قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا.
قَوْلُهُ: عَنَتِ أَيْ: ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ. تَقُولُ الْعَرَبُ: عَنَا يَعْنُو عُنُوًّا وَعَنَاءً: إِذْ ذَلَّ وَخَضَعَ، وَخَشَعَ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ عَانٍ لِذُلِّهِ وَخُضُوعِهِ لِمَنْ أَسَرَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ | لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ |
وَعَنَا لَهُ وَجْهِي وَخَلْقِي كُلُّهُ | فِي السَّاجِدِينَ لِوَجْهِهِ مَشْكُورًا |
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ: أَيْ: ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعِ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكُلُّ الْخَلَائِقِ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَامَاتُ الذُّلِّ، وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَيْ: خَسِرَ مَنْ حَمَلَ شِرْكًا. وَتَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى تَسْمِيَةِ الشِّرْكِ ظُلْمًا. كَقَوْلِهِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٣١ ١٣]، وَقَوْلِهِ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٢ ٢٥٤]، وَقَوْلِهِ: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [١٠ ١٠٦]، وَقَوْلِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ الْآيَةَ [٦ ٨٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الظُّلْمَ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [٢٠ ١١١]، يَعُمُّ الشِّرْكَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَعَاصِي. وَخَيْبَةُ كُلِّ ظَالِمٍ بِقَدْرِ مَا حَلَّ مِنَ الظُّلْمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.