﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ يدفعكم إلى شرب الخمر، وإغوائكم على لعب القمار ﴿أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ بعد أن ألف الله تعالى بين قلوبكم بالإيمان ﴿وَالْبَغْضَآءَ﴾ بعد أن جعلكم الله تعالى إخواناً أحباء ولكن الشيطان - ودأبه دائماً إذاية بني الإنسان - أراد بدفعكم إلى هذه المناكير أن يعادي بعضكم بعضاً، ويبغض بعضكم بعضاً، وكيف لا يتعادى من سلبت عقله الخمر، وأطاحت برشده ولبه؟ أو كيف لا يتعادى المقامرون؛ وقد سلب بعضهم مال البعض الآخر ظلماً وزوراً؟ قد أراد الشيطان بذلك أيضاً أن ﴿يَصُدَّكُمْ﴾ يمنعكم ويحول بينكم وبين ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تذكره وعبادته ﴿وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ وكيف يذكر الله تعالى أو يصلي له من لا عقل له؟ أو كيف يعبد الله من شغله القمار عن أهله وولده، بل عن أكله وشربه؟ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿مُّنتَهُونَ﴾ راجعون عن طاعة الشيطان، إلى طاعة الرحمن؟ ومنصرفون عن العصيان، وعائدون إلى حظيرة الإيمان؟ (انظر آية ٢١٩ من سورة البقرة)
﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الطاعة ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم ﴿فِيمَا طَعِمُواْ﴾ ذاقوا. قال أكثر المفسرين: إنها نزلت حين تحرج قوم عند نزول تحريم الخمر وهي لا تزال في بطونهم.
والذي أراه في معنى الآية:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ أي أكلوا وشربوا من المباحات ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ الله تعالى وخافوه، وتناولوا هذا المطعوم من حله، وأدوا حق التنعم به، وأطعموا منه البائس والفقير؛ يدل عليه قوله جل شأنه ﴿وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ وأي صالحات أسمى، ولا أنمى من إطعام الطعام؛ فبه يدخل المؤمن جنة ربه، ويحظى بقربه ومزيد حبه وليس للمانع سوى النيران وغضب الرحمن واذكر إن شئت قول الحكيم العليم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ وقول الجبار القهار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾
-[١٤٥]- ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ربهم؛ فلم ينالوا ما طعموه وأطعموه إلا من حله؛ لا يشوبه نهب ولا سلب، ولا خداع ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ربهم؛ فلم يدركهم العجب بكرمهم، ولم يراءوا بجودهم ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ العمل خالصاً لوجهه الكريم؛ غير مبتغين أجراً ولا شكوراً ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾