مَا أَدْرَكَ مَدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (١).
ثُمَّ جَمَعَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الثَّوَابِ فَقَالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَغِفَارٍ، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَوْمٌ مُنَافِقُونَ، ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أَيْ: مُرِّنُوا عَلَى النِّفَاقِ، يُقَالُ: تَمَرَّدَ فَلَانٌ عَلَى رَبِّهِ أَيْ: عَتَا، وَمَرَدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، أَيْ: مُرِّنَ وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَاعْتَادَهَا. وَمِنْهُ: الْمُرِيدُ وَالْمَارِدُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَجُّوا فِيهِ وَأَبَوْا غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَقَامُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُوبُوا.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الْعَذَابَيْنِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: "اخْرُجْ يَا فُلَانُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ اخْرُجْ يَا فُلَانُ. أَخْرَجَ نَاسًا مِنَ الْمَسْجِدِ وَفَضَحَهُمْ، فَهَذَا هُوَ الْعَذَابُ الْأَوَّلُ. وَالثَّانِي: عَذَابُ الْقَبْرِ" (٢).
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّلُ: الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ، وَالثَّانِي: عَذَابُ الْقَبْرِ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: عُذِّبُوا بِالْجُوعِ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الدُّبَيْلَةُ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْأُولَى الْمَصَائِبُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْآخِرَةِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأُولَى إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْقَبْرِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظِ الْإِسْلَامِ وَدُخُولِهِمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حِسْبَةٍ ثُمَّ عَذَابُ الْقَبْرِ.
وَقِيلَ: إِحْدَاهُمَا ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْقَبْرِ.
وَقِيلَ: الْأُولَى إِحْرَاقُ مَسْجِدِهِمْ، مَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَالْأُخْرَى إِحْرَاقِهِمْ بِنَارِ جَهَنَّمَ (٣). ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: إِلَى عَذَابِ جَهَنَّمَ يَخْلُدُونَ فِيهِ.

(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لو كنت متخذا خليلا... ": ٧ / ٢١، ومسلم في فضائل الصحابة، باب تحريم سبّ الصحابة، برقم (٢٥٤١) : ٤ / ١٩٦٧-١٩٦٨، والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٦٩.
(٢) أخرجه الطبري من رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ١٤ / ٤٤١-٤٤٢، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط أيضا، وقال: فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٣٤.
(٣) انظر هذه الأقوال في: الطبري: ١٤ / ٤٤١-٤٤٥، الدر المنثور: ٤ / ٢٧٤. قال الطبري رحمه الله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرتين ولم يضع لنا دليلا يوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين - وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيّ. غير أن في قوله جل ثناؤه: "ثم يردون إلى عذاب عظيم"، دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار. والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر".


الصفحة التالية
Icon