وإن القادة والزعماء الذين يعدون أممهم للكفاح يبتدئون بالأسرة، فيحمونها ويقيمون دعائمها على أسس الخير وحب الاجتماع، والاستعداد للفداء في سبيله والنظم الاجتماعية التي جرب فيها محو الأسرة لتتربى الأمة على الكفاح - كنظام ليكورغ في أسبرطة - أدى إلى وجود شباب قد يكون قويًا في جسمه، ولكن لا يمكن أن يكون قويًا في خلقه وإيمانه بالفضيلة، والمثل العليا للمجتمع الفاضل الذي يحمي نفسه من ذرائع الانحلال في داخله، ويدرع بعدة القتال لحماية الحوزة ودفع الذل.
من أجل هذا كانت أحكام الأسرة بين أحكام الجهاد في القرآن؛ فقد سبق أحكام الأسرة كلام من الله تعالى في القتال وأعقبها دعوة وتحريض على الجهاد، وحث عليه بضرب الأمثال من الأمم السابقة، وكيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت القلة مع إيمانها على الكثرة مع كفرها؛ وقد ابتدأ سبحانه وتعالى هذا بقوله تعالت كلماته:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) الاستفهام هنا يؤدي في مغزاه معنى التقرير والتثبت؛ وذلك لأنه للإنكار والنفي، وقد دخل على منفي فنفَى النفي، وبذلك تقرر المعنى وثبت؛ لأن نفي النفي إثبات؛ فالمعنى قد رأيت ونظرت وعلمت، والخطاب عام لكل قارئ وسامع إلى يوم القيامة، والرؤية بمعنى العلم؛ فإن رأى تكون بمعنى علم وبمعنى أبصر، أو تكون دائما بمعنى أبصر، ولكن الإبصار قد يكون بالبصر، وقد يكون بالبصيرة فيكون علمًا؛ وقد تتضمن الرؤية معنى النظر وهو نظر بالبصيرة؛ ولأنها تضمنت معنى النظر قد تعدت بإلى، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) وقد ذكر الراغب الأصفهاني في مفرداته: أن رأى إذا تضمنت معنى النظر، ولو كان النظر بالبصيرة، تتعدى بإلى.
والمعنى الإجمالي: لقد علمت أيها القارئ المتتبع لسق الله في الناس واجتماعهم الناطقة به آياته في نفوسهم وفي الآفاق، علم اليقين والجزم الناشئ عن