كتمان الحق
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)
* * *
بعد أن بين الله تعالى في كتابه الحكيم ما يحل وما يحرم، وذكر أن الشيطان يجيء بوسوسته فيما يحل فيحرمه، وفيما يحرم فيبيحه فهو يجعل المشركين يحرمون على أنفسهم بعض ما أحل، ويحملهم على أن يستبيحوا الزنى والقذف والخمر والقتل والغصب، بعد ذلك بين سبحانه أن ما جاء في كتاب الله تعالى يجب أن يبين، وما جاء في الكتب السابقة يجب ألا يكتم من بشارة بالنبي - ﷺ - وحلال وحرام في هذه الكتب، وأن من يكتم الذي أنزله الله سبحانه لغرض من أغراض أو هوى من هوى الأنفس أو رجاء رشوة أو سحت من المال، إنما يبيع الحق بثمن بخسٍ مهما يكن مقداره؛ ولذا قال تعالت كلماته:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أوْلَئِكَ مَا يَأكلُونَ). الكلام في كل من يكتمون ما أنزل الله في الكتاب سواء أكانوا مؤمنين لَا يبلغون الدعوة إلى الله ويبينون ما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام التي يجب إعلانها وبيانها للناس، أم كانوا من اليهود أو النصارى الذين يعلمون أمر النبي - ﷺ - وما يجيء به من أحكام ويكتمونها، وقد قال تعالى في ذلك: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتوبًا عِندَهُمْ فِي