ثم قال لهم: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي: مُشرفين على نار جهنم، إذ لو أدرككم الموت لوقعتم في النار، فَأَنْقَذَكُمْ الله مِنْها برسوله- عليه الصلاة والسلام-. رُوِيَ أن أعرابيّاً سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية، فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس رضي الله عنه خذوها من غير فقيه. هـ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي: مثل هذا التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى الخير، وتزيدون ثباتاً فيه.
الإشارة: المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع، إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية، إذ بدايتهم مجاهدة، ونهايتهم مشاهدة، وإلى ذلك أشار في المباحث، حيث قال:
مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف | ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلاَف |
ثم أمرهم الحق تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجه اتصاله بما قبله: أنهم سكتوا حين حرّش بينهم اليهود حتى هموا بالقتال، ولم يأمرهم أحد بالإمساك عنه، فحذّرهم الله من نزغته، وحضّهم على الاجتماع، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر إذا رأوا شيئا من ذلك، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٤]
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)
قلت: (مِنْ) : للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فُروض الكفاية إذ لا يصلح له كُلُّ أحد، أو للبيان، أي: كونوا أمة تأمرون بالمعروف، كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ الخ، و (يأمرون بالمعروف وينْهون عن المنكر) عطف على الخبر، من عطف الخاص على العام للإيذان بفضله.