والمتعة عند الشافعي شيء نفيس يقدمه المطلق لمن طلقها قبل الدخول، ويكون في طاقته (١).
وأحمد بن حنبل يتبع ما روي عن ابن عباس من أنه يرى أن المتعة تكون على حسب حال الرجل من يسار وإعسار؛ ونوعها يختلف باختلاف اليسر والعسر، وقد قال ابن عباس: أرفع المتعة الخادم (أي عبد أو أمة يعطيها إياها) وأوسط المتعة الكسوة، وأدناها النفقة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الوَرِق (أي الدراهم تعطاها) ودون ذلك الكسوة. وقد كان الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم والتابعون من بعدهم يبالغون في العطاء على قدر طاقتهم ليقوموا بالتسريح بإحسان، وتطيب نفس مطلقاتهم، حتى إن الحسن بن علي رضي الله عنهما قد متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم، فقالت المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق.
________
(١) قال المصنف - رحمه الله تعالى - في الهامش: جرى خلاف في الفقه الحنفي " أينظر في المتعة إلى حال الرجل، أم إلى حال المرأة، أم إلى حاليهما؟ قال بعضهم: ينظر إلى حال الرجل، وهو صريح الآية (... عَلَى المُوسِع قَدرُهُ وَعَلَى الْمُقتِرِ قَدَرًهُ]..)، وذلك هو الراجح، وقال بعضهم: ينظر إلى حالها؛ لأنها بدل نصف مهر المثل، وهو يقدر على حسب حال المرأة. وقال بعضهم: إنه يقدر على حسب حالهما، لقوله تعالى: (متاعا بالمعروف) والمعروف هو الذي ينظر فيه إلى حالهما.
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ... (٢٣٧)
بيَّن سبحانه في الآية السابقة، ما يجب عند الطلاق قبل الدخول إن لم يكن قد سُمِّي مهر وقت العقد، وفي هذه الآية يبين المطلوب إذا سُمِّي مهر، وكان الطلاق قبل الدخول أيضا، وقد قدم حكم الحال الأولى؛ لأن عدم ذكر المهر مظنة ألا تعطى شيئا إذا كان الطلاق قبل الدخول، فسيقت الآية الكريمة ببيان هذا الوجوب ليزول من الأفهام ما يسبق إليها.
وقد بيَّنا معنى الفرض فيما سبق، ومعنى الآية الكريمة: إن طلق أحدكم المرأة وقد قدر لها مهرًا وقت العقد، فالواجب عليه هو نصف المهر الذي تراضيا عليه وقت العقد. وقد صرحت الآية بوجوب النصف، ولم تصرح بوجوب دفعه، لأنه