فَالظَّنُّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ عَلَى الْيَقِينِ وَعَلَى الشَّكِّ، وَمِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْيَقِينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ | سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ |
بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدُ فِيكُمُ | وَأَجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا |
أَزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِنْ مَصْرِفِ | أَمْ لَا خُلُودَ لِبَاذِلٍ مُتَكَلِّفِ |
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، مِنْ رَأَى الْبَصَرِيَّةِ، فَهِيَ تَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ نَظَرًا لِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، فَكَانَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَالْوَاقِعِ بِالْفِعْلِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، قَوْلُهُ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا [١٨ ٥٤]، أَيْ: رَدَّدْنَا وَكَثَّرْنَا تَصْرِيفَ الْأَمْثَالِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ. لِيَهْتَدُوا إِلَى الْحَقِّ، وَيَتَّعِظُوا. فَعَارَضُوا بِالْجَدَلِ وَالْخُصُومَةِ، وَالْمَثَلُ: هُوَ الْقَوْلُ الْغَرِيبُ السَّائِرُ فِي الْآفَاقِ، وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ جِدًّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [٢ ٢٦]، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ضَرْبِ الْمَثَلِ فِيهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الْآيَةَ [٢٢ ٧٣]، وَقَوْلُهُ: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩ ٤١]