السماوات والأرض فأتقن كل شيء خلقه، خلق طبيعة الإنسان تتأدى إلى ذلك النوع من المغالبة؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) فإنه لما وجد الاعتراض بقوله تعالى: (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا) كرر مشيئة الله سبحانه، ليعقبها بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ).
ولكنا نميل إلى تعميم الاقتتال بتعدد أسبابه من غير نظر إلى مجرد الاختلاف
بسبب الإيمان والكفر.
والاستدراك في قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) فيه الإشارة إلى أنه سبحانه لم يشأ منع الاقتتال، بل أراد أن تكون هكذا طبيعة الإنسان، وهو العلي القدير، فعال لما يريد.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ... (٢٥٤)
بعد أن بين سبحانه أن الاقتتال قائم في الدنيا، وأن الحق لَا ينال في راحة واطمئنان؛ لأن البغي والعدوان في طبيعة كثير من بني الإنسان؛ وإذا كان الحق في ذاته أنبل ما يطلبه ابن الإنسان فإن الطريق إليه ليس خاليًا من مَذْأَبةٍ من ابن الإنسان؛ وإذا كان ابن آدم قد قتل أخاه؛ لأنهما قربا قربانًا فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فقال من رُد عليه قربانه لأخيه: لأقتلنك، وقتله؛ فالنزاع مستمر؛ لذلك (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، فكان لابد من أخذ الأهبة، وبذل النفس، ثم بذل النفيس أيضًا.
ولذلك أمر سبحانه وتعالى المؤمنين بأن يستعدوا للقتال بالإنفاق في سبيل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) أي أنفقوا في سبيل الله. فالإنفاق في سبيل الله هو الإنفاق في سبيل الحق، وسبيل كل خير في هذا الوجود، فكل ما ينفق في سبيل الفضيلة من إعطاء لليتامى والمساكين وابن السبيل، وإقامة دعائم الاقتصاد الفاضل، والعمران الشامل هو مما ينفق في سبيل الله، وأقواها مما ينفق في سبيل حماية الحوزة، والدفاع عند الاعتداء.