قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لَمْ يَصِفْ هَذَا الْخَيْرَ هُنَا بِالْكَثْرَةِ وَقَدْ وَصَفَهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [٤ ١٩].
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [٢ ٢١٧]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلِ اسْتَطَاعُوا ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَأَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمُ الْيَأْسُ مِنْ رَدِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ الْآيَةَ [٥ ٣]. وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ مُظْهِرٌ دِينَ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ دِينٍ كَقَوْلِهِ فِي «بَرَاءَةٌ» وَ «الصَّفِّ»، وَ «الْفَتْحِ» هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [٩ ٣٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا هَذَا الْإِثْمُ الْكَبِيرُ؟ وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ إِيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَالصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [٥ ٩١].
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) الْآيَةَ، ظَاهِرُ عُمُومِهِ شُمُولُ الْكِتَابِيَّاتِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْكِتَابِيَّاتِ لَسْنَ دَاخِلَاتٍ فِي هَذَا التَّحْرِيمِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [٥ ٥] فَإِنْ قِيلَ: الْكِتَابِيَّاتُ لَا يَدْخُلْنَ فِي اسْمِ الْمُشْرِكَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ [٩٨ ٦]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ [٩٨ ١]، وَقَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [٢ ١٠٥]، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ دَاخِلُونَ فِي اسْمِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [٩ ٣٠، ٣١].
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذَا الْمَكَانَ


الصفحة التالية
Icon