الْأَوْلَادَ وَالشُّرَكَاءَ لِلَّهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ اللِّينَ وَالصَّفْحَ الْمَطْلُوبَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِ الْقِتَالِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، دُونَ الْكَافِرِينَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [٥ ٥٤] وَبَيَّنَّا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَصْحَابِهِ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [٤٨ ٢٩] وَقَوْلِهِ: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [١٥ ٨٨]، وَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٩ ٧٣] إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ: جَمْعُ هَمْزَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ فِعْلِ الْهَمْزِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: النَّخْسُ وَالدَّفْعُ، وَهَمَزَاتُ الشَّيَاطِينِ: نَخَسَاتُهُمْ لِبَنِي آدَمَ لِيَحُثُّوهُمْ، وَيَحُضُّوهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي، كَمَا أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [١٩ ٨٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الْآيَةَ [٤٣ ٣٦ - ٣٧].
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أَنَّ الْمَعْنَى: أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَحْضُرَنِي الشَّيْطَانُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِي كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [١٦ ٩٨] أَوْ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّؤُونِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا، الظَّاهِرُ عِنْدِي: أَنَّ «حَتَّى» فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هِيَ الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَهَا الْكَلَامُ، وَيُقَالُ لَهَا: حَرْفُ ابْتِدَاءٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ الْقَائِلِ: إِنَّهَا غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [٢٣ ٩٦] وَلِأَبِي حَيَّانَ الْقَائِلِ: إِنَّ الظَّاهِرَ لَهُ أَنَّ قَبْلَهَا جُمْلَةً مَحْذُوفَةً هِيَ غَايَةٌ لَهُ يَدُلُّ عَلَيْهَا مَا قَبْلَهَا، وَقَدَّرَ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ بِقَوْلِهِ فَلَا أَكُونُ كَالْكُفَّارِ الَّذِينَ تَهْمِزُهُمُ الشَّيَاطِينُ وَيَحْضُرُونَهُمْ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. وَنَظِيرُ حَذْفِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ الْفَرَزْدَقُ:

فَوَاعَجَبًا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَأَنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ
قَالَ: الْمَعْنَى: يَسُبُّنِي النَّاسُ حَتَّى كُلَيْبٌ، فَدَلَّ مَا بَعْدَ حَتَّى عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ


الصفحة التالية
Icon