بين سبحانه آثار الفراق بين الزوجين بالطلاق أو الموت؛ فقد بين العدة، وهي في معناها حق الزواج وحق الزوج وحق الولد؛ وقد ذكر بعد ذلك حق المرأة الخالص، وهو المهر أو المتعة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإيتاء المهر في قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً...)، ووجوبه كاملا في حال الطلاق بعد الدخول في قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُّم اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَأخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
وفى هذه الآية يبين سبحانه المهر الواجب أو ما يقوم مقامه في الصورة التي قد يتوهَّم الناس أنه لَا مهر فيها، لأنه لم يفض أحدهما إلى صاحبه؛ إذ لم يحصل مساس بينهما؛ فقال تعالى:
(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) الجناح معناه الإثم، ومعنى تمسوهن هنا أي لم تباشروهن ولم تدخلوا بهن، وهو كناية جميلة من كنايات القرآن الكريم التي هذبت الألفاظ العربية، وعلمت الناس الأدب في التعبير، ليتهذب الذوق الخلقي، والبياني، والاجتماعي.
والمس في أصل معناه اللغوي: اللمس، فهو يطلق على كل ما يكون فيه إدراك بحاسة اللمس، ثم أطلق على سبيل الكناية على كل ما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية ولها مظهر حسي، ولذا كنى به القرآن الكريم عما يكون بين المرء وزوجه، كما في هذه الآية الكريمة، وكما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ...)، وقوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ...).
وكنى بالمس عما يصيب العقل أو الجسم من مرض أو أذى؛ فقد قال تعالى: (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...)، وقال تعالى: (مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضرَّّاءُ...)، وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضرَُّ دَعَانَا لجَنْبِه أَوْ قَاعِدَا أَوْ قَائمًا...)، وقال تعالى: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مًّعْدُودَةً...).. وهكذا.


الصفحة التالية
Icon