يَعُودُوا إِلَى مِصْرَ الْبَتَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، كَيْفَ وَالْآيَاتُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ نُزُولَ الشَّرِيعَةِ كَانَ بِطُورِ سِينَا وَأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ لِيُعْطِيَهُمُ اللَّهُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ وَقَدْ أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» فِي سُورَةِ الدُّخَانِ إِلَى التَّرَدُّدِ فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ هُوَ الْمَقْصُودُ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ فَهُوَ تَمْهِيدٌ وَتَأْسِيسٌ لِبِنَائِهِ وَتَهْوِيلٌ لِذَلِكَ الْجُرْمِ إِظْهَارًا لِسِعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ. وَتَوْسِيطُ التَّذْكِيرِ بِالْعَفْوِ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعَمِ الْمَذْكُورَةِ مُرَاعَاةٌ لِتَرْتِيبِ حُصُولِهَا فِي الْوُجُودِ لِيَحْصُلَ غَرَضَانِ غَرَضُ التَّذْكِيرِ وَغَرَضُ عَرْضِ تَارِيخِ الشَّرِيعَةِ.
وَالْمُرَادُ مِنَ الْمُوَاعَدَةِ هُنَا أَمْرُ اللَّهِ مُوسَى أَنْ يَنْقَطِعَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِطْلَاقِ الْوَعْدِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِمُوسَى وَوَعْدٌ لَهُ بِكَلَامِ اللَّهِ وَبِإِعْطَاءِ الشَّرِيعَةِ.
وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ وَواعَدْنا بِأَلِفٍ بَعْدَ الْوَاوِ عَلَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الْوَعْدِ من جانبين الْوَعْد وَالْمَوْعُودُ وَالْمُفَاعَلَةُ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلَى حَدِّ سَافَرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ، وَعَالَجَ الْمَرِيضَ وَقَاتَلَهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَجَازًا فِي التَّحْقِيقِ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الْفِعْلِ مِنْ فَاعِلَيْنِ فَإِذَا أُخْرِجَتْ عَنْ بَابِهَا بَقِيَ التَّكَرُّرُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْفَاعِلِ ثُمَّ أُرِيدَ مِنَ التَّكَرُّرِ لَازِمُهُ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّحَقُّقُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ لَمَّا كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهَا حُصُولَ الْوَعْدِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ شَاعَ اسْتِعْمَالُ صِيغَتِهَا فِي
مُطْلَقِ الْوَعْدِ وَقَدْ شَاعَ اسْتِعْمَالُهَا أَيْضًا فِي خُصُوصِ التَّوَاعُدِ بِالْمُلَاقَاةِ كَمَا وَقَعَ
فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ «وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ».
وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مَالِكٍ أَوِ الرُّبَا بَيْنَهُمَا أَسْهَلَا
وَاسْتُعْمِلَتْ هُنَا لِأَنَّ الْمُنَاجَاةَ وَالتَّكَلُّمَ يَقْتَضِي الْقُرْبَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللِّقَاءِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ وَلِذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْمَوْعُودِ بِهِ لِظُهُورِهِ مِنْ صِيغَةِ الْمُوَاعَدَةِ.
وَقِيلَ الْمُفَاعَلَةُ عَلَى بَابِهَا بِتَقْدِيرِ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ مُوسَى أَنْ يُعْطِيَهُ الشَّرِيعَةَ وَأَمَرَهُ بِالْحُضُورِ لِلْمُنَاجَاةِ فَوَعَدَ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يَمْتَثِلَ لِذَلِكَ، فَكَانَ الْوَعْدُ حَاصِلًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي تَصْحِيحِ الْمُفَاعَلَةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلَافِ الْمَوْعُودِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْمُفَاعَلَةَ لِأَنَّ مَبْنَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ حُصُولُ فِعْلٍ مُتَمَاثِلٍ مِنْ جَانِبَيْنِ لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْمُتَعَلِّقُ فِي اللَّفْظِ كَمَا هُنَا لِقَصْدِ الْإِيجَازِ الْبَدِيعِ لِقَصْدِ إِعْظَامِ الْمُتَعَلِّقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَكَ أَنَّ تَقُولَ سَوَّغَ حَذْفَهُ عِلْمُ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ لَا لِلْإِخْبَارِ وَالتَّذْكِيرِ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَقَلِّ إِشَارَةٍ فَاسْتَوَى الْحَذْفُ وَالذِّكْرُ فَرَجَّحَ الْإِيجَازَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ اتِّحَادَهُ.
وَالنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ وَبِسُكُونِهَا لِلتَّخْفِيفِ، وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ شَعْرٌ وَبَحْرٌ وَحَجْرٌ فَالسُّكُونُ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهَا.
وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ فَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِي وَلَا عَلَقَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَصْلُ «مِنْ» فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ تَبْعِيضٌ مَجَازِيٌّ فِي الِاتِّصَالِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمرَان: ٢٨] وَقَالَ النَّابِغَةُ:
إِذَا حَاوَلَتْ فِي أَسَدٍ فُجُورًا فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
وَسَمَّى بَعْضُ النُّحَاةِ «مِنْ» هَذِهِ بِالِاتِّصَالِيَّةِ. وَمَعْنَى قَوْلِ طَالُوتَ «لَيْسَ مِنِّي» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَبَ عَلَيْهِ وَالْبُعْدَ الْمَعْنَوِيَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَفْصِلُهُ عَنِ الْجَيْشِ، فَلَا يُكْمِلُ الْجِهَادَ مَعَهُ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إِظْهَارَ مَكَانَةِ مَنْ تَرَكَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ وَوَلَائِهِ وَقُرْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادَهُ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّارِبُ مُبْعَدًا مِنَ الْجَيْشِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ هُوَ بَاقِي الْجَيْشِ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنَ الشَّارِبِينَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَأَتَى بِهِ بَعْدَ جُمْلَةِ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ الْجُمْلَةِ الْمُؤَكِّدَةِ لَهَا لِأَنَّ التَّأْكِيدَ شَدِيدُ الِاتِّصَالِ بِالْمُؤَكِّدِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إِلَى مَنْطُوق الأولى وَمَفْهُومِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ (مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) أَنَّ مَنْ طَعِمَهُ لَيْسَ مِنْهُ، لِيَعْلَمَ السَّامِعُونَ أَنَّ الْمُغْتَرِفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ هُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ فِي الْوَلَاءِ وَالْقُرْبِ، وَلَيْسَ هُوَ قِسْمًا وَاسِطَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ الرُّخْصَةُ لِلْمُضْطَرِّ فِي بِلَالِ رِيقِهِ، وَلَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ الْيَهُودِ هَذَا الْأَمْرَ بِتَرْكِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ النَّهَرِ حِينَ مُرُورِ الْجَيْشِ فِي قِصَّةِ شَاوُلَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ قَرِيبا مِنْهُ إِذْ قَالَ فِي سِفْرِ صَمْوِيلَ لَمَّا ذَكَرَ أَشَدَّ وَقْعَةٍ بَيْنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ فِلَسْطِينَ:
«وَضَنُكَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ شَاوُلَ حَلَّفَ الْقَوْمَ قَائِلًا مَلْعُونٌ مَنْ يَأْكُلُ خُبْزًا إِلَى الْمَسَاءِ حَتَّى أَنْتَقِمَ مِنْ أَعْدَائِي» وَذَكَرَ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ مِثْلَ وَاقِعَةِ النَّهَرِ، فِي حَرْبِ جَدْعُونَ قَاضِي إِسْرَائِيلَ لِلْمَدْيَانِيِّينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ تَكَرَّرَتْ لِأَنَّ مِثْلَهَا يَتَكَرَّرُ فَأَهْمَلَتْهَا كُتُبُهُمْ فِي أَخْبَارِ شَاوُلَ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَطْعَمْهُ بِمَعْنَى لَمْ يَذُقْهُ، فَهُوَ مِنَ الطَّعْمِ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهُوَ الذَّوْقُ أَيِ اخْتِبَارُ الْمَطْعُومِ،

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

١٠٠- سُورَةُ الْعَادِيَاتِ
سُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ الْقَيْرَوَانِيَّةِ الْعَتِيقَةِ وَالتُّونِسِيَّةِ وَالْمَشْرِقِيَّةِ «سُورَةَ الْعَادِيَاتِ» بِدُونِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فَهِيَ تَسْمِيَةٌ لِمَا ذُكِرَ فِيهَا دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِهِ. وَسَمِّيَتْ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ وَالْعَادِيَاتِ» بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: هِيَ مَكِّيَّةٌ.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ.
وَعُدَّتِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بن زيد بِنَاء عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْعَصْرِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ.
وَآيُهَا إِحْدَى عَشْرَةَ.
ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» عَنْ مُقَاتِلٍ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَيْلًا سَرِيَّةً إِلَى بَنِي كِنَانَةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهَا الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ فَأَسْهَبَتْ أَيْ أَمْعَنَتْ فِي سَهْبٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ شهرا وَتَأَخر خبرهم فَأَرْجَفَ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: قُتِلُوا جَمِيعًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
[العاديات: ١] الْآيَاتِ، إِعْلَامًا بِأَنَّ خَيْلَهُمْ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ مَا فِي تِلْكَ الْآيَاتِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوَى أَبُو بكر الْبَزَّار هُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَرِيبًا مِمَّا لِلْوَاحِدِيِّ.
وَأَقُولُ غَرَابَةُ الْحَدِيثِ لَا تُنَاكِدُ قَبُولَهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ثِقَاتٍ إِلَّا أَنَّ فِي سَنَدِهِ حَفْصَ بْنَ جُمَيْعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَالرَّاجِحُ أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ.


الصفحة التالية
Icon