الزَّجَّاجُ: التَّائِبُونَ رُفِعَ لِلِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ مُضْمَرٌ. الْمَعْنَى: التَّائِبُونَ -إِلَى آخَرِ الْآيَةِ-لَهُمُ الْجَنَّةُ أَيْضًا. أَيْ: مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ غَيْرَ مُعَانِدٍ وَلَا قَاصِدٍ لِتَرْكِ الْجِهَادِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَجْزِي عَنْ بَعْضٍ فِي الْجِهَادِ، [فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ] (١) فَلَهُ الْجَنَّةُ أَيْضًا، وَهَذَا أَحْسَنُ، فَكَأَنَّهُ وَعَدَ الْجَنَّةَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ: "وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى" (النِّسَاءِ-٩٥)، فَمَنْ جَعَلَهُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ كَانَ الْوَعْدُ بِالْجَنَّةِ خَاصًّا لِلْمُجَاهِدِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (٢).
(١) ما بين القوسين في "ب".
(٢) في "ب": الصفات.
(٢) في "ب": الصفات.
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿التَّائِبُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ الْمُطِيعُونَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿الْحَامِدُونَ﴾ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ" (١). ﴿السَّائِحُونَ﴾ قَالَ ابْن مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الصَّائِمُونَ (٢).
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الصَّائِمُ سَائِحًا لِتَرْكِهِ اللَّذَّاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: السَّائِحُونَ الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٣).
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّائِحُونَ هُمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ.
﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُصَلِّينَ، ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ: السَّنَةُ، وَالْمُنْكَرُ: الْبِدْعَةُ. ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ الْقَائِمُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ اللَّهِ. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ١ / ٥٠٢ وصححه على شرط مسلم، وأبو نعيم في الحلية: ٥ / ٦٩، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الثلاثة، بأسانيد، وفي أحدها: قيس بن الربيع: وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه يحيى القطان وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه، وإسناده حسن" مجمع الزوائد: ١٠ / ٩٥. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٥ / ٥٠، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت، مدلس وقد عنعن.
(٢) روي مرفوعا وموقوفا. والموقوف صحيح. انظر: الطبري: ١٤ / ٥٠٢-٥٠٤، الدر المنثور: ٤ / ٢٩٧-٢٩٨، تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٩٣.
(٣) حديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه: معلى بن هلال، وهو متروك. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٧٠-٣٧١، ورواه أبو داود في الجهاد من طريق أبي أمامة. وفي إسناده: رشدين بن سعد. وانظر: مجمع الزوائد: ٤ / ٢٥٤ فقد روى الهيثمي أوله، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: ٣ / ٤٧٩.
(٢) روي مرفوعا وموقوفا. والموقوف صحيح. انظر: الطبري: ١٤ / ٥٠٢-٥٠٤، الدر المنثور: ٤ / ٢٩٧-٢٩٨، تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٩٣.
(٣) حديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه: معلى بن هلال، وهو متروك. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٧٠-٣٧١، ورواه أبو داود في الجهاد من طريق أبي أمامة. وفي إسناده: رشدين بن سعد. وانظر: مجمع الزوائد: ٤ / ٢٥٤ فقد روى الهيثمي أوله، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: ٣ / ٤٧٩.