هُزم بنو إسرائيل من بعد موسى هزيمة شديدة سبي فيها نساؤهم وذراريهم وأخرجوا من ديارهم، وكان ذلك قبل مبعث داود عليه السلام، كما يدل على ذلك اشتراك داود عليه السلام في المعركة التي أشارت إليها الآية الكريمة، وقد بعث الله سبحانه وتعالى فيهم نبيا وهم في هذه الهزيمة، ولم يذكر سبحانه مَنْ هذا النبي الكريم، فلا نحاول معرفة من هو، وإن بعث النبي وهم في هذه الهزيمة - وقد أراد سبحانه وتعالى أن يفيقوا من هذه الضربة دليلٌ على أن السبيل لإنقاذ الأمم من كبوتها وإنهاضها يكون بالرجوع إلى الدين؛ لأنه هو الذي يصهر القلوب ويملؤها بقوة الله، فتهون بجوارها قوة الناس، وقد كان الرجوع إلى الدين قبل مبعث محمد - ﷺ - بنبي يرسل، وأما وقد ختمت النبوة بمحمد - ﷺ - فقد أصبح الرجوع إلى الدين بالرجوع إلى كلام الله تعالى الخالد وهو القرآن الكريم؛ لأنه صوت الوحي الدائم إلى يوم القيامة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وبعد أن تعمر القلوب بالإيمان ويذهب عنها الخور بقوة اليقين، تتلاقى القلوب فيحاول الفضلاء أن يجمعوا الشمل تحت قيادة موحدة، وتحت إمرة قوية، وسلطان يصرف الأمور، ويدبر الشئون في السلم وفي الحرب؛ وذلك ما اتجهوا إليه:
(قَالُوا لِنَبِيٍّ لهُم ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا) فاختار الله سبحانه وتعالى ملكا لم يكن اختياره بالوراثة والسلالة، بل كان اصطفاؤه للمزايا التي تتفق مع الإمارة والسلطان، وهي قوة العقل وقوة الجسم، فاصطفى الله سبحانه وتعالى طالوت؛ لأنه زاده بسطة في العلم والجسم، وهما الصفتان اللازمتان للأمير، ولكن بني إسرائيل وقد أرهق نفوسهم الذل، وتعودوا المراء والجدل، وعجبوا كيف يختار طالوت، وهو ليس بذي فضل عليهم في النسب، وليس ذا مال وفير؛ فبين الله لهم أن الغاية من الإمارة هي بسط السلطان، والخروج من ذل الهزيمة إلى عزة الانتصار، وأمارة استحقاق طالوت لهذه الإمرة أن يحقق ذلك الانتصار، وأن تأتي إليهم شارة عزهم ومجدهم وهي التابوت.


الصفحة التالية
Icon