الْمَجَازِيَّةِ التَّأْنِيثِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعِ سِوَى السَّالِمِ مِنْ | مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مِنْ إِحْدَى اللَّبِنْ |
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى الْآيَاتِ [٢٠ ٩].
قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهَا فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [الْآيَةِ ٥٢] فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: دَلَّ قَوْلُهُ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي بِالتَّنْكِيرِ، وَالْإِفْرَادِ، وَإِتْبَاعُهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ يَفْقَهُوا قَوْلِي عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِزَالَةَ جَمِيعِ مَا بِلِسَانِهِ مِنَ الْعُقَدِ، بَلْ سَأَلَ إِزَالَةَ بَعْضِهَا الَّذِي يَحْصُلُ بِإِزَالَتِهِ فَهْمُ كَلَامِهِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِهَا. وَهَذَا الْمَفْهُومُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا الْآيَةَ [٢٨ ٣٤]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [٤٣ ٥٢]، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِ فِرْعَوْنٍ عَنْ مُوسَى، فِيهِ أَنَّ فِرْعَوْنَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ، وَالْبُهْتَانِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. أَنَّهُ مَنَّ عَلَى مُوسَى مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ مَنِّهِ عَلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ وَرِسَالَةِ أَخِيهِ مَعَهُ، وَذَلِكَ بِإِنْجَائِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَهُوَ صَغِيرٌ، إِذْ أَوْحَى إِلَى أُمِّهِ أَيْ أَلْهَمَهَا وَقَذَفَ فِي قَلْبِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ رُؤْيَا مَنَامٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْحَى إِلَيْهَا ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ كَلَّمَهَا بِذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِيحَاءِ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ أَنْ يَكُونَ الْمُوحَى إِلَيْهِ نَبِيًّا، وَ «أَنْ» فِي قَوْلِهِ أَنِ اقْذِفِيهِ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ، لِأَنَّ الْإِيحَاءَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ مَا يُوحَى لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ.
كَقَوْلِهِ: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [٢٠ ٧٨]، وَقَوْلِهِ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [٥٣ ١٠]، وَالتَّابُوتُ: الصُّنْدُوقُ. وَالْيَمُّ: الْبَحْرُ. وَالسَّاحِلُ: شَاطِئُ الْبَحْرِ. وَالْبَحْرُ الْمَذْكُورُ: نِيلُ مِصْرَ. وَالْقَذْفُ: الْإِلْقَاءُ، وَالْوَضْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [٣٣ ٢٦] وَمَعْنَى اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ أَيْ ضَعِيهِ فِي الصُّنْدُوقِ.