من الخلاق، وتقوى من الله، فقد أديت على وجهها إذ خلصتا النية، واستقامت الإرادة؛ وإن لم تؤد إلى تقوى الله والرحمة بعباده فقد خالطها رياء ولم تخلص النية، وحق العقاب؛ ولذا قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ليلقي في نفوس الناس الرهبة من عقابه حال رجاء ثوابه، والناس يصلحون بالثواب والعقاب، حتى إذا علت المدارك وقويت الروح كان الثواب رضا الرحمن؛ ولذا قال سبحانه بعد ثواب المؤمنين: (وَرِضوَانٌ منَ اللَّهِ...).
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) قد بين في الآية السابقة بعض أحكام الحج، وفي هذه الآية الكريمة يبين ميقاته، وما ينبغي للمؤمن في وقت حجه.
وقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ) أي وقت الحج أشهر معلومات، وإنما جعلت النسبة إلى الحج نفسه، لَا إلى وقته، فكأن الإسناد إليه - للإشارة إلى أن هذه الأشهر لأنها ميقات تلك العبادة المقدسة، تكتسب تقديسًا منها، وكأنها هي.
والأشهر المعلومات اتفق على أن منها شوالا وذا القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة؛ واختلف في العشرين الأخيرة أهي منها أم ليست منها؟ وعلى أنها ليست منها الأكثرون والصحاح من الروايات.
وإن هذه الأشهر سميت أشهر الحج؛ لأن أركانه تستوفى فيها، وتؤخذ الأهبة له فيها، ويحرم به فيها؛ ولكن قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يصح الإحرام بالحج قبلها؛ وذلك رأي جمع من التابعين؛ ورأى الشافعي تابعًا لبعض الصحابة والتابعين أن الإحرام بالحج لَا يكون إلا في أشهره، كما أن نية الصيام لَا تكون إلا في رمضان، وكما أن نية الصلاة لَا تكون إلا وقت أدائها؛ وإن ذلك هو ما يشير إليه قوله تعالى (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) إذ جعلهن وعاء الفرض وظرفه.
ومعنى فرض الحج فيهن الإحرام به؛ فإذا أحرم بالحج نزه نفسه ولسانه عن كل قول يؤدي إلى نزاع؛ ولذا قال سبحانه: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ). وقد فسر بعض العلماء الرفث بما يكون بين الرجل والمرأة؛ والفسوق بالخروج عن