الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) ﴾.
ثُمَّ ذَكَرَ أَهْلَ الْعُذْرِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الزَّمْنَى وَالْمَشَايِخَ وَالْعَجَزَةَ. وَقِيلَ: هُمُ الصِّبْيَانُ وَقِيلَ: النِّسْوَانُ، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي الْفُقَرَاءَ ﴿حَرَجٌ﴾ مَأْثَمٌ. وَقِيلَ: ضِيقٌ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فِي مَغِيبِهِمْ وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ لِلَّهِ وَبَايَعُوا الرَّسُولَ. ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ: مِنْ طَرِيقٍ بِالْعُقُوبَةِ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأَصْحَابِهِ (١).
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بن أَمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ (٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْكَ وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ سُمُّوا الْبَكَّائِينَ: مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَصَخْرُ بن خَنْسَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُلْبَةُ (٣) بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ (٤) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزْنِيُّ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَدَبَنَا إِلَى الْخُرُوجِ مَعَكَ فَاحْمِلْنَا (٥).
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ.
وَقِيلَ سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الْخِفَافِ المرفوعة والنعال ١٦٣/أالْمَخْصُوفَةِ، لِيَغْزُوا مَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ" تَوَلَّوْا، وَهُمْ يَبْكُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾
(٢) قارن بالدر المنثور: ٤ / ٢٦٢.
(٣) في الأصل: (علية)، وفي المطبوع: (عبلة). والتصويب من الروض الأنف للسهيلي: ٢ / ٣٢١.
(٤) في "أ" (عثمة).
(٥) أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٢٣، وانظر: السيرة لابن هشام: ٢ / ٥١٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٦)، إمتاع الأسماع للمقريزي: ١ / ٤٤٨.