْتَ غَدًا تُزِيدُ الْخَيْرَ خَيْرًا كَذَاكَ تُزِيدُ سَادَةُ عَبْدِ شَمْسِ
وَفِعْلُ يَئِسَ يَتَعَدَّى بِ (مِنْ) إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي كَانَ مَرْجُوًّا مِنْ قَبْلُ، وَذَلِكَ هُوَ الْقَرِينَةُ
عَلَى أَنَّ دُخُولَ (مِنَ) الَّتِي هِيَ لِتَعْدِيَةِ يَئِسَ عَلَى قَوْلِهِ دِينِكُمْ، إِنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ يَئِسُوا مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، يَعْنِي الْإِسْلَامَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي حُصُولِهِ: هُوَ فُتُورُ انْتِشَارِ الدِّينِ وَارْتِدَادِ مُتَّبِعِيهِ عَنْهُ.
وَتَفْرِيعُ النَّهْيِ عَنْ خَشْيَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ: فَلا تَخْشَوْهُمْ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ يَأْسِهِمْ مِنْ أَذَى الدِّينِ: لِأَنَّ يَأْسَ الْعَدُوِّ مِنْ نَوَالِ عَدُوِّهِ يُزِيلُ بَأْسَهُ، وَيُذْهِبُ حَمَاسَهُ، وَيُقْعِدُهُ عَنْ طَلَبِ عَدُوِّهِ.
وَفِي الحَدِيث: «ونصرت بالرّغب»
. فَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ يَأْسِهِمْ طَمَّنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَأْسِ عَدُوِّهِمْ، فَقَالَ: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ أَوْ لِأَنَّ الْيَأْسَ لَمَّا كَانَ حَاصِلًا مِنْ آثَارِ انْتِصَارَاتِ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمًا فَيَوْمًا، وَذَلِكَ مِنْ تَأْيِيدِ اللَّهِ لَهُمْ، ذَكَّرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ، وَإِنَّ فَرِيقًا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ بَأْسُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا لَأَحْرِيَاءُ بِأَنْ لَا يُخْشَى بَأْسُهُمْ، وَأَنْ يُخْشَى مَنْ خَذَلَهُمْ وَمَكَّنَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْهُمْ.
لِعِيسَى لِئَلَّا يُفْزِعَهُ السُّؤَالُ الْوَارِدُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إِلَخ...
[الْمَائِدَة: ١١٦] وَهَذَا تَقْرِيعٌ لِلْيَهُودِ، وَمَا بَعْدَهَا تَقْرِيعٌ لِلنَّصَارَى. وَالْمُرَادُ مِنَ اذْكُرْ نِعْمَتِي الذُّكْرُ- بِضَمِّ الذَّالِ- وَهُوَ اسْتِحْضَارُ الْأَمْرِ فِي الذِّهْنِ. وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ اذْكُرْ لِلِامْتِنَانِ، إِذْ لَيْسَ عِيسَى بِنَاسٍ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَتِهِ. وَمِنْ لَازِمِهِ خِزْيُ الْيَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ مُفْسِدٌ إِذْ لَيْسَ السِّحْرُ وَالْفَسَادُ بِنِعْمَةٍ يَعُدُّهَا اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ. وَوَجْهُ ذِكْرِ وَالِدَتِهِ هُنَا الزِّيَادَةُ مِنْ تَبْكِيتِ الْيَهُودِ وَكَمَدِهِمْ لِأَنَّهُمْ تَنَقَّصُوهَا بِأَقْذَعَ مِمَّا تَنَقَّصُوهُ.
وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مُتَعَلِّقٌ بِ نِعْمَتِي لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيِ النِّعْمَةَ الْحَاصِلَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ وَقْتُ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ الْقُدُسِ. وَرُوحُ الْقُدُسِ هُنَا جِبْرِيلُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالتَّأْيِيدُ وَرُوحُ الْقُدُسِ تَقَدَّمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧] عِنْدَ قَوْلِهِ: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
وَجُمْلَةُ تُكَلِّمُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ بِ أَيَّدْتُكَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَلْقَى الْكَلَامَ مِنَ الْمَلِكِ عَلَى لِسَانِ عِيسَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ، وَفِي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لَهُ لِإِثْبَاتِ نَزَاهَةِ تَكَوُّنِهِ، وَفِي ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى وَالِدَتِهِ إِذْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهَا مِمَّا اتُّهِمَتْ بِهِ.
وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ فِي الْمَهْدِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تُكَلِّمُ. وكَهْلًا
مَعْطُوفٌ عَلَى فِي الْمَهْدِ لِأَنَّهُ حَالٌ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً [يُونُس: ١٢]. وَالْمَهْدُ وَالْكَهْلُ تَقَدَّمَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَتَكْلِيمُهُ كَهْلًا أُرِيدَ بِهِ الدَّعْوَةُ إِلَى الدِّينِ فَهُوَ مِنَ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يُلْقِي إِلَى عِيسَى مَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ هُنَالِكَ.
إِلَّا أَنَّهُ قَالَ هُنَا فَتَنْفُخُ فِيها وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٤٩] فَأَنْفُخُ فِيهِ. فَعَنْ مَكِّيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ عَادَ إِلَى الطَّيْرِ، وَالضَّمِيرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ
سَنَذْكُرُهُ، وَلَا نَدْرِي هَلْ كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي ابْتَكَرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَأْدَ طَريقَة سنّها أئمّة الشِّرْكِ لِقَوْمِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِمْ، فَهِيَ ضَلَالَةٌ ابْتَدَعُوهَا لِقَوْمِهِمْ بِعِلَّةِ التَّخَلُّصِ مِنْ عَوَائِقِ غَزْوِهِمْ أَعْدَاءَهُمْ، وَمِنْ مَعَرَّةِ الْفَاقَةِ وَالسِّبَاءِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَدَنَةُ الْأَصْنَامِ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى إِنْجَازِ أَمْرِ الْمَوْءُودَةِ إِذَا رَأَوْا مِنْ بَعْضِهِمْ تَثَاقُلًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ «الْكَشَّافُ» إِذْ قَالَ: «وَالْمعْنَى أنّ شركاؤهم مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ مِنْ سَدَنَةِ الْأَصْنَامِ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ بالوأد أَو بالنّحر». وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالشُّرَكَاءُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ هُمُ الَّذِينَ يَتَنَاوَلُونَ وَأْدَ بَنَاتِ الْغَيْرِ فَهُمُ الْقَاتِلُونَ.
وَفِي قِصَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ نَذَرَ إِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ عَشَرَةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ عَدُوِّهِ، لِيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً بِهَذَا الْمَبْلَغِ دَعَاهُمْ إِلَى الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ فَأَطَاعُوهُ وَاسْتَقْسَمَ بِالْأَزْلَامِ عِنْدَ (هُبَلَ) الصَّنَمِ وَكَانَ (هُبَلُ) فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، فَخَرَجَ الزَّلَمُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ لِيَذْبَحَهُ بَين (إساف) و (نائلة) فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: لَا تَذْبَحُهُ حَتَّى تُعْذَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِدَاءٌ فَدَيْنَاهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِاسْتِفْتَاءِ عَرَّافَةٍ بِخَيْبَرَ فَرَكِبُوا إِلَيْهَا فَسَأَلُوهَا وَقَصُّوا عَلَيْهَا الْخَبَرَ فَقَالَتْ: قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنَ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلُوا فَخَرَجَ الْقَدَحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَزِيدُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ وَيَخْرُجُ الْقَدَحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً فَضَرَبَ عَلَيْهَا فَخَرَجَ الْقَدَحُ عَلَى الْإِبِلِ فَنَحَرَهَا. وَلَعَلَّ سَدَنَةَ الْأَصْنَامِ كَانُوا يَخْلِطُونَ أَمْرَ الْمَوْءُودَةِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَى أَصْنَامِ بَعْضِ الْقَبَائِلِ (كَمَا كَانَتْ سُنَّةً مَوْرُوثَةً فِي الْكَنْعَانِيِّينَ مِنْ نَبَطِ الشَّامِ يُقَرِّبُونَ صِبْيَانَهُمْ إِلَى الصَّنَمِ مَلُوكَ، فَتَكُونُ إِضَافَةُ الْقَتْلِ إِلَى الشُّرَكَاءِ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا.
وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْحَقِّ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْبَغْيِ مِثْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْبَغْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَعَطْفُ الْبَغْيَ عَلَى الْإِثْمَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، لِأَنَّ الْبَغْيَ كَانَ دَأْبَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ سَوَّارُ بْنُ الْمُضَرَّبِ السَّعْدِيُّ:
وَأَنِّي لَا أَزَالُ أَخَا حُرُوبٍ إِذَا لَمْ أَجْنِ كُنْتُ مِجَنَّ جَانِ
وَالْإِشْرَاكُ مَعْرُوفٌ وَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ مُنْذُ خَلَقَ الْبَشَرَ.
وَمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ، وَ (مَا) مَفْعُولُ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ، وَالسُّلْطَانُ الْبُرْهَانُ وَالْحُجَّةُ، وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ: بِهِ صِفَةٌ لِ سُلْطاناً، وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى مَعَهُ أَيْ لَمْ يُنَزِّلْ حُجَّةً مُصَاحِبَةً لَهُ، وَهِيَ مُصَاحَبَةُ الْحُجَّةِ لِلْمُدَّعِي وَهِيَ مُصَاحَبَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ
بِقِنْطارٍ
[آل عمرَان: ٧٥] أَيْ سُلْطَانًا عَلَيْهِ، أَيْ دَلِيلًا. وَضَمِيرُ (بِهِ) عَائِدٌ إِلَى (مَا) وَهُوَ الرَّابِطُ لِلصِّلَةِ. فَمَعْنَى نَفْيِ تَنْزِيلِ الْحُجَّةِ عَلَى الشُّرَكَاءِ: نَفِيُ الْحُجَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالذَّاتِ وَالْمُرَادُ وَصْفُهَا، مِثْلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أَيْ أَكْلُهَا. وَهَذِهِ الصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِتَخْطِئَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَنَفْيِ مَعْذِرَتِهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ، بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يُشْتَبَهُ عَلَى النَّاسِ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأَصْنَامِ الْعِبَادَةَ، فَعَرَّفَ الشُّرَكَاءَ الْمَزْعُومِينَ تَعْرِيفًا لِطَرِيقِ الرَّسْمِ بِأَنَّ خَاصَّتَهُمْ: أَنْ لَا سُلْطَانَ عَلَى شَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَكُلُّ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ وَاضِحَةٌ فِيهِ هَذِهِ الْخَاصَّةُ، فَإِنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ مِنْ طُرُقِ التَّعْرِيفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْوَصْفِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ، وَلَا الْمَوْصُولَاتُ مَعْدُودَةٌ فِي صِيَغِ الْمَفَاهِيمِ، فَلَا يَتَّجِهُ مَا أَوْرَدَهُ الْفَخْرُ مِنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: هَذَا يُوهِمُ أَنَّ مِنْ بَيْنِ الشِّرْكِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا وَاحْتِيَاجُهُ إِلَى دَفْعِ هَذَا الْإِيهَامِ، وَلَا مَا قَفَّاهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ «الِانْتِصَافِ» مِنْ تَنْظِيرِ نَفْيِ السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
على لَا حب لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
وَجُزِمَ يَأْخُذُوا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: وَأْمُرْ تَحْقِيقًا لحُصُول امتثالهم عِنْد مَا يَأْمُرُهُمْ.
وبِأَحْسَنِها وَصْفٌ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ مَقْصُودٌ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحُسْنِ، فَإِضَافَتُهَا إِلَى
ضَمِيرِ الْأَلْوَاحِ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: بِالْأَحْسَنِ الَّذِي هُوَ لَهَا وَهُوَ جَمِيعُ مَا فِيهَا، لِظُهُورِ أَنَّ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرَائِعِ لَيْسَ بَيْنَهُ تَفَاضُلٌ بَيْنَ أَحْسَنَ وَدُونَ الْأَحْسَنِ، بَلْ كُلُّهُ مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ فِيمَا عُيِّنَ لَهُ، وَلِظُهُورِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخْذِ بِبَعْضِ الشَّرِيعَةِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُفَصَّلٌ فِيهَا مَرَاتِبُ الْأَعْمَالِ، فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ كَانَ عِنْدَهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، كَالْمَنْدُوبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُبَاحِ، وَكَالرُّخْصَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَزِيمَةِ، كَانَ التَّرْغِيبُ فِي الْعَمَلِ بِالْأَفْضَلِ مَذْكُورًا فِي الشَّرِيعَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْذِ بِهَا، فَقَرَائِنُ سَلْبِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ قَائِمَةٌ وَاضِحَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالتَّعَزُّبِ إِلَى التَّنْظِيرِ بِتَرَاكِيبَ مَصْنُوعَةٍ أَوْ نَادِرَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ كَلَامِ الْفُصَحَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ [٥٥]. وَالْمَعْنَى:
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِمَا فِيهَا لحسنها.
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ.
كَلَامٌ مُوَجَّهٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَهُ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا: هُوَ وَعْدٌ لَهُ بِدُخُولِهِمُ الْأَرْضَ الْمَوْعُودَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُتَّصِلَةً بِمَا قَبْلَهَا فَتَكُونُ مِنْ تَمَامِ جُمْلَةِ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها عَلَى أَنَّهَا تَحْذِيرٌ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي شَيْءٍ مِمَّا كُتِبَ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ. وَالْمَعْنَى سَأُبَيِّنُ لَكُمْ عِقَابَ الَّذِينَ لَا يَأْخُذُونَ بِهَا.
وَالدَّارُ الْمَكَانُ الَّذِي تَسْكُنُهُ الْعَائِلَةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٨١] وَالْمَكَانُ الَّذِي يَحُلُّهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَيٍّ أَوْ قَبِيلَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الْأَعْرَاف: ٩١] وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَتُطْلَقُ الدَّارُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ النَّاسُ أَوِ الْمَرْءُ مِنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْد: ٢٤]، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَآلُ الْمَرْءِ وَمَصِيرُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ يَأْوِي إِلَيْهِ فِي شَأْنِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٥].
وَخُوطِبَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ بِاعْتِبَارِ
وَالِامْتِنَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ جَبَلَهُ عَلَى صِفَاتٍ فِيهَا كُلُّ خَيْرٍ لَهُمْ.
وَشَرْعِ الزَّكَاةِ وَمَصَارِفِهَا وَالْأَمْرِ بِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَنَشْرِ دَعْوَةِ الدِّينِ. اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ كِتَابَةَ الْبَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ بَرَاءَةٌ، كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. فَجَعَلُوا سُورَةَ بَرَاءَةٌ عَقِبَ سُورَةِ الْأَنْفَالِ بِدُونِ بَسْمَلَةٍ بَيْنَهُمَا، وَتَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ. وَأَوْضَحُ الْأَقْوَالِ مَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَت قصّتها شَبِيها بِقِصَّتِهَا وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
. وَنَشَأَ مِنْ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ كَتَبَةَ الْمَصَاحِفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَنْفَالِ. وَبَرَاءَة، هَلْ هُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ هُمَا سُورَتَانِ، فَتَرَكُوا فُرْجَةً فَصْلًا بَيْنَهُمَا مُرَاعَاةً
لِقَوْلِ مَنْ عَدَّهُمَا سُورَتَيْنِ، وَلَمْ يَكْتُبُوا الْبَسْمَلَةَ بَيْنَهُمَا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمَا سُورَةً وَاحِدَةً،
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ أَمَانٌ وَبِشَارَةٌ، وَسُورَةُ بَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِنَبْذِ الْعُهُودِ وَالسَّيْفِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُبْدَأْ بِشِعَارِ الْأَمَانِ
، وَهَذَا إِنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُونَ الْبَسْمَلَةَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ عَدَا سُورَةِ بَرَاءَةٌ، فَفِي هَذَا رَعْيٌ لِبَلَاغَةِ مَقَامِ الْخِطَابِ كَمَا أَنَّ الْخَاطِبَ الْمُغْضَبَ يبْدَأ خطبَته «بأمّا بَعْدُ» دُونَ اسْتِفْتَاحٍ. وَشَأْنُ الْعَرَبِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ عَهْدٌ فَأَرَادُوا نَقْضَهُ، كَتَبُوا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْبِذُونَ إِلَيْهِمْ بِالْعَهْدِ كِتَابًا وَلَمْ يَفْتَتِحُوهُ بِكَلِمَةِ «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ بِنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى الْمَوْسِمِ فَقَرَأَ صَدْرَ بَرَاءَةٌ وَلَمْ يُبَسْمِلْ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي رَسَائِلِ نَقْضِ الْعُهُودِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» : قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى

[سُورَة يُونُس (١٠) : الْآيَات ٩ إِلَى ١٠]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)
جَاءَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِتَكُونَ أَحْوَالُ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلَّةً بِالذِّكْرِ غَيْرَ تَابِعَةٍ فِي اللَّفْظِ لِأَحْوَالِ الْكَافِرِينَ، وَهَذَا مِنْ طُرُقِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا مُقَابَلَةُ أَحْوَالِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِلِقَاءِ اللَّهِ بِأَضْدَادِهَا تنويها بِأَهْلِهَا وإغاضة لِلْكَافِرِينَ.
وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمَوْصُولِيَّةِ هُنَا دُونَ اللَّامِ لِلْإِيمَاءِ بِالْمَوْصُولِ إِلَى عِلَّةِ بِنَاءِ الْخَبَرِ وَهِيَ أَنَّ إِيمَانَهُمْ وَعَمَلَهُمْ هُوَ سَبَبُ حُصُولِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ لَهُمْ.
وَالْهِدَايَةُ: الْإِرْشَادُ عَلَى الْمَقْصِدِ النَّافِعِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ. فَمَعْنَى يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ يُرْشِدُهُمْ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ. وَالْمَقْصُودُ الْإِرْشَادُ التَّكْوِينِيُّ، أَيْ يَخْلُقُ فِي نُفُوسِهِمُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ وَتَسْهِيلَ الْإِكْثَارِ مِنْهَا. وَأَمَّا الْإِرْشَادُ الَّذِي هُوَ الدَّلَالَةُ بِالْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ فَاللَّهُ يُخَاطِبُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ.
وَالْبَاءُ فِي بِإِيمانِهِمْ لِلسَّبَبِيَّةِ، بِحَيْثُ إِنَّ الْإِيمَانَ يَكُونُ سَبَبًا فِي مَضْمُونِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ فَتَكُونُ الْبَاءُ لِتَأْكِيدِ السَّبَبِيَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالْمَوْصُولِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا إِلَى بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يُونُس: ٧، ٨] فِي تَكْوِينِ هِدَايَتِهِمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ نُورًا يُوضَعُ فِي عَقْلِ الْمُؤْمِنِ وَلِذَلِكَ النُّورِ أَشِعَّةٌ نُورَانِيَّةٌ تَتَّصِلُ بَيْنَ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ عَوَالِمِ الْقُدْسِ فَتَكُونُ سَبَبًا مِغْنَاطِيسِيًّا لِانْفِعَالِ النَّفْسِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْكَمَالِ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَلِذَلِكَ يَقْتَرِبُ مِنَ الْإِدْرَاكِ الصَّحِيحِ الْمَحْفُوظِ مِنَ الضَّلَالِ بِمِقْدَارِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «قَدْ يَكُونُ
فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ»

(١). قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ
_________
(١) أخرجه الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ. وَاللَّفْظ لَهُ.
صَارَ بِمَنْزِلَةِ: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا.
وَمِنْ بَدِيعِ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّهُ أَشَدُّ اخْتِصَاصًا بِالنَّوْعِ الْمَقْصُودِ مِنْ بَيْنِ عُمُومِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ الْمَالِكُ الْقَاهِرُ لِجَمِيعِ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، فَكَوْنُهُ مَالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَكَوْنُهُ قَاهِرًا لَهُمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْجِزَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، أَيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِتَوَكُّلِي عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِإِجْرَاءِ أَفْعَالِهِ عَلَى طَرِيقِ الْعَدْلِ وَالتَّأْيِيدِ لِرُسُلِهِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] مُسْتَعَارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ الِاتِّصَافُ الرَّاسِخُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ مُسْتَعَارٌ لِلْفِعْلِ الْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لِأَنَّ الْعَدْلَ يُشَبَّهُ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالسَّوَاءِ. قَالَ تَعَالَى: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [مَرْيَم: ٤٣]. فَلَا جَرَمَ لَا يُسْلِمُ الْمُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ للظّالمين.
[٥٧]
[سُورَة هود (١١) : آيَة ٥٧]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)
تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [هود: ٥٤]. وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ أَوْجَبَهُ قَصْدُ الْمُبَادَرَةِ بِإِبْطَالِ بَاطِلِهِمْ لِأَنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [هود: ٥٤] بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ هُودٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ أَصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ اخْتِصَارًا، فَهُوَ مُضَارِعٌ، وَهُوَ خِطَابُ هُودٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِقَوْمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِجْرَاءِ الضَّمَائِرِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْحِفْظُ: الْمُرَاقَبَةُ، وَمِنْهُ سُمِّي الرَّقِيبُ حَفِيظًا. وَالْمَعْنَى: يُرَاقِبُونَ كُلَّ أَحَدٍ فِي أَحْوَالِهِ مِنْ إِسْرَارٍ وَإِعْلَانٍ، وَسُكُونٍ وَحَرَكَةٍ، أَيْ فِي أَحْوَالِ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [الانفطار: ١٠].
ومِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْإِحَاطَةِ مِنَ الْجِهَاتِ كُلِّهَا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ صِفَةُ مُعَقِّباتٌ، أَيْ جَمَاعَاتٌ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاء: ٨٥] وَقَوْلِهِ: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] يَعْنِي الْقُرْآنَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِفْظُ على الْوَجْه الثَّانِي مرَادا بِهِ الْوِقَايَةُ وَالصِّيَانَةُ، أَيْ يَحْفَظُونَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، أَيْ يَقُونَهُ أَضْرَارَ اللَّيْلِ مِنَ اللُّصُوصِ وَذَوَاتِ السُّمُومِ، وَأَضْرَارَ النَّهَارِ نَحْوَ الزِّحَامِ وَالْقِتَالِ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ جَارًّا وَمَجْرُورًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِ يَحْفَظُونَهُ، أَيْ يَقُونَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ. وَهَذَا مِنَّةٌ عَلَى الْعِبَادِ بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَ أَدْنَى شَيْءٍ يَضُرُّ بِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [سُورَة الشورى: ١٩].
إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَسُوقَةِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ بِمَصْنُوعَاتِهِ وَبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ وَبَيْنَ جُمْلَةِ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً
وَطَمَعاً
[سُورَة الرَّعْد: ١٢]. وَالْمَقْصُودُ تَحْذِيرُهُمْ مِنِ الْإِصْرَارِ عَلَى الشِّرْكِ بِتَحْذِيرِهِمْ مِنْ حُلُولِ الْعِقَابِ فِي الدُّنْيَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِعْجَالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي نِعْمَةٍ مِنَ الْعَيْشِ فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ وَقَابَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُزْءِ وَعَامَلُوا الْمُؤْمِنِينَ بالتّحقير وَقَالُوا لَو نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]- وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل: ١١].
إِلَى إِنْكَارِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ فَلَا جَرَمَ كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَإِبْطَالِ الشِّرْكِ مُقَدَّمًا عَلَى إِثْبَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الْمُبْدَأُ بِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [سُورَة النَّحْل: ٢].
وَعُدِّدَتْ دَلَائِلُ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهَا مُتَضَمِّنَةً نِعَمًا جَمَّةً عَلَى النَّاسِ إِدْمَاجًا لِلِامْتِنَانِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَتَعْرِيضًا بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ قَدْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ إِذْ شَكَرُوا مَا لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِمْ وَنَسُوا مَنِ انْفَرَدَ بِالْإِنْعَامِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ الْكُفْرَانِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ عَطْفُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [سُورَة إِبْرَاهِيم: ٣٤] عَلَى جُمْلَةِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [سُورَة النَّحْل: ١٧].
وَالِاسْتِدْلَالُ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ وَأَجْمَعُ لِأَنَّهَا مَحْوِيَّةٌ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِمَا، لَكِن مَا فِيهِ مِنْ إِجْمَالِ الْمَحْوِيَّاتِ اقْتَضَى أَنْ يُعَقَّبَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِأَصْنَافِ الْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقَاتِ فَثَنَّى بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ
وَأَطْوَارِهِ وَهُوَ أَعْجَبُ الْمَوْجُودَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الْحَيَوَانِ وأحواله لِأَنَّهُ يجمع الْأَنْوَاعَ الَّتِي تَلِي الْإِنْسَانَ فِي إِتْقَانِ الصُّنْعِ مَعَ مَا فِي أَنْوَاعِهَا مِنَ الْمِنَنِ، ثُمَّ بِخَلْقِ مَا بِهِ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَهُوَ الْمَاءُ وَالنَّبَاتُ، ثُمَّ بِخَلْقِ أَسْبَابِ الْأَزْمِنَةِ وَالْفُصُولِ وَالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الْمَعَادِنِ الْأَرْضِيَّةِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْبِحَارِ ثُمَّ بِخَلْقِ الْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ وَالطُّرُقَاتِ وَعَلَامَاتِ الِاهْتِدَاءِ فِي السَّيْرِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ. وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ خَلَقَ إِذِ الْخَلْقُ هُوَ الْمُلَابِسُ لِلْحَقِّ.
وَالْحَقُّ: هُنَا ضِدُّ الْعَبَثِ، فَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ وَالْجَدِّ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ١٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [سُورَة ص: ٢٧]. وَالْحَقُّ وَالصِّدْقُ يُطْلَقَانِ وَصْفَيْنِ لِكَمَالِ الشَّيْءِ فِي نَوْعِهِ.
وَجُمْلَةُ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ مُعْتَرِضَةٌ.
لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ يُلْصِقُوا بِهَا تُهْمَةً بِبَعْضِ جِيرَتِهَا، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ إِذَا تَزَوَّجَ مِنْهُمْ شَيْخٌ مُسِنٌّ امْرَأَةً شَابَّةً أَوْ نِصْفًا فَوَلَدَتْ لَهُ أَلْصَقُوا الْوَلَدَ بِبَعْضِ الْجِيرَةِ. وَلِذَلِكَ لَمَّا
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا «سَلُونِي» أَكْثَرَ الْحَاضِرُونَ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: مَنْ أَبِي؟ فَيَقُولُ: أَبُوكَ فُلَانٌ
. وَكَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبُوهُ أَبْيَضَ أَزْهَرَ، وَقَدْ أثبت النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُسَامَةَ بن زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. فَهَذَا خُلُقٌ بَاطِلٌ كَانَ مُتَفَشِّيًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ سُوءِ أَثَرِهِ.
وَمِنْهَا تَجَنُّبُ الْكَذِبِ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقْفُ: لَا تَقُلْ: رَأَيْتُ وَأَنْتَ لَمْ تَرَ، وَلَا سَمِعْتُ وَأَنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، وَعَلِمْتُ وَأَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ.
وَمِنْهَا شَهَادَةُ الزُّورِ وَشَمِلَهَا هَذَا النَّهْيُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَ مُحَمَّدُ بن الْحَنَفِيَّةَ وَجَمَاعَةٌ.
وَمَا يَشْهَدُ لِإِرَادَةِ جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِجُمْلَةِ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. فَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ تَعْلِيلٍ، أَيْ أَنَّكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ تَسْأَلُ عَمَّا تُسْنِدُهُ إِلَى سَمْعِكَ وَبَصَرِكَ وَعَقْلِكَ بِأَنَّ مَرَاجِعَ الْقَفْوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِلَى نِسْبَةٍ لِسَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ أَوْ عَقْلٍ فِي الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ.
وَهَذَا أَدَبٌ خُلُقِيٌّ عَظِيمٌ، وَهُوَ أَيْضًا إِصْلَاحٌ عَقْلِيٌّ جَلِيلٌ يُعَلِّمُ الْأُمَّةَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْخَوَاطِرِ الْعَقْلِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِطُ عِنْدَهَا الْمَعْلُومُ وَالْمَظْنُونُ وَالْمَوْهُومُ. ثُمَّ هُوَ أَيْضًا إِصْلَاحٌ
اجْتِمَاعِيٌّ جَلِيلٌ يُجَنِّبُ الْأُمَّةَ مِنَ الْوُقُوعِ وَالْإِيقَاعِ فِي الْأَضْرَارِ وَالْمَهَالِكِ مِنْ جَرَّاءِ الِاسْتِنَادِ إِلَى أَدِلَّةٍ مَوْهُومَةٍ.
وَقَدْ صِيغَتْ جُمْلَةُ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا عَلَى هَذَا النَّظْمِ بِتَقْدِيم (كل) الدَّالَّة عَلَى الْإِحَاطَةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ بِأَنْ يُقَالَ: كُلُّهَا كَانَ عَنهُ مسؤولا، لِمَا فِي الْإِشَارَةِ مِنْ زِيَادَةِ التَّمْيِيزِ. وَأُقْحِمَ فِعْلُ (كَانَ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى رُسُوخِ الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
بِتَفْضِيلِهِ عَلَى يَحْيَى إِذْ قِيلَ فِي شَأْنِهِ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
[مَرْيَم: ١٥]، وَذَلِكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ وَبَيْنَ النَّكِرَةِ.
وَيَجُوزُ جَعْلُ اللَّامِ لِلْعَهْدِ، أَيْ سَلَامٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَبِالْأَمْرِ بِكَرَامَتِهِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الْأَحْزَاب: ٥٦]، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ الْمُتَشَهِّدِ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيءُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
وَمُؤْذِنٌ أَيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِالْيَهُودِ إِذْ طَعَنُوا فِيهِ وَشَتَمُوهُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالُوا: وُلِدَ مِنْ زِنًى، وَقَالُوا: مَاتَ مَصْلُوبًا، وَقَالُوا: يُحْشَرُ مَعَ الْمَلَاحِدَةِ وَالْكَفَرَةِ، لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَفَرَ بِأَحْكَامٍ من التَّوْرَاة.
[٣٤- ٣٥]
[سُورَة مَرْيَم (١٩) : الْآيَات ٣٤ إِلَى ٣٥]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)
اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَقُولَةِ فِي قَوْلِهِ: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مَرْيَم: ٣٠] مَعَ قَوْلِهِ:
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ [مَرْيَم: ٣٦]، أَيْ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لَا كَمَا تَزْعُمُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ.
وَالْإِشَارَةُ لِتَمْيِيزِ الْمَذْكُورِ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا، إِذْ أَنْزَلَهُ الْيَهُودُ إِلَى حَضِيضِ الْجُنَاةِ، وَرَفَعَهُ النَّصَارَى إِلَى مَقَامِ الْإِلَهِيَّةِ، وَكِلَاهُمَا مُخْطِئٌ مُبْطِلٌ، أَيْ ذَلِكَ هُوَ عِيسَى بِالْحَقِّ،
لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ جَاءَ بِكَلَامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الْأَصْنَامِ إِلَّا الْكَبِيرُ. وَفِي تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ كَبِيرُهُمْ هَذَا الَّذِي حَطَّمَهُمْ إِخْطَارُ دَلِيلِ انْتِفَاءِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ لِأَنَّهُ أَوْهَمَهُمْ أَنَّ كَبِيرَهُمْ غَضِبَ مِنْ مُشَارَكَةِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ لَهُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ، وَذَلِكَ تَدَرُّجٌ إِلَى دَلِيلِ الْوَحْدَانِيَّةِ، فَإِبْرَاهِيمُ فِي إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْفَاعِلَ أَرَادَ إِلْزَامَهُمُ الْحُجَّةَ عَلَى انْتِفَاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ الْعَظِيمِ، وَانْتِفَاءِ أُلُوهِيَّةِ الْأَصْنَامِ الْمُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى نِيَّة أَن يكر عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ
بِالْإِبْطَالِ وَيُوقِنَهُمْ بِأَنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الْأَصْنَامَ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أَنْفُسِهَا وَلَوْ كَانَ كَبِيرُهُمْ كَبِيرَ الْآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حَاشِيَتِهِ وُحَرَفَائِهِ، وَلذَلِك قَالَ فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَتَعْرِيضًا بِأَنَّ مَا لَا يَنْطِقُ وَلَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْإِلَهِيَّةِ.
وَشَمل ضمير فَسْئَلُوهُمْ جَمِيعَ الْأَصْنَامِ مَا تَحَطَّمَ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ قَائِمًا. وَالْقَوْمُ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِنْ قَبْلُ إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ أَنْ يُقْنِعَهُمْ بِأَنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذَا يُوجِبُ أَنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَنْ فَعَلَهُ بِهِمْ. وَهَذَا نَظِيرُ اسْتِدْلَالِ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْرِقُ عَادَةً لِتَصْدِيقِ الْكَاذِبِ، فَخَلْقُهُ خَارِقَ الْعَادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ تَصْدِيقَهُ.
وَأَمَّا مَا
رُوِيَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُ فِي ذَات الله- عَزَّ وَجَلَّ- قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ:
إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي. فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي
... »
وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
الْعَذَابِ هُنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَذَابٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَذْكُورِ آنِفًا مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ إِعَادَةَ ذِكْرِ الْأَوَّلِ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ [١٣- ١٥] أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ إِلَى قَوْله إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ. وَالْمَعْنَى فَلَمْ يَكُنْ حَظُّهُمْ حِينَ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ إِلَّا العويل والجؤار دُونَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
وَقِيلَ: هَذَا عَذَابٌ آخَرُ سَابِقٌ لِلْعَذَابِ الْمَذْكُورِ آنِفًا فَيَتَرَكَّبُ هَذَا عَلَى التَّفَاسِيرِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ عَذَابُ الْجُوعِ الْأَوَّلِ أَوْ عَذَابُ الْجُوعِ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ لِعَذَابِ يَوْمِ بَدْرٍ.
وَالِاسْتِكَانَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخُضُوعِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ لِأَنَّ الَّذِي يَخْضَعُ يَقْطَعُ الْحَرَكَةَ أَمَامَ مَنْ خَضَعَ لَهُ، فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ السُّكُونِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ السُّكُونِ وَقُوَّتِهِ.
وَأَلِفُهُ أَلِفُ الِافْتِعَالِ مِثْلُ الِاضْطِرَابِ، وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي اسْتِعَاذَةٍ.
وَقِيلَ الْأَلِفُ لِلْإِشْبَاعِ، أَيْ زِيدَتْ فِي الِاشْتِقَاقِ فَلَازَمَتِ الْكَلِمَةَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْإِشْبَاعِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَعْمِلُونَ شُذُوذًا كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ أَيْ يَنْبُعُ. وَأَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عَلَى الْإِشْبَاعِ فِي نَحْوِهِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ:
وَأَنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تُرْمَى وَمِنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ
أَرَادَ: بِمُنْتَزَحٍ فَأَشْبَعَ الْفَتْحَةَ.
وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ اسْتَكانُوا اسْتِفْعَالًا مِنَ الْكَوْنِ مِنْ جِهَتَيْنِ: جِهَةِ مَادَّتِهِ فَإِنَّ مَعْنَى الْكَوْنِ فِيهِ غَيْرُ وَجِيهٍ وَجِهَةِ صِيغَتِهِ لِأَنَّ حَمْلَ السِّينِ وَالتَّاءِ فِيهِ عَلَى مَعْنَى الطَّلَبِ غَيْرُ وَاضِحٍ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي يَتَضَرَّعُونَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَجَدُّدِ انْتِفَاءِ تَضَرُّعِهِمْ. وَالتَّضَرُّعُ:
الدُّعَاءُ بِتَذَلُّلٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فِي سُورَةِ
لِلْإِمْكَانِ فَكَانَ فِي آيَةِ الْإِنْبَاتِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِبْطَالِ أَصْلَيْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ وَهَمَا: أَصْلُ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ، وَأَصْلُ إِنْكَارِ الْبَعْثِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِنْبَاتِ عَلَى الصَّانِعِ الْوَاحِدِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ فَلَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ نَزَلَتْ رُؤْيَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ: إِنْكَارُ عَدَمِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
وَجُمْلَةُ: كَمْ أَنْبَتْنا بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ يَرَوْا فَهِيَ مَصَبُّ الْإِنْكَارِ. وَقَوْلُهُ:
إِلَى الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَرَوْا، أَيْ أَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الْأَرْضِ وَهِيَ بِمَرْأًى مِنْهُمْ.
وكَمْ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَهِيَ هُنَا خَبَرِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ بِ أَنْبَتْنا. وَالتَّقْدِيرُ: أَنْبَتْنَا فِيهَا كَثِيرًا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ.
ومِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وَمَوْرِدُ التَّكْثِيرِ الَّذِي أَفَادَتْهُ كَمْ هُوَ كَثْرَةُ الْإِنْبَاتِ فِي أَمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، وَمَوْرِدُ الشُّمُولِ الْمُفَادِ مِنْ كُلِّ هُوَ أَنْوَاعُ النَّبَاتِ وَأَصْنَافُهُ وَفِي الْأَمْرَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى دَقِيقِ الصُّنْعِ. وَاسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أَبْعَاضِ كُلِّ زَوْجٍ عَنْ ذِكْرِ مُمَيَّزِ كَمْ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّبْعِيضِ.
وَالزَّوْجُ: النَّوْعُ، وَشَاعَ إِطْلَاقُ الزَّوْجِ عَلَى النَّوْعِ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ تَقَدَّمَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٣]، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى فِي طه [٥٣].
وَالْكَرِيمُ: النَّفِيسُ مِنْ نَوْعِهِ قَالَ تَعَالَى: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فِي الْأَنْفَالِ [٤]، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَرُّوا كِراماً فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [٧٢]. وَهَذَا مِنْ إِدْمَاجِ الِامْتِنَانِ فِي ضِمْنِ الِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى بَدِيعِ الصُّنْعِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ فِي إِنْبَاتِ الْكَرِيمِ وَغَيْرِهِ. فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِإِنْبَاتِ الْكَرِيمِ مِنْ ذَلِكَ وَفَاءٌ بِغَرَضِ الِامْتِنَانِ مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الِاسْتِدْلَالِ. وَأَيْضًا فَنَظَرُ النَّاسِ فِي الْأَنْوَاعِ الْكَرِيمَةِ أَنْفَذُ وَأشهر لِأَنَّهُ يبتدىء بِطَلَبِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا وَالْإِعْجَابِ بِهَا فَإِذَا تَطَلَّبَهَا وَقَعَ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَكُونُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي الْآيَةِ مِنْ قَبِيلِ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَا هُمْ مُمَارِسُونَ لَهُ وَرَاغِبُونَ فِيهِ.
وَاسْمُ الْمَرْأَتَيْنِ (لَيَّا) وَ (صَفُّورَةُ). وَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: أَنَّ أَبَاهُمَا كَاهِنُ مَدْيَنَ. وَسَمَّاهُ فِي ذَلِكَ السِّفْرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ رَعْوِيلَ ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ يَثْرُونَ وَوَصَفَهُ بِحَمِيِّ مُوسَى، فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعِبْرِيِّ فِي «تَارِيخِهِ» : يَثْرُونُ بْنُ رَعْوِيلَ لَهُ سَبْعُ بَنَاتٍ خَرَجَ لِلسَّقْيِ مِنْهُمَا اثْنَتَانِ، فَيَكُونُ شُعَيْبٌ هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْيَهُودِ يَثْرُونَ. وَالتَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ بِالْكَاهِنِ اصْطِلَاحٌ. لِأَنَّ الْكَاهِنَ يُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ وَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَائِمِ بِأُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ الْيَهُودِ. وَلِلْجَزْمِ بِأَنَّهُ شُعَيْبٌ الرَّسُولُ جَعَلَ عُلَمَاؤُنَا مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةَ شَرْعًا سَابِقًا فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسَائِلَ مَبْنِيَّةً عَلَى أَصْلِ: أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الرُّسُلِ الْإِلَهِيِّينَ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ
يَرِدْ نَاسِخٌ.
وَمِنْهَا مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ الْأَعْمَالَ وَالسَّعْيُ فِي طُرُقِ الْمَعِيشَةِ، وَوُجُوبُ اسْتِحْيَائِهَا، وَوِلَايَةُ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ، وَجَعْلُ الْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ مَهْرًا، وَجَمْعُ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْإِجَارَةِ. وَقَدِ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَيْهَا الْقُرْطُبِيُّ. وَفِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنِ الِاسْتِنْبَاطِ مِمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يُوجَدُ دَلِيلُهُ فِي الْقُرْآنِ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.
وَفِي إِذْنه لَا بنتيه بِالسَّقْيِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُعَالَجَةِ الْمَرْأَةِ أُمُورَ مَالِهَا وَظُهُورِهَا فِي مَجَامِعِ النَّاسِ إِذَا كَانَتْ تَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فَإِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا حَكَاهُ شَرْعُنَا وَلَمْ يَأْتِ مِنْ شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ. وَأَمَّا تَحَاشِي النَّاسِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُرُوءَةِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا تَقْتَضِيهِ الْمُرُوءَةُ وَالْعَادَاتُ مُتَبَايِنَةٌ فِيهِ وَأَحْوَالُ الْأُمَمِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ وَخَاصَّةً مَا بَيْنَ أَخْلَاقِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ مِنَ الِاخْتِلَافِ.
وَدُخُولُ لِما التَّوْقِيتِيَّةُ يُؤْذِنُ بِاقْتِرَانِ وُصُولِهِ بِوُجُودِ السَّاقِينَ. وَاقْتِرَانُ فِعْلِ (سَقَى) بِالْفَاءِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ بَادَرَ فَسَقَى لَهُنَّ، وَذَلِكَ بِفَوْرِ وُرُودِهِ.
وَمَعْنَى فَسَقى لَهُما أَنَّهُ سَقَى مَا جِئْنَ لِيَسْقِينَهُ لِأَجْلِهِمَا، فَاللَّامُ لِلْأَجْلِ، أَيْ لَا يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ إِلَّا هُمَا، أَيْ رَأْفَةً بِهِمَا وَغَوْثًا لَهُمَا. وَذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ مُرُوءَتِهِ أَنِ اقْتَحَمَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الشَّاقَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْيَاءِ عِنْدَ الْوُصُولِ.
وَالتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَلَى طَرِيقِهِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مِنْ قَبْلُ فِي ظِلٍّ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ تَوَلَّى مُرَادِفُ (وَلَّى) وَلَكِنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْتَضِيَ
الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْإِذَاقَةِ آنِفًا. وَالْقُنُوطُ: الْيَأْسُ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٥٥]
عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ.
وَأُدْمِجَ فِي خِلَالِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ لِتَنْبِيهِهِمْ إِلَى أَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ حَالَةٍ سَيِّئَةٍ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا سَبَّبُهَا أَفْعَالُهُمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَسْبَابًا لِمُسَبِّبَاتٍ مُؤَثِّرَةٍ لَا يُحِيطُ بِأَسْرَارِهَا وَدَقَائِقِهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَمَا عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَنْ يُحَاسِبُوا أَنْفُسَهُمْ وَيُجْرُوا أَسْبَابَ إِصَابَةِ السَّيِّئَاتِ، وَيَتَدَارَكُوا مَا فَاتَ، فَذَلِكَ أَنْجَى لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَأَجْدَرُ مِنَ الْقُنُوطِ.
وَهَذَا أَدَبٌ جَلِيلٌ مِنْ آدَابِ التَّنْزِيلِ قَالَ تَعَالَى مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النِّسَاء: ٧٩].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَقْنَطُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ قَنِطَ مِنْ بَابِ حَسِبَ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو الْكسَائي بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ قَنَطَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَهُمَا لُغَتَانِ فِيهِ.
ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ إِهْمَالَ التَّأَمُّلِ فِي سُنَّةِ اللَّهِ الشَّائِعَةِ فِي النَّاسِ: مِنْ لَحَاقِ الضُّرِّ وَانْفِرَاجِهِ، وَمِنْ قِسْمَةِ الْحُظُوظِ فِي الرِّزْقِ بَيْنَ بَسْطٍ وَتَقْتِيرٍ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ كُلَّ حِينٍ فَكَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْنَطُوا مِنْ بَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ فِي حِينِ تَقْتِيرِهِ فَكَدَحُوا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ بِالْأَسْبَابِ وَالدُّعَاءِ فَكَذَلِكَ كَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَتَلَقَّوُا السُّوءَ النَّادِرَ بِمِثْلِ مَا يَتَلَقَّوْنَ بِهِ ضِيقَ الرِّزْقِ، فَيَسْعَوْا فِي كَشْفِ السَّيِّئَةِ بِالتَّوْبَةِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ وَبِتَعَاطِي أَسْبَابِ زَوَالِهَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَجُمْلَةُ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إِلَخْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ فِي مَعْنَى النَّفْيِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ تَنْزِيلًا لِرُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِإِهْمَالِ آثَارِهَا مِنَ الِاعْتِبَارِ بِهَا. فَالتَّقْدِيرُ: إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ كَيْفَ لَمْ يَرَوْا بَسْطَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَتَقْتِيرَهُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ. وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ تَذْيِيلٌ، أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ حَاصِلَةٌ كَثْرَتُهَا مِنِ اشْتِمَالِ كُلِّ حَالَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ عَلَى أَسْبَابٍ
وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِينَ سَنُّوا ذَلِكَ هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلَى «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» «يُسْتَحَبُّ لِكَاتِبِ الْحَدِيثِ إِذا مر بِذكر اللَّهِ أَنْ يَكْتُبَ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ تَعَالَى، أَوْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَوْ جَلَّ ذِكْرُهُ، أَوْ تَبَارَكَ اسْمُهُ، أَوْ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذكر النبيء «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» بكمالها لَا رَامِزًا إِلَيْهَا وَلَا مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِهَا، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا فِي الْأَصْلِ الَّذِي يُنْقَلُ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ رِوَايَةً وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء. وَيَنْبَغِي للقارىء أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي الْأَصْلِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنْهُ وَلَا يَسْأَمُ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ، وَمَنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي صَلُّوا عَلَيْهِ حُكْمًا وَمَكَانًا وَصِفَةً فَإِنَّ صِفَتَهُ حُدِّدَتْ
بِقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ»
فَإِنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ صِيغَتُهُ الَّتِي فِي التَّشَهُّدِ «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيءُ وَرَحِمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيءِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ». وَالْجُمْهُورُ أَبْقَوْا لَفْظَهُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَعْيًا لِمَا
وَرَدَ عَنِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ حَيٌّ يَبْلُغُهُ تَسْلِيمَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى أُبْقِيَتْ لَهُ صِيغَةُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَهِيَ الصِّيغَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ فِيهَا لَفَظُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى الْأَمْوَاتِ يَكُونُ بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ عَلَى لَفْظِ السَّلَامِ. وَقَدْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للَّذي سلم عَلَيْهِ فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ».
وَالتَّسْلِيمُ مَشْهُورٌ فِي أَنَّهُ التَّحِيَّةُ بِالسَّلَامِ، وَالسَّلَامُ فِيهِ بِمَعْنَى الْأَمَانِ وَالسَّلَامَةِ، وَجُعِلَ تَحِيَّةً فِي الْأَوَّلِينَ عِنْدَ اللِّقَاءِ مُبَادَأَةً بِالتَّأْمِينِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ وَالثَّأْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذْ كَانُوا إِذْ اتَّقَوْا أَحَدًا تَوَجَّسُوا خِيفَةً أَنْ يَكُونَ مُضْمِرًا شَرًّا لِمُلَاقِيهِ، فَكِلَاهُمَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْخَوْفَ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ مُلْقٍ عَلَى مُلَاقِيهِ سَلَامَةً وَأَمْنًا. ثُمَّ شَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ هَذَا اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى الْكَرَامَةِ وَالتَّلَطُّفِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
يَا وَيْلَنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات: ٢٠]، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْرِيضِ بِالْوَعِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهِمْ، أَيْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ.
والْفَصْلِ: تَمْيِيزُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ، أَيْ هَذَا يَوْمٌ يُفْضِي عَلَيْكُمْ بِمَا اسْتَحْقَقْتُمُوهُ من الْعقَاب.
[٢٢- ٢٦]
[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٢٢ إِلَى ٢٦]
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
تَخَلُّصٌ مِنَ الْإِنْذَارِ بِحُصُولِ الْبَعْثِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَمَّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إِذَا ثَبَتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ.
واحْشُرُوا أَمْرٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي آمِرًا، أَيْ نَاطِقًا بِهِ، فَهَذَا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَهُ، وَحَذْفُ الْقَوْلِ مِنْ حَدِيثِ الْبَحْرِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْحِسَابِ.
وَالْحَشْرُ: جَمْعُ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: الْمُشْرِكُونَ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَان: ١٣].
وَالْأَزْوَاجُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَلَائِلُهُمْ وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ. وَرُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُنَّ الْأَزْوَاجُ الْمُوَافِقَاتُ لَهُمْ فِي الْإِشْرَاكِ، أَمَّا مَنْ آمَنَ فَهُنَّ نَاجِيَاتٌ مِنْ تَبِعَاتِ أَزْوَاجِهِنَّ وَهَذَا كَذِكْرِ أَزْوَاجِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ [يس: ٥٦] فَإِنَّ الْمُرَادَ أَزْوَاجُهُمُ الْمُؤْمِنَاتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [الرَّعْد: ٢٣].
وَذِكْرُ الْأَزْوَاجِ إِبْلَاغٌ فِي الْوَعِيدِ وَالْإِنْذَارِ لِئَلَّا يَحْسَبُوا أَنَّ النِّسَاءَ الْمُشْرِكَاتِ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ. وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
وَمَعْنَى كَفَرْتُمْ جَدَّدْتُمُ الْكُفْرَ، وَذَلِكَ إِمَّا بِصُدُورِ أَقْوَالٍ مِنْهُمْ يُنْكِرُونَ فِيهَا انْفِرَادَ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وإمّا بملاحظة الْكفْر مُلَاحظَة جَدِيدَةٍ وَتَذَكُّرِ آلِهَتِهِمْ. وَمَعْنَى: وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا إِنْ يَصْدُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ مِنْ أَقْوَالِ زُعَمَائِهِمْ وَرِفَاقِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ أَوْ إِذَا أُشْرِكَ بِهِ فِي الْعِبَادَةِ تُؤْمِنُوا، أَيْ تُجَدِّدُوا الْإِيمَانَ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ فِي قُلُوبِكُمْ أَوْ تُؤَيِّدُوا ذَلِكَ بِأَقْوَالِ التَّأْيِيدِ وَالزِّيَادَةِ. وَمُتَعَلِّقُ كَفَرْتُمْ وتُؤْمِنُوا مَحْذُوفَانِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُمَا. وَالتَّقْدِيرُ: كَفَرْتُمْ بِتَوْحِيدِهِ وَتُؤْمِنُوا بِالشُّرَكَاءِ.
وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ بِ إِذا الَّتِي الْغَالِبُ فِي شَرْطِهَا تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ وَحْدَهُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَخْلُو عَنْهُ أَيَّامُهُمْ وَلَا مَجَامِعُهُمْ، مَعَ مَا تُفِيدُ إِذا مِنَ الرَّغْبَةِ فِي حُصُولِ مَضْمُونِ شَرْطِهَا.
وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ الثَّانِي بِحَرْفِ إِنْ الَّتِي أَصْلُهَا عَدَمُ الْجَزْمِ بِوُقُوعِ شَرْطِهَا، أَوْ أَنَّ شَرْطَهَا أَمْرٌ مَفْرُوضٌ، مَعَ أَنَّ الْإِشْرَاكَ مُحَقَّقٌ تَنْزِيلًا لِلْمُحَقَّقِ مُنْزِلَةَ الْمَشْكُوكِ الْمَفْرُوضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ دَلَائِلَ بُطْلَانِ الشِّرْكِ وَاضِحَةٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ فَنَزَّلَ إِشْرَاكَهُمُ الْمُحَقَّقَ مَنْزِلَةَ الْمَفْرُوضِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يَقْلَعُ مَضْمُونَ الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَصْلُحُ إِلَّا لِفَرْضِهِ عَلَى نَحْوِ مَا يفْرض الْمَعْدُوم مَوْجُودًا أَوِ الْمُحَالُ مُمْكِنًا.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْحُكْمِ لِلْجِنْسِ. وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أَيْ جِنْسُ الْحُكْمِ مِلْكٌ لِلَّهِ، وَهَذَا يُفِيدُ قَصْرَ هَذَا الْجِنْسِ عَلَى الْكَوْنِ لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ [٢] وَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ إِذْ لَا حُكْمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَبِهَذِهِ الْآيَةِ تَمَسَّكَ الْحَرُورِيَّةُ يَوْمَ حَرُورَاءَ حِينَ تَدَاعَى جَيْشُ الْكُوفَةِ وَجَيْشُ الشَّامِ إِلَى التَّحْكِيمِ فَثَارَتِ الْحَرُورِيَّةُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ (جَعَلُوا التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ وَالصِّيغَةَ لِلْقَصْرِ) وَحَدَّقُوا إِلَى هَذِه الْآيَة وأغضوا عَنْ آيَاتٍ جَمَّةٍ،
فَقَالَ عَلِيٌّ لَمَّا سَمِعَهَا: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ»
اضْطَرَبَ النَّاسُ وَلَمْ يَتِمَّ التَّحْكِيمُ.
فَقَوْلُهُ:
بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَلَّا الْمُرَتَّبِ عَلَى قَوْلِهِ: فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَقَوْلِهِ: فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَرَامَةَ وَالْإِهَانَةَ إِنَّمَا تَسَبَّبَا عَلَى عَدَمِ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ وَالْحَضِّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَقَالَ تَعَالَى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الرّوم: ٤١].
وَفِي «سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» : أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ»
. وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَة، وَأما مَا جَاءَ عَلَى وَجْهِ الْجُزْئِيَّةِ فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح:
١٠- ١٢] وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْهُ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي سُورَةِ نُوحٍ [٣، ٤]. وَقَوْلُهُ خِطَابًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٥]، وَقَوْلُهُ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
[الْأَعْرَاف: ١٥٢] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَاف: ١٥٥] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ فِي الْأَعْرَافِ [١٦٧]، وَقَالَ فِي فِرْعَوْنَ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى [النازعات: ٢٥]، وَقَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ فِي بَرَاءَةٌ [١٢٦].
وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، مَنْ يُحَافِظُ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ».
وَفِي بَابِ الْعُقُوبَاتِ مِنْ آخَرِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ نَاوِينَ بِهِ الِاسْتِهْزَاءَ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ اهْتِمَامَهُمْ بِاسْتِعَادَةِ مَا سَمِعُوهُ وَيَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ: إِنَّمَا نَحن مستهزؤون، أَوْ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ تَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ سَمِعُوا كَلَامًا لَا يَسْتَبِينُ الْمُرَادُ مِنْهُ لِإِدْخَالِ الشَّكِّ فِي نُفُوسِ مَنْ يُحِسُّونَ مِنْهُمُ الرَّغْبَةَ فِي حُضُورِ مجَالِس النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِقِلَّةِ جَدْوَى حُضُورِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ أَشَارَتْ إِلَى حَادِثَةٍ خَاصَّةٍ ذَكَرَ فِيهَا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْوَالَهُمْ وَعَلِمَ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ مِنْهُمْ أَنَّهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوا سُؤَالَ اسْتِطْلَاعٍ هَلْ شَعَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّ أُولَئِكَ هُمُ الْمَعْنِيُّونَ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفًا لِلْعِلْمِ بِهِ عِنْد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: مَاذَا قالَ آنِفاً سُؤَالٌ غَرِيبٌ مِنْ شَأْنِهِ إِثَارَةُ سُؤَالِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ حُصُولِهِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ السَّابِقَةِ فِي مُرَادِهِمْ مِنْهُ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَ ذِكْرِ صِفَاتِهِمْ تَشْهِيرًا بِهِمْ، وَجِيء بالموصول وصلتيه خَبَرًا عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِإِفَادَةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُمْ أَشْخَاصُ الْفَرِيقِ الْمُتَقَرِّرِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ فَرِيقٌ مَطْبُوعٌ عَلَى قُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ الَّذِينَ صَمَّمُوا عَلَى الْكُفْرِ هُمْ قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِأَهْوَائِهِمْ، فَأَفَادَتْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَمِعِينَ زُمْرَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْفَرِيقِ، فَهَذَا التَّرْكِيبُ عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥].
وَالطَّبْعُ عَلَى الْقَلْبِ: تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ مُخَالَطَةِ الْهُدَى وَالرُّشْدِ لِعُقُولِهِمْ بِحَالِ الْكِتَابِ الْمَطْبُوعِ عَلَيْهِ، أَوِ الْإِنَاءِ الْمَخْتُومِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَنْ يُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَى دَاخِلِهِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ، أَيْ عُقُولَهُمْ غَيْرَ مُدْرِكَةٍ وَمُصَدِّقَةٍ لِلْحَقَائِقِ وَالْهُدَى. وَهَذَا الطَّبْعُ مُتَفَاوِتٌ يَزُولُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ فِي مُدَدٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَيَدُومُ مَعَ بَعْضٍ إِلَى الْمَوْتِ كَمَا وَقَعَ، وَزَوَالُهُ بِانْتِهَاءِ مَا فِي الْعَقْلِ مِنْ غِشَاوَةِ الضَّلَالَةِ وَبِتَوَجُّهِ لُطْفِ اللَّهِ بِمَنْ شَاءَ بِحِكْمَتِهِ اللُّطْفَ بِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّوْفِيقِ الَّذِي فَسَّرَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ
وَلَعَلَّهُ شُبِّهَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بِالسِّدْرَةِ الَّتِي هِيَ وَاحِدَةُ شَجَرِ السِّدْرِ إِمَّا فِي صِفَةِ تَفَرُّعِهِ، وَإِمَّا فِي كَوْنِهِ حَدًّا انْتَهَى إِلَيْهِ قُرْبُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَبْلُغْهُ قَبْلَهُ مَلَكٌ. وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحٍ عِنْدِهِمْ بِأَنْ يَجْعَلُوا فِي حُدُودِ الْبِقَاعِ سِدْرًا.
وَإِضَافَةُ سِدْرَةِ إِلَى الْمُنْتَهى يَجُوزُ أَن تكون إِضَافَة بَيَانِيَّةً. وَيَجُوزُ كَوْنُهَا لِتَعْرِيفِ السِّدْرَةِ بِمَكَانٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ أَحَدٌ لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ لَا تُطِيقُهُ الْمَخْلُوقَاتُ.
وَالسِّدْرَةُ: وَاحِدَةُ السِّدْرِ وَهُوَ شَجَرُ النَّبْقِ قَالُوا: وَيخْتَص بِثَلَاثَة أَوْصَافٍ: ظِلٍّ مَدِيدٍ، وَطَعْمٍ لَذِيذٍ، وَرَائِحَةٍ ذَكِيَّةٍ، فَجُعِلَتِ السِّدْرَةُ مَثَلًا لِذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا جُعِلَتِ النَّخْلَةُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: مَا يَغْشى إِبْهَامٌ لِلتَّفْخِيمِ الْإِجْمَالِيِّ وَأَنَّهُ تَضِيقُ عَنْهُ عِبَارَاتُ الْوَصْفِ فِي اللُّغَةِ.
وَجَنَّةُ الْمَأْوَى: الْجَنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ بِأَنَّهَا مَأْوَى الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ الْجَنَّةَ مُنْتَهَى مَرَاتِبِ ارْتِقَاءِ الْأَرْوَاحِ الزَّكِيَّةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى «ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ»
. وَقَوْلُهُ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى أُرِيدَ بِهِ التَّنْوِيهُ بِمَا حَفَّ بِهَذَا الْمَكَانِ الْمُسَمَّى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى مِنَ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ.
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ»
وَفِي رِوَايَةٍ «غَشِيَهَا نُورٌ مِنَ اللَّهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا»
، وَمَا حَصَلَ فِيهِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِتَلَقِّي الْوَحْيِ مُبَاشَرَةً مِنَ اللَّهِ دُونَ وَاسِطَةِ الْمَلَكِ
فَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «حَتَّى ظَهَرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً»
الْحَدِيثَ.
وَجُمْلَةُ مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى مُعْتَرِضَةٌ وَهِيَ فِي مَعْنَى جُمْلَةِ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى إِلَى آخِرِهَا، أَيْ رَأَى جِبْرِيلَ رُؤْيَةً لَا خَطَأَ فِيهَا وَلَا زِيَادَةَ عَلَى مَا وَصَفَ، أَيْ لَا مُبَالَغَةَ.
الْآيَة [الْمَائِدَة: ٦] وَقَوْلِهِ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْل: ٩٨].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٦]، أَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ إِلَى مَا امْتَنَعُوا مِنْهُ بِالْإِيلَاءِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا نَصْرَهُمْ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمْ لَا يُتَرَقَّبُ مِنْهُمُ الثَّبَاتُ فِي الْوَغَى فَلَوْ أَرَادُوا نَصْرَهُمْ وَتَجَهَّزُوا مَعَهُمْ لَفَرُّوا عِنْدَ الْكَرِيهَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التَّوْبَة: ٤٧].
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النَّصْرُ عَلَى الْإِعَانَةِ بِالرِّجَالِ وَالْعَتَادِ وَهُوَ من مَعَاني النَّصْرِ.
وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِي كَمَا هُوَ شَأْنُهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ النَّصْرِ أَعْظَمُ رُتْبَةً فِي تَأْيِيسِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِإِعَانَةِ الْمُنَافِقِينَ فَهُوَ أَقْوَى مِنَ انْهِزَامِ الْمُنَافِقين إِذا جاؤوا لِإِعَانَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْقِتَالِ.
وَالنَّصْرُ هُنَا بِمَعْنَى: الْغَلَبُ.
وَضَمِيرُ لَا يُنْصَرُونَ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذِ الْكَلَامُ جَارٍ عَلَى وَعْدِ الْمُنَافِقِينَ بِنَصْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمَقْصُودُ تَثْبِيتُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَتَأْمِينُهُمْ مِنْ بَأْس أعدائهم.
[١٣]
[سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٣]
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ وَهْنِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقِتَالِ تَشْدِيدَ نفس النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى لَا يَرْهَبُوهُمْ وَلَا يَخْشَوْا مُسَانَدَتَهُمْ لِأَهْلِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَحْلَافِ الْمُنَافِقِينَ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِإِعْلَامِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْلَافَهُمْ يَخْشَوْنَ الْمُسْلِمِينَ خشيَة شَدِيدَة وصف شِدَّتُهَا بِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ
وَيَكُونُ اسْمُ الْإِشَارَةِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ وَالْمَعْنَى: حَسْبُكَ إِيقَاعًا بِهِمْ أَنْ تَكِلَ أَمْرَهُمْ إِلَيَّ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَنْتَصِفُ مِنْهُمْ فَلَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِهِمْ وَتَوَكَّلْ عَلَيَّ.
وَيَتَضَمَّنُ هَذَا تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ هَذَا الْكَلَامَ.
وَهَذَا وعد للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ وَوَعِيدٌ لَهُمْ بِانْتِقَامٍ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ.
وَجُمْلَةُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، بَيَان لمضمون فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْاسْتِدْرَاجَ وَالْإِمْلَاءَ يَعْقُبُهُمَا الْانْتِقَامُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَنَأْخُذُهُمْ بأعمالهم فَلَا تستبطىء الْانْتِقَامَ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ وَلَكِنْ يُؤَخَّرُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ.
وَالْاسْتِدْرَاجُ: اسْتِنْزَالُ الشَّيْءِ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى أُخْرَى فِي مِثْلِ السُّلَّمِ، وَكَانَ أَصْلُ السِّينِ وَالتَّاءِ فِيهِ لِلطَّلَبِ أَيْ مُحَاوَلَةُ التَّدَرُّجِ، أَيِ التَّنَقُّلِ فِي الدَّرَجِ، وَالْقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ النُّزُولِ إِذِ التَّنَقُّلُ فِي الدَّرَجِ يَكُونُ صُعُودًا وَنُزُولًا، ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى مُعَامَلَةٍ حَسَنَةٍ لِمُسِيءٍ إِلَى إِبَّانٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ حُلُولِهِ عِقَابُهُ وَمَعْنَى مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اسْتِدْرَاجَهُمُ الْمُفْضِيَ إِلَى حُلُولِ الْعِقَابِ بِهِمْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَحْوَالٍ وَأَسْبَابٍ لَا يَتَفَطَّنُونَ إِلَى أَنَّهَا مُفْضِيَةٌ بِهِمْ إِلَى الْهَلَاكِ،
وَذَلِكَ أَجْلَبُ لِقُوَّةِ حَسْرَتِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ بِهِمْ، فَ مَنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، وحَيْثُ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ، أَيِ الْأَسْبَابِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْسَبُونَهَا تَأْتِيهِمْ بِخَيْرٍ فَتَنْكَشِفُ لَهُمْ عَنِ الضُّرِّ، وَمَفْعُولُ لَا يَعْلَمُونَ ضَمِيرُ مَحْذُوفٍ عَائِدٌ إِلَى حَيْثُ.
وأُمْلِي: مُضَارِعُ أَمْلَى، مَقْصُورًا بِمَعْنَى أَمْهَلَ وَأَخَّرَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَلَا مَقْصُورًا، وَهُوَ الْحِينُ وَالزَّمَنُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ: الْمَلَوَانِ، فَيَكُونُ أَمْلَى بِمَعْنَى طَوَّلَ فِي الزَّمَانِ، وَمَصْدَرُهُ إِمْلَاءٌ.
وَلَامُ لَهُمْ هِيَ اللَّامُ الْمُسَمَّاةُ لَامَ التَّبْيِينِ، وَهِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ اتِّصَالَ مَدْخُولِهَا بِعَامِلِهِ لِخَفَاءٍ فِيهِ فَإِنَّ اشْتِقَاقَ فِعْلِ أَمْلَى مِنَ الْمَلْوِ، وَهُوَ الزَّمَانُ اشْتِقَاقٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِخَفَاءِ مَعْنَى الْحَدَثِ فِيهِ.
وَنُونُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نُونُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ، وَالْمُرَادُ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ الْمُوَكَّلُونَ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٨٠- سُورَةُ عَبَسَ
سميت هَذِه الصُّورَة فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ «سُورَةَ عبس».
وَفِي أ «حكام ابْنِ الْعَرَبِيِّ» عَنْوَنَهَا «سُورَةَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ». وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ: تُسَمَّى «سُورَةَ الصَّاخَّةِ». وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي «شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» تُسَمَّى «سُورَةَ السَّفَرَةِ»، وَتُسَمَّى سُورَةَ «الْأَعْمَى»، وَكُلُّ ذَلِكَ تَسْمِيَةٌ بِأَلْفَاظٍ وَقَعَتْ فِيهَا لَمْ تَقَعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ أَوْ بِصَاحِبِ الْقِصَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» فِي السُّوَرِ الَّتِي لَهَا أَكْثَرُ مِنَ اسْمٍ وَهُوَ عَبَسَ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ فِي «الْعَارِضَةِ» : لَمْ يُحَقِّقِ الْعُلَمَاءُ تَعْيِينَ النَّازِلِ بِمَكَّةَ مِنَ النَّازِلِ بِالْمَدِينَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يُحَقَّقُ وَقْتُ إِسْلَامِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَلَا مُحَصَّلَ لِكَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَعُدَّتِ الرَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (وَالنَّجْمِ) وَقَبْلَ سُورَةِ (الْقَدْرِ).
وَعَدَدُ آيِهَا عِنْدَ الْعَادِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأهل الْكُوفَة اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ أَرْبَعُونَ.
وَهِيَ أُولَى السُّوَرِ مِنْ أَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ.
وَسَبَبُ نُزُولهَا يَأْتِي ذكره عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس: ١].


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2024
Icon
وَفِي «الْبُخَارِيِّ» قَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ «إِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَجَاهَدْنَا فِي سَبِيلِهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ ذَهَبَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، مَاتَ وَمَا تَرَكَ إِلَّا كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ بِهَا رَأْسَهُ وَنَضَعَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ،